وجهة نظر

الخلاص الجماعي

إن دروس جائحة كورونا للمتأمل للإنسانية أكثر من أن تحصى، ولطالما وضعت عنوان “بركاتك يا كورونا” على كثير من الأخبار التي كنت أشاركها التي لم تكن تخطر ببال إنسان قبل الجائحة، فقد قلبت موازين العلاقات الدولية وأدخلت البشرية في دوامة منذ شهور غيرت كثيرا من المسلمات، ولا يبدو لها نهاية في الأفق المنظور.

والأكيد أيضا أننا في الأيام الأخيرة دخلنا مرحلة جديدة من تطور انتشار الفيروس في المغرب ومحيطه العربي والأوروبي، فإن كانت المرحلة الأولى من المواجهة واسعة النطاق عن طريق الحجر الصحي والحد من التنقلات قد ساهمت في تفادي حصول انسداد في النظام الصحي الهش أصلا، فإن تبعاته الاقتصادية والاجتماعية والنفسية الهائلة على المواطنين كانت مؤلمة، وخصوصا أن الفئات الأكثر هشاشة هي الأكثر عرضة لهذه التداعيات.

كل هذه الاعتبارات وأخرى أجبرت صناع القرار شرقا وغربا على تلمس كل الطرق والإجراءات لفتح تدريجي وآمن للمرافق الاقتصادية والاجتماعية اختلاف في الوضع. وهو ما فتح الباب أمام ما يمكن تسميته ب”المواجهة بمستوى توتر منخفض”، أي فتح المجال أمام عودة الحياة العامة إلى وضع أشبه بالطبيعي مع إجراءات الوقاية والحذر.

وعليه، فإن هذا الانتقال إلى مرحلة رفع الحجر التدريجي مفهوم: فالفترة السابقة حملت كل العبء لأجهزة الدولة ومؤسساتها، والتي اضطرت إلى التصرف بشكل استثنائي وتحت ضغط شديد من المجتمع الذي فوض لها كل الصلاحيات. لكن هذه المقاربة التي مكنت من تجاوز فترة عصيبة، لكنها أثبتت محدوديتها أمام التحديات الاقتصادية في ظل عدم وجود سقف زمني لامتدادها في ظل غياب لقاح فعال ضد هذا الفيروس.

وقد تمثلت المقاربة الجديدة في فتح النشاط الاقتصادي تدريجيا ومجابهة الفيروس بشكل محلي والتعويل على مسؤولية المواطنين، وهو ما يعني انتقال مركز الثقل ومحل الضغط إلى المجتمع ويلقي مسؤولية ثقيلة عليهم.

وهنا نصل إلى بيت القصيد من المقال: أن الدرس الأكبر للفيروس أن الخلاص جماعي وليس فرديا.

فيكفي تصرف متهور لشخص أو مجموعة من الأشخاص لتقويض جهود الباقي واحتياطاتهم ضد الفيروس، ويتسبب في إغلاق منطقة معينة أو تضييق حرية التنقل.

ويمكن تشبيه الوضع بالبالون، الذي يكفي إحداث ثقب صغير به لينفجر ويصير أشلاء.

هذا الوضع الجديد يفرض على الجميع خلاصة مصادمة للإيديولوجيا الفردية- الأنانية، والتي يمكن القول أنها تعيش امتحانا عسيرا.

فقد مضينا منذ سنوات، بسرعات متفاوتة بين البلدان، على درب عقدية الليبرالية المتوحشة التي تريد أن تجعل كل شيء بضاعة، وهو ما يعني سيادة منطق التجارة في كل المجالات، حتى تلك التي لا تقبل هذا المنحى. وأصبحنا نرى مظاهر فاضحة من هذه الظاهرة في المؤسسات التعليمية والاستشفائية التي أصبحت تخضع لمنطق التجارة بدل بناء المواطن النافع الواعي.

بل إن هذه “العقيدة” الجديدة-القديمة بدأت تتسلل إلى تنظيم الدول عبر تحجيم دورها وسيادتها، بدعوات مبطنة أو صريحة إلى تخفيف دورها لفائدة ما سمي “منطق السوق” عن طريق تخفيف الإجراءات الرقابية وخفض الضرائب وتشجيع الشركات على المستوى المحلي أو الدولي.

لكن هذا الفيروس العجيب جاء ليسائل كل المعايير والاتجاه العام، ويضعنا أمام حقيقة أن المؤسسات العمومية لها أدوار أساسية لا يصلح أن ينوب فيها منطق التجارة والأعمال. فقد وقفنا بالملموس على كون قطاعات الصحة والأمن والوقاية المدنية العمومية هي من تصدى للجائحة لإنقاذ الأرواح في الخط الأمامي. ولا ينسينا ذلك الدول الفاصل لوعي وتعاون المواطنين عن طريق الالتزام بإجراءات الوقاية الصحية والاجتماعية، وهو ما لا يتم عبر تعليم بعدة سرعات ومن أنواع مختلفة تبعا لدخل الآباء، وما ينتج عنه من تهميش للمدرسة العمومية وتناقص منسوب الوعي لدى الفئات الأكثر هشاشة.

كنا نعرف كل ذلك، ولكن هذه الجائحة وضعت على المحك الحلول الفردية والعقدية الأنانية الاستهلاكية التي أصبحت تطبع السير العام لمجتمعاتنا، وتجبرنا بالتالي أن نعود إلى الأصول: ميزانية النهوض الاجتماعي في التعليم والصحة والخدمات ليس إنفاقا بل استثمار في المواطن، بل أفضل استثمار ممكن.

وأنا أكتب هذه السطور، أتابع تحقيقا عن فاجعة وفاة أعداد كبيرة من المسنين في دور العجزة لأن الحكومة الإقليمية في مدريد حرمتهم من الرعاية الصحية بعد إصابتهم بالعدوى وتركتهم يموتون في عزلة قاسية وإهمال فاضح بعيدا عن ذويهم، في أوج اكتظاظ المستشفيات شهر مارس وأبريل الماضيين.

لكن عمق المشكل يتمثل في سياسة الحكومة الإقليمية المحافظة منذ سنوات هو إهمال الاستثمار في نظام صحي عمومي يعد من أفضل الأنظمة في العالم وتشجيع الخوصصة على عدة أصعدة. والنتيجة أن هذا النظام أبان عن محدوديته في التصدي لجائحة بعد سنوات المقص الطويلة وكان بإمكانه إنقاذ العديد من الأرواح لو كان مهيئا بشكل أفضل وإمكانات أكبر.

وفي المحصلة، يكون الدرس الأكبر في الفصل الثاني من المواجهة مع الفيروس هو أن الخلاص جماعي واجتماعي أكثر من أي وقت مضى، وأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الوحيد الآمن، على صعوباته، لبناء مجتمع متحضر يتعامل مع المستجدات بروح إيجابية بناءة.

* أكاديمي ومترجم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *