رسائل

رسائل "كلينتون" بين معسكر الثورة ومعسكر الثورة المضادة

28 أكتوبر 2020 - 18:48

تقديم:

إنّ الصراع الانتخابي الدائر حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية، بين معسكر الديمقراطيين والجمهوريين – الذين تتراجع شعبيتهم وفق استطلاعات الرأي الحديثة – قد أعاد إلى الواجهة مسألة دعم الديمقراطيين للربيع العربي، وذلك بعدما أقدمت إدارة الرئيس الحالي “دونالد ترامب” – رغبة منها في إضعاف المعسكر الآخر – على الكشف بشكل رسمي عن رسائل سريّة سابقة ل “هيلاري كلينتون”، وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس السابق “باراك أوباما”، والتي تثبت أن الديمقراطيين كان لهم دور كبير في اندلاع ثورات الربيع العربي عموما، ودعم الإسلاميين وجماعة الإخوان المسلمين في مصر خصوصا.

وقد قام أعداء الربيع العربي، وأنصار ما بات يعرف ب “الثورة المضادة”، بتلقّف هذه الأخبار، وجعلوا منها مادة دسمة لتأييد طرحهم وتزكية رأيهم، مؤكدين أن الربيع العربي لم يكن سوى مؤامرة خارجية لتفتيت المنطقة وبسط سيطرة الإسلاميين عليها.

في حين أنه في الجهة المقابلة، فإن أنصار الربيع العربي يقللون من أهمية هذه الرسائل والتسريبات، ويؤكدون أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية قد فوجئوا بالربيع العربي، وسعوا إلى احتوائه عن طريق الثورة المضادة، التي راح ضحيتها “الإسلاميون” بشكل كبير.

وأمام هذا التضارب في الآراء، بين معسكر الثورة، ومعسكر الثورة المضادة، نجد أنفسنا مضطرين لطرح سؤالين رئيسيين هما: ما طبيعة الدور الذي لعبته الإدارة الأمريكية السابقة في دعم الربيع العربي؟ وما هو الدور الذي لعبته في دعم الثورة المضادة؟

أولا: الدور الأمريكي في اندلاع الربيع العربي

يرى أنصار هذا التوجه أنه بعد صعود باراك أوباما إلى سدة الحكم، انتهج أسلوبا مختلفا، بحيث لم يعد يعتمد على القوة الصلبة للولايات المتحدة الأمريكية كما فعل سلفه جورج بوش، وإنّما أصبح يعتمد على ما يعرف ب “القوة الناعمة”، حيث عمدت الولايات المتحدة إلى اتباع مختلف السبل لتغيير الأنظمة عبر تحريك الشارع، من خلال وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني من أجل التأثير على الرأي العام، وقامت ضمن هذا الجانب أيضاً بإعداد الدورات والتدريبات داخل الولايات المتحدة وخارجها للشباب المتطوع، من خلال منظمات المجتمع المدني1.

وفي هذا الصدد يأتي الحديث عن رسائل البريد الإلكتروني التي تم عرضها على موقع وزارة الخارجية الأمريكية، والتي تؤكد ارتباط كلينتون الوثيق بقطر وقناة الجزيرة ومحاولة استغلالها لنشر الفوضى بمنطقة الشرق الأوسط. وجاء في إحدى الرسائل الإلكترونية أن هيلاري كلينتون طالبت قطر بتمويل ما يسمى بثورات الربيع العربي عبر صندوق مخصص لمؤسسة كلينتون.

كما كشفت إحدى الرسائل المفرج عنها من طرف إدارة “ترامب” والتي تعود لسبتمبر من عام 2010، عن تعاون قطري مع تنظيم الإخوان في مشروع إنشاء قناة إعلامية باستثمارات تبلغ 100 مليون دولار، بمعنى أن ذلك الدعم قد تم على مسمع ومرأى من الإدارة الأمريكية السابقة.

وقبل ذلك، كانت هيلاري قد استقبلت وفودا من المعارضين في ماي 2009، وقبل أسبوع واحد من زيارة أوباما للقاهرة، وخلال اللقاء ثمّنت كلينتون جهود المعارضين وقالت لهم: “إنه من صالح مصر أن تتجه نحو الديمقراطية وأن تعطي احتراما أكبر لحقوق الإنسان”.

وحثّ أعضاء الوفد الرئيس أوباما على تقديم الدعم السياسي والمالي لمنظمات المجتمع المدني المصرية، وأن يعملوا على فسح المجال للمنظمات غير الحكومية للعمل، نظرا للتضييق الذي كان يفرضه عليها قانون الطوارئ2.

ويؤكّد هذا الطرح ما دونته هيلاري كلينتون في مذكراتها، حيث دونت “أنه مع حلول عام 2011 كانت وزارة الخارجية الأمريكية أنفقت 45 مليون دولار لتمويل أدوات تساعد المعارضين على استخدام الإنترنيت بأمان، وحمايتهم من الأنظمة القمعية في العالم”3.

وحسب المدافعين عن هذا الطرح، فإن تقريرا أمريكيا قد ذكر بأن أمريكا اتخذت قرارا بتفجير غضب الشعب المصري قبل ثورة 25 يناير 2011، ولتحقيق ذلك قررت أمريكا أن ترفع بورصة شيكاجو الخاصة بالقمح أسعارها (74%) في يونيو ونوفمبر 2010 حيث كانت مصر أكبر مستورد للقمح في العالم من أمريكا في ذلك الوقت، وهذا الذي أدى إلى زيادة أسعار الطعام في مصر بنسبة (50%) وكان هذا سببا لأن يكون الشعب في حالة غضب4.

وإضافة إلى ما سبق، فإن وثيقة سرية تعود إلى 12 أغسطس 2012، كشفت أمرين مهمين؛ أولهما أن «أوباما» في دعمه لجماعة «الإخوان» لم يكن يدعم خيار الشعب المصري كما يزعم، بل كان ينفذ سياسة خارجية رسمها البيت الأبيض قبل اندلاع ثورات الربيع العربي بعدة أشهر، تقوم على تمكين الإسلاميين من السلطة بعد السقوط «المتوقع» لبعض الأنظمة العربية ومنها نظام «مبارك»، في مقابل تأمين مصالح أمريكا في الشرق الأوسط، ثانيهما أن ثورات الربيع العربي لم تفاجئ البيت الأبيض كما يشاع، ولكنها اندلعت بعد أن أعد الأمريكان لها العدة واستقروا على خياراتهم التي تضمنتها هذه الوثيقة التي تعرف اختصارا ب « PSD11 »5 .

ثانيا: الدور الأمريكي في الثورة المضادة

يعتقد أنصار هذا التيار أن أمريكا والغرب عموما لم يكونوا راضين عن الربيع العربي، وأنهم تفاجأوا به، وأن الربيع العربي شكل خطرا على مصالحهم، نظرا للعلاقات الاستراتيجية التي كانت تربطهم بالحكام المستبدين الذين يحكمون دول الربيع العربي.

ويؤكد صحة هذه النظرة، ومصداقية هذا التوجه، ما ذكره “زولتان باراني” في كتابه “كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟”، حيث قال: “كان تعنيف الرئيس باراك أوباما لأجهزة الاستخبارات الأمريكية بسبب فشلها في التنبؤ بحدوث الثورات التي عمت العالم العربي هو الدافع وراء التفكير في كتابة هذا الكتاب. كان أوباما قد أعرب عن استيائه من أن المحللين قد أخطأوا في تقدير تحركات الجيش التونسي ورؤية الانهيار السريع لنظام الرئيس زين العابدين بن علي في وقت مبكر من عام 2011″6.

وهكذا وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها مضطرة للتخلي عن نظام مبارك بعد أن بات واضحا بأن الأمور سوف تخرج عن السيطرة ويتحول ذلك إلى ثورة حقيقية تسقط النظام برمته، فتخلت أمريكا عن رأس النظام (محمد حسني مبارك) ودعمت المجلس العسكري المصري، والمفارقة هنا هو أنه تم الترويج للدور البطولي لقادة المجلس العسكري كحام للبلد وللثورة بعد عزله لمبارك، لكن تم نسيان بأن المؤسسة العسكرية هي لبّ نظام مبارك وديكتاتوريته طيلة ثلاثين سنة، وبالنسبة لأمريكا فلم يكن مبارك حليفها الوحيد، بل كان لها حلفاء استراتيجيون في الجيش المصري7.

“وقد تبين أن انقلاب المجلس العسكري على مبارك لم يكن انقلابا ديمقراطيا، بل كان انقلابا وقائيا غايته منع أي تحول ديمقراطي، وجني ثمرة المواجهة بين النظام المصري الشائخ والثورة الفتية التي كانت على وشك الإطاحة به قبل تدخل الجيش”8.

وبعد تنحية مبارك وأمام ضغط الشعب المصري كان لزاما على قادة الجيش المصري وعلى الولايات المتحدة الأمريكية أن تجاري الحراك الشعبي المطالب بالديمقراطية، عبر السماح بإجراء انتخابات شفافة وحرة انتهت بصعود الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم، لكن لم يمض عام واحد من حكمهم حتى تم الانقلاب عليهم من قبل المجلس العسكري9.

وعانى مرسي منذ استلامه الحكم مع قوى الدولة العميقة، والمؤسسات الصلبة الخارجة عن سلطته، خاصة الجيش والشرطة والقضاء، وهذا ما كشفه “دافيد كيركباتريك” أحد صحافيي “نيويورك تايمز”، الذي ألف كتابا حول ما حدث في مصر، حمل عنوان: ” Into the hands of the soldiers “، “بين أيدي العسكر”، وهو الكتاب الذي منع بسببه من دخول الأراضي المصرية.

وكشف كيركباتريك أن السفيرة الأمريكية في مصر قد أبلغت وزارة الخارجية الأمريكية من خلال بعض الرسائل الإلكترونية أن الانقلاب قادم لا محالة، وأنه سيكون كبيرا، واكتفت بالتحذير من مغبة أن يكون وحشيا10.

كما كشف المؤلف أن أوباما قرر عدم تسمية الإطاحة بمرسي أنها انقلاب، نظرا لكون القانون الأميركي ينص على قطع المساعدات على أي جيش عسكري ينقلب على حكومته المنتخبة11.

وإذا كان هذا موقف الولايات المتحدة الأمريكية، فإن موقف الاتحاد الأوروبي لم يكن مغايرا، فالاتحاد الأوروبي لم يطلق على حوادث 3 يوليوز 2013 في مصر تسمية الانقلاب العسكري، على الرغم من الإجماع الأوروبي العلني في عدم الترحيب بالخطوة العسكرية. فجاء الموقف الأوروبي مشابها للموقف الأميركي من حيث إصراره على مشاركة القوى السياسية في خريطة الطريق، لكنه لم يرفض تحرك العسكر ضد أول رئيس مدني منتخب لمصر من حيث المبدأ12.

خاتمة:

ما يمكننا أن نخلص إليه في نهاية المطاف هو أن الأدلة التي يستند عليها أنصار نظرية المؤامرة هي دعم الحكومة الأمريكية للجمعيات المدنية الداعية للديمقراطية، وهذا لا ينهض دليلا على كون الثورات العربية مؤامرة خارجية، فالمجتمع المدني أضحى ركيزة أساسية من ركائز الدولة العصرية، ويلعب دورا فعالا في تكريس الحقوق الإنسانية.

كما أن رسائل “هيلاري كلينتون” المكشوف عنها حديثا والتي تؤكد دعم الديمقراطيين للإسلاميين في مصر، لا تنهض دليلا على أن الربيع العربي كان مؤامرة لإيصال الإسلاميين إلى الحكم، لا سيما إذا نظرنا إلى الدور الكبير الذي لعبته إدارة أوباما في إسقاط الإسلاميين والانقلاب عليهم من طرف العسكر.

وفي اعتقادنا: فإن أقصى ما يمكن به تأويل الدعم الأمريكي للإسلاميين؛ هو أنه جاء في إطار تداعيات أحداث 11 شتنبر 2001، ورغبة الغرب في فتح جسور التواصل مع إسلاميين معتدلين، لكبح جماح الجماعات المتطرفة، كما أن ذلك الدعم قد جاء مجاراة للواقع الذي فرضه الإسلاميون بشعبيتهم الكبيرة، دون أن يصل إلى حد السماح لهم بالوصول إلى سدة الحكم وترسيخ أقدامهم في السلطة، وهذا ما ترجم على أرض الواقع من خلال دعم الانقلاب العسكري في 2013، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار مدى رضائية أمريكا والغرب على النظام المصري الجديد.

وبالتالي يمكن القول أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية تحت إدارة الرئيس السابق “باراك أوباما” قد حارب الربيع العربي بشكل عام، وأضرّ به في مصر على وجه الخصوص، ورضي بالانقلاب عليه من طرف المؤسسة العسكرية، وهذا ما يقوّض حجة التيار الذي يضخم من حجم رسائل هيلاري كلينتون.

المراجع:

محمود محمد علي، “هيلاري كلينتون: الربيع العربي صناعة أمريكية، https://bit.ly/2Az5oGN
أحمد سليم عبد الله، “دور السياسة الأمريكية في التحولات الديمقراطية في المنطقة”، رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، جامعة الشرق الأوسط، كلية الآداب والعلوم، قسم العلوم السياسية، السنة الجامعية 2013-2014، ص: 77
جيهان عبد السلام عوض، “أمريكا والربيع العربي: خفايا السياسة الأمريكية في المنطقة العربية”، العربي للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، أكتوبر 2019 ص: 110
المرجع السابق ص: 111
سيد جبيل، “تقارير غربية: «أوباما» استعد سراً لـ «الربيع العربى» قبل اندلاعه بـ 4 أشهر”، تاريخ النشر: 18-07-2013- https://bit.ly/38vt3V2
زولتان باراني، “كيف تستجيب الجيوش للثوات؟ ولماذا؟”، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى 2017، ص: 13
صادق حجال، “تأثير العوامل الخارجية على عملية بناء الدولة لفترة ما بعد حراك 2011″، مجلة العلوم السياسية والقانون، المركز الديمقراطي العربي، العدد 07، فبراير 2018، ص: 116
محمد المختار الشنقيطي، “الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية: من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي”، الطبعة الأولى 2018، ص: 478
صادق حجال، مرجع سابق، ص: 117
David Kirkpatrick, ” into the hands of the soldiers”, penguin random house, 2018 , p : 217
المرجع السابق، ص: 224
عزمي بشارة، “ثورة مصر الجزء الثاني من الثورة إلى الانقلاب، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، ماي 2016، ص: 473

* باحث أكاديمي في سلك الماستر، تخصص: حقوق الإنسان – جامعة سيدي محمد بن عبد الله- كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- فاس

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

الفوضى الخلاقة.. زمن كورونا

حيا-موت

واقع التعاون العربي في مواجهة أزمة كورونا

تابعنا على