فخ

فخ "الطمأنينة" الفكرية

28 يناير 2017 - 02:10

بعد تأمل في تفاصيل الحياة وبعض التجارب الحياتية القليلة،قد نلحظ في أي نقاش او أي مأدبة فكرية بعض النماذج الشاذة التي ترى ان المعرفة ومسلسها منتهٍ لا محالة ويجب ان يبني الانسان بالضرورة مكتسبات في حياته الفكرية ذات سمة ثابتة والاهم انها غالبا ما تكون غير قابلة للنقاش. فأي مسار يتم اتخاذه لتبني هذه القناعة؟

في البداية يكون الامر كبحث عن نموذج للاختيار للوصول للمعرفة، فتتحدد المعايير او المقاييس للاختيار وبالتالي تتشكل القدوة بالتقليدسواءً على مستوى السلوك وأيضا على مستوى الأفكار. انها المعرفة الجاهزة.فيبدأ المسار للوصول الى النسخة طبق الأصل، الاب يريد ابنا يشبهه تصرفا وقناعة والام تريد بنتها كأنهاهي، او العكس.

فالبحث عن إجابات وبناء القناعات يحصلغالبا حسب مراجع معروفة سابقا ولا يجب ان يخرج عن نطاقها. وأي تحول او تطور يكون وفق هذا البناء الأصلي السابق وكل خروج عنه قد يكسر الطمأنينة التي تم الحصول عليها في عملية البناء. انها مرحلة امان يعيشها الفرد يطمئن لبنائه بكل تفاصيله. لان تركيب الانسان النفسي يلزمه ان يعتقدبأمر معين أوان يحظى بثوابت يقينية يعرف نفسه من خلالها.

لن نختلف إذا قلنا ان هذا الامر صحي في البداية، فالإنسان لا يمكن له ان يناقش او ان يبني مواقفه من فراغ. لكن التقليد شيء والتقليد من اجل التطوير شيء اخر.

مسلسل البحث عن الحقيقة والبحث في ثنايا المعرفة يحتكم الى مجموعة من المحددات والشروط. اهمها ومركزها هوالبناء.يحدث البناء بالسؤال والتساؤل المستمر واكتساب الهم الفكري المستمر.

قد نشفق على احدهم ونحن نسمعه يتبنى افكارا جديدة لم نألفها ويشكك ويتساءل عن امور نراها من المسلمات او عن الامور المؤسسة لإدراكنا و استيعابنا للواقع او حتى التي تنبني عليها عقيدتنا و ايماننا.

قد نعبر بالإشفاق كسلوك نفسي لحماية المكتسب الذي نتوفر عليه والذي يكون غالبا قد جاء من باب الوراثة (ما وجدنا عليه اباءنا) او حتى من باب البحث والتساؤل. لماذا نخاف من التساؤل والسؤال؟ لماذا نرفض التشكيك؟

هذا أيضا ما عبر عليه نتشه حينما قال "أحيانا لا يريد الناس سماع الحقيقة لأنهم لا يريدون رؤية توهماتهمتتحطم".

يعد التساؤل والتشكيك امرا مقبولا جدا ويساعد على تطوير الذات وتقييمها أيضا. هذا التشكيك المصاحبلمبدأ احترام الرأي المخالف.لان جعل شيء ما محط تساؤل لايعني بالضرورة انه خاطئ وحتى تبنيه من طرف الجميع لا يعني انه صحيح ايضا.

وجود هذا المتسائل الجدي مرغوب بشكل كبير، المتسائل الذي يبني أراءه عن علم وبحث رصين ويسعى لإيجاد تفسيرات جديدة،تفسيرات لها اهداف سامية وراقية بعيدة كل البعد عن مبدأ "الانتصار الرأي" او "اقصاء الاخر" او حتى "التشكيك من أجل التشكيك فقط،" بل في سياق المواكبة لجديد المعرفة.

لان البحث يجب ان يكون مستمراخصوص ان الحقيقة متعددة كما ذكر طه عبد الرحمان. وكل امر او فكرة اوقراءة معينة مقبولة ويمكناخذها بعين الاعتبار في اطار توسيع الأفق وتجميع المواقف. او كما قال الدكتور علي الوردي "فليس هناك في الكون شيء خير كله أو شر كله..

الإنسان الذي يعيش في مجتمع متحرك لا يستطيع أن يحصل على الطمأنينة".لذا فالبحث عن الحقيقة مسار غير متناهي وغيرمنتهي ومستمر للأبد ويجب ان نستصحب معنا وان لا يتوقف. يصير الهم المعرفي آنذاك رغبة وحاجة في نفس الوقت ويصبح طريقة عيش جديدة تجعل من العقل المحرك الأساسي في التعامل. فكل مجال لكسب المعرفة مطلوب ويجبان يتم استغلاله أبشع استغلال في كل فرصة سانحة.

وهناك من يعتبر الامر من علامات النباهة واستعمال العقل وقد صورها فاسوديف الهندي بشكل كوميدي في جملته"علامة الذكاء ان تتساءل باستمرار ..الحمقى متأكدون وبشكل قاطع من كل شيء يفعلونه في حياتهم".

الاقتناع بان الوصول الى الطمأنينة الفكرية هو الهدف والمراد فهو اقتناع تائه وفاقد للحقيقة بعينها. فالوقوع في هذا الفخ، فخ الطمأنينة الفكرية، من أوهام المعرفة فتظن أنك تعرف في حين أنك لا تعرف شيئا. الوصول الى مرحلة الاكتفاء المعرفي غائبة بالأساس في الحياة وكلما ازداد علم الانسان ازداد جهله كما قال الشافعي رحمه الله. ازدياد الوعي يزيد الألم والاحساس بالمعاناة و أحيانا يزيد الرغبة في عدم المعرفة. ان نعرف بداية للمزيد من "اريد ان اعرف" وتأكيد للخروج من وهم المعرفة وزعزعة صحية للطمأنينة الفكرية التي لا وجود لها من الأساس.

 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

نحن في حاجة لبنكيران

اختفاء طفل بطنجة

محلل نفساني يفسر أسباب رغبة المغاربة في إعدام مغتصب وقاتل الطفل عدنان

هل يطبع المغرب؟

تابعنا على