حفلات تسول جماعي منظم

حفلات تسول جماعي منظم "هاي كلاس"

28 يناير 2017 - 02:31

إن المتجول في شوارع الرباط، شارع محمد الخامس بالتحديد، لاشك سيصادف في ركن من الأركان أو تحت عمود من الأعمدة شابا أو مجموعة شباب بمظهر موضة تسعينيات القرن الماضي مع لمسات ما بعد الحداثة يعزفون على آلات موسيقية (قيثارة في الغالب) ويؤدون بعض أشهر المقاطع الموسيقية الغربية .. في انسجام مع الذات ربما، حسب ما يبدو، لكن لا يوجد قطعا انسجام مع المحيط، ذلك أنه لا يعدو كونه وسيلة من وسائل التسول التي تتجلى في أشكال "إبداعية" مختلفة حسب الانطباع العام.. واقع ينبئ بأننا لم نعد نستورد المظاهر فقط بل أصبحنا نستورد أنماطا حياتية لا تصلح للاستعمال سوى في محيط ضيق يوفر بيئة بصرية مناسبة على شاكلة فضاءات إخراج الأفلام السينمائية، فهي مجال جغرافي محدود جدا لكنها تبدو للمتلقي كما لو كانت عالما لا محدودا .. حدث ذات ليلة أن توجهت من باب الفضول نحو حشد من الناس يتحلقون حول شيء ما فلما اقترب إذا بي أمام فرقة من الشباب يعزفون على آلات مختلفة إيقاعات أمريكا الجنوبية وموسيقى الهنود الحمر مع أداء بعض الأغاني التي يبدو أنها من وحي الفولكلور الشعبي لبعض تلك الأقطار.. استهوتني الإيقاعات ووقفت لبعض الوقت أستمتع بها لكن عندما تعلم أن كل هذا مجرد وسيلة من وسائل التسول يتشوش التركيز وتنتهي متعة المتابعة .. قد تتضامن بدرهم أو درهمين وقد تمضي إلى حال سبيلك متأسفا..

غير بعيد عن هذا المكان تثير انتباهك لوحة إشهارية ضخمة فاقع لونها تزعج الناظرين.. مضمونها دعوة لحفل من الضحك ينشطه مجموعة من الشباب ملؤوا وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الإعلامي صراخا وضجيجا.. يمتلكون كل شيء إلا الحس الفني والذوق الجمالي.. يكاد الواحد منهم يفقأ عينيه وهو يبحلق في اللا شيء باستغراب أو ينزع ثيابه أو يكسر ضلعا من أضلاعه في حركات بهلوانية غريبة.. كل ذلك تحت قصف وابل من الأضواء الراقصة التي تلهب المكان في محاولة يائسة لانتزاع ابتسامة من محيا الحضور إثارة البهجة.. قد تنطلق ضحكات من هنا وابتسامات من هناك لكنها ليست تعبيرا عن تفاعل المعنى بالمبنى بقدر ماهي ناتجة عن سخرية المظهر.. بل إن التيمات والمواضيع المطروقة تكاد تكون معروفة مسبقا ولا يكاد يخلو عرض من موضوعي "لمصاحبا والزواج" إن لم نقل إنهما التيمتان الأساسيتان اللتان يتوسلون إثارة الانتباه بهما.. من خلال ملاحقة تمظهراتهما في نمط الحياة الاجتماعية المعولمة وانسحاب القيم الأصيلة لصالح النزوات الاستهلاكية المتوحشة، يتم الأمر دون بعد نقدي أو اصطفاف قيمي مما قد يفهم منه أنه تطبيع مع واقع مختل.

فبدل أن تستغل هذه التظاهرات للارتقاء بالذوق العام تتحول إلى مجرد مهرجانات تسول جماعي منظم تصنيف خمس نجوم !!
بين المشهد الأول والمشهد الثاني نقاط التقاء واختلاف لكن أبرزها يتلخص في اثنتين؛ تخبرنا الأولى أن الفن في بلدنا ليس أحسن حالا من السياسة والرياضة والتعليم... فبين العبث والاستلاب الحضاري ضاعت طاقات الشباب وحرفت بوصلتها بعيدا عن الهموم الحقيقية للوطن..

بينما الثانية تنبينا بأن عدوى اللامعنى تنتشر بسرعة وأن الفن انتقل من الرسالية إلى مورد رزق ومن علياء القضية إلى سفح التكسب، فالمشهد الأول فيه إبداع في المكان والزمان الخطأ بمردود زهيد.. والمشهد الثاني فيه تكرار وضحك على الذقون في حفلات للتسول الجماعي المنظم "هاي كلاس"..

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

منطق فئة من المغاربة ومنطق القانون

ستبقى ذكراك يا عدنان في قلوب جميع المغاربة

المجرم الذاتي

تابعنا على