وجهة نظر

الدار البيضاء وذاكرتها التربوية والثقافية

قصص عديدة من الممكن القبض عليها في العديد من الأمكنة التربوية المميزة لذاكرة مدينة الدار البيضاء. أسماء عديدة تعلمت وتخرجت من هذه المدينة. وجوه وصلت إلى قمة الهرم التربوي والاجتماعي والسياسي والفني والعلمي والثقافي والرياضي.يكفي زيارة مواقع ومجموعات من سبق له أن درس بمؤسسات هذه المدينة التعليمية العمومية، لتجد نفسك أمام خصوبة تربوية عمومية أعطت الشيء الكثير لهذا الوطن ولغير هذا الوطن. أسماء تعلمت في مدارس عمومية من البداية إلى النهاية، وقبل حتى أن يظهر التعليم الخصوصي في شكله الحالي، لنتأكد من أن مدارس هذه المدينة العمومية بما فيها مؤسساتها الجامعية، وإلى يومنا هذا، هي اليوم رأسمال تربوي وإنساني حقيقي، ساهم في مد الوطن بالعديد من الكفاءات.

الشيء نفسه من الممكن تتبعه من خلال وجوه سينمائية وتشكيلية وقصصية وروائية ونقدية ومسرحية وإعلامية وغنائية شعبية وغير شعبية، ورياضية، الخ. أسماء ساهمت المدينة في التعريف بها وعرفت بدورها بهذه المدينة لاسيما حينما وصلت إلى أوج عطائها وحققت العديد من التميز المادي والمالي والمعنوي، والعديد من هذه الوجوه أو الأسماء المشهورة اليوم، تعلمت بمدراس المدينة ولها قصص عديدة نسجتها صحبة أقرانها في دروب المدينة.

ليست المدينة فقط، ما تقذفه بحارها من ثروات سمكية أو ما تقدمه مصانعها من مواد استهلاكية قد تكون طبية أو غذائية أو تقنيةأوعماراتها الشامخةأوقناطرها المقنطرة من الإسمنت والحديد، الخ، لكن علينا الالتفات إلى ما يميز مدننا المغربية ككل دون نسيان طبعا قرانا، من ذاكرة تربوية تتلخص في طبيعة مؤسساتها التعليمية من مرحلة الكتاب القرآني إلى أن يغادر المتعلم آخر مرحلة من مراحل تعلمه وما حمله معه من علاقات إنسانية بها يتقوى كلما هزته رياح العولمة وفعل الزمن فعله في بنية جسده وقلبه، والشيء نفسه يقال عن الشق الثقافي للمدينة/المكان ككل.

أكيد أن المدينة وعبر تاريخها الحديث، على الأقل، انتفعت من خصوبة العقول والقلوب التي هاجرت إليها ولأسباب هي في المجمل اقتصادية وتعليمية، الخ، بحثا عن الرزق/الاستقرار، لاسيما والمدينة لها سلطتها الجذابة بحكم موقعها النوعي وقربها من الاتجاهات المؤدية إلى باقي المناطق المغربية، ناهيك عن رمزيتها خارج المغرب. شخصيا سئلت كثيرا عن مدينة الدار البيضاء، في رحلاتي الخارجية، وجدت أن هناك من تعلق بها دون زيارتها، وكنت مصغيا لسبب التعلق بمدينة اقتصادية هي عبارة عن “غول” غير مرغوب فيها من لدن العديد من المغاربة الذين يهابون قوتها البشرية والاقتصادية وضجيج الآلة، وما تتطلبه المدينة من إمكانيات مالية للتحكم في حاجيات إيقاعاتها التي تجرك إليها أينما وليت وجهك، داخل أمكنتها الشعبية وغير الشعبية، دون نسيان أنها مدينة تفرض عليك نمط تفكير آخر، غير الذي قد تعتاده وأنت تسير بخطى بطيئة داخل أزقة مدينة أو قرية صغيرة في هذا الوطن الممتد من طنجة إلى لكويرة.

لا زلت أتذكر رحلتي إلى بلد عربي شقيق، وكيف أن وجهة عودتي إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، أنقذتني من دفع مبالغ مالية تتعلق بوزن زائد كان في الأصل عبارة عن مجموعة من الكتب أهديت لي من لدن جامعة ولها قيمتها ووزنها العلمي الذي لا زال حاضرا في ما تخطه يداي في بعض كتاباتي المحكمة. بمجرد ما شاهد المسؤول تذكرة العودة هاته، وقد كتب عليها إسم الدار البيضاء، أعفاني من التكاليف المالية. فلولا هذا الإعفاء كنت سأتركها في مطار هذا البلد الكريم، نظرا لكوني لم أكن أتوفر على المبلغ المالي الكافي وبالعملة الصعبة لأدائه مقابل وزن هذه الكتب التي هي عبارة عن مجلدات مهمة.لقد أدركت أنه من محبي مدينة الدار البيضاء، بل، لاحظت قسمات وجهه قد تغيرت وانشرح بعدما كان وعلى امتداد استقباله للمسافرين وجها عبوسا. باح لي بعشقه للمدينة وكيف أنه من عشاق ناس الغيوان ومن محبي “ضجيجها” وبدأ يحكي لي العديد من قصصه مؤكدا لي رغبته في أن يستقر بها هو وأهله بعد تقاعده.

التربية والثقافة، هما اليوم ميزة من الممكن أن تساهم في التعريف بالعديد من المدن المغربية العديدة. يكفي الإشارة إلى رمزية ناس الغيوانولمشاهب وبوشعيب البيضاوي ومسرح المعاريف سابقا وحلقة خليفة، كمثال بسيط لتبيان خصوبة المدينة وكيف أنها ساهمت كمكان في فتح الطريق للتربع على نجومياتشعبية وغير شعبية عديدة داخل وخارج المغرب.

مرة التقيت بصديق جزائري مثقف وجامعي له قيمته العلمية وغاية في الأخلاق والعشق للمغرب وبالضبط لهذه المدينة، ولمؤلفات محمد عابد الجابري وعبد الله العروي وطه عبد الرحمن ولأغاني عبد الهادي بلخياطونعيمة سميح ولمسرح الطيب الصديقي ولمطاعم المدينة الشعبية على وجه الخصوص، وهو ما يجعل المرء يشعر بالفعل أن بين أيدينا رأسمال ثقافي رمزي له دبلوماسيته التي عادة لا ينتبه إليها في سياقات وانشغالات عديدة بتفاصيل حياتية مهيمنة علينا جميعا.

ماذا، لاسيما في الزمن التكنولوجي المسهل للتواصل عن قرب وعن بعد، لو تتبعنا أسماء فكرية وعلمية شامخة هي اليوم تعيش زمن عطاءاتها المتعدد وفي ميادين متعددة داخل وخارج المغرب لمعرفة طبعا المدرسة أو المدراس التي تعلمت بها داخل المدينة، وفي أفق، وعلى سبيل المثال جعلها محفزا للأجيال الحالية؟. ولم لا استدعاؤها للتعريف بطبيعة الزمن الذي تعلمت به داخل هذه المدرسة أو تلك، وبحضور متعلمي ومدرسي وإداريي وآباء المدرسة؟. أكيد لن يتراجع أي شخص طلب منه الحضور لمؤسسته التعليمية قصد تعرف المتعلمين عليه ومن أجل أن يكون حافزا لتعلمهم نابشا في ذاكرة المدرسة/المكان والمدرسة/الإنسان.صحيح قد تكون التجربة تمت هنا وهناك، لكن وفي ظل الوظائف الجديدة التي على المدرسة أن تلعبها وفي ضوء القانون الإطار 51.17، فمن الممكن الاشتغال على هذا الموضوع بشكل كمي ونوعي مفيد للذاكرة التربوية لكي نمرر عبرها رسالة قوية تتعلق بعطاءات مدارسنا العمومية ومن كان ولا يزال يقودها من مدرسين هادفين إلى تقديم أجمل ما لديهم من أعمال.

يكفي اليوم أن نتتبع حوارا إذاعيا أو تلفزيا أو من خلال شبكة التواصل الاجتماعي والعديد من البرامج الرقمية، الخ، لنتعرف وبسهولة على أسماء فكرية وعلمية وازنة تعلمت بمدراس هذه المدينة وهي اليوم أسماء شامخة وتحتل مواقع فكرية ومهنية وعلمية داخل وخارج أرض الوطن، بل من الممكن وبسهولة أيضا تتبع العديد من هذه الأسماء في المجموعات التواصلية التي تنشر فيها أسماء وازنة لا زالت على قيد الحياة ويجرها الحنين لزيارة مدارسها التي تعلمت فيها.

الذاكرة التربوية والثقافية، هي اليوم جزء خصب من رأسمال حقيقي تتميز به هذه المدينة وعليها التفكير في كيفية استثماره لفائدتها وبطرق متعددة طبعا بمعزل عن أي توظيف سياسوي غير نافع، بل ومن زاوية تربوية وثقافية تهم المدينة/الإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *