وجهة نظر

النموذج التنموي الجديد: متى يتم الإفراج عن نتائج العمل؟

من حظ لجنة العمل على النموذج التنموي الجديد أن عملها صاحبته ظروف الأزمة الصحية المرتبطة بكوفيد  19. الضغط الذي تولد عن التعامل مع نتائج الأزمة أدى إلى إتخاذ قرارات تتسم  بالجرأة  و بالكثير من تجاوز الثقافة المحافظة إداريا  و ماليا .ظهر أن إمكانية تعبئة موارد خارج الأساليب المتعارف عليها في مجال الضريبة  و المديونية ممكنة وأن من استفادوا من مداخيل كبيرة خلال عقود كثيرة ،رغم صعوبات المالية العمومية،لهم قدرة على الإسهام في تحمل عبىء المجهود الوطني. الكل يعلم أن الدستورأكد  على أن تحمل عبىء المرافق العموميةو آثار الكوارث الطبيعية  و الحالات الاستثنائية يتحملها الجميع كل حسب قدراته سواء عبر الجبايات أو المساهمات الأخرى الطوعية أو تلك التي يمكن أن تفرض بحكم الضرورة القصوى.

أن يتم التفكير في نموذج تنموي في ظل أزمة، فهذه ” نعمة” أتت من جراء نقمة. صحيح أن الفكر الإقتصادي ظل حبيس اجتهادات محدودة على الصعيد الإنساني في كل  الأقطار.  و بقي المواطن سجين قواعد فرضت عليه كقاعدة العرض و الطلب و قاعدة محدودية إمكانيات الإنتاج الوطني  و قاعدة أولوية صاحب رأس المال في  الاستيلاء على الثروة و قاعدة تحمل العمال لكل نتائج الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية  و قاعدة الحرية المطلقة للمقامرين في السوق المالي الذي كسر كل الجسور مع الإقتصاد المرتبط بالإنتاج، ولا يمكن الخروج من دوامة لا توازن العلاقات الإنسانية دون تغيير كثير من هذه القواعد التي حولها الأقوياء إلى مسلمات.

و حتى نرجع إلى النموذج التنموي الجديد و المنتظر ببلادنا،  وجب التذكير بأن هذا النموذج الذي أكد ضرورته الإستراتيجية و حتمية تغيير ما سبقه ملك البلاد،  له أبعاد ثقافية عميقة قد تصل إلى أماكن قد تبدو غريبة عن مجال إنتاج السلع و الخدمات.  نعم إن الإنتاج الفكري  و أساليب التعامل مع القيم  و الممارسات الدينية لها علاقات وثيقة بمعدلات النمو و خلق مناصب الشغل. إن  للقيم الفكرية و الثقافية  و الإيديولوجية  و الدينية آثار على السياسات العمومية القطاعية  و على سوق الأسهم  و السندات و كذلك على سياسات التكوين المهني  و البحث العلمي. و لا بد من القول أن ورش الإصلاح الديني والبدء في عقلنة تدبير مكوناته المؤسساتية  و البشرية  بدأت  و يجب أن تستمر.  كل هذا للقول بأن التنمية تختلف كثيرا عن مراكمة المكونات الكمية للراسمال كالطرق و الموانئ و المعامل  و غيرها  و لكنها تضم بالأساس  القيم الثقافية و السياسية و التربوية و القانونية  التي تحقق تحول المواطن إلى فاعل منتج يتملك قدرات الإختيار في إطار حرية كبيرة  و مسؤولة.

إن النموذج الذي لا يحرك أسس التعليم و الصحة  و القضاء  و أساليب الحصول على الدخل  و تحقيق الأرباح،  لا يمكن أن يتجاوز مجرد مقترحات لن تفيد في شيء.  إن النموذج الذي لا يطرح قضايا الحكامة  و الريع  و الرشوة  و المحاسبة الحقيقية و ضبط آليات إدارة المرافق العامة  و العمل السياسي، سيظل مجرد تقرير تقنوقراطي عديم الأثر على إمكانية ولوج بلادنا إلى مصاف الدول الصاعدة. المطلوب أكبر من  مجرد إقتراحات سياسات قطاعية جديدة  أو خلق مؤسسات جديدة،  القضية تتطلب تغييرا في القيم لغلع رداء الانغلاق و الركون إلى أساليب تضخيم آليات قراءة ” القدر و المكتوب و غيرها” عن جسم  و روح المغرب و تغييرا في التعامل مع ضعف الحكامة  و خطاب استصغار نتائج و آثار الريع  و الرشوة  و التهرب الضريبي.

النموذج التنموي الجديد المنتظر يجب ان يكون نتيجة لقراءة  علمية عميقة واقع المغرب في تنوعه و بؤر فقره  و مناطق غناه و قوته و أسباب فشل بعض سياساته القطاعية و أسلوب تدبيره سياسيا  و اقتصاديا واجتماعيا.  لا نريد تقريرا يقدم قراءة رسمية جدا تحابي ولا تتجرأ. من الممكن جدا أن نحول إمكانياتنا إلى آليات لتسريع للإنتاج في كل المجالات و كسر كل الحواجز التي تحد من دور المرأة والشباب  و من إدماج  كل الفئات  و المناطق في معركة التنمية. النموذج التنموي الجديد يجب أن يمكن من تحرير المواطن  و الوطن من كافة المظاهر الرجعية التي تسكن مكونات ثقافتنا وهويتنا  الوطنية و التي تكبل المبادرة.  التنمية قضية شمولية لا يمكن حصرها في إنتاج سلع و خدمات و لكن في مواجهة حقيقية  وفعالة لكافة أوجه ضعف الحكامة و ما يكتنفها من أساليب تضعف مناعة الجسم المجتمعي. و تظل محاسبة المسؤول في تدبيره المحور الأساسي لتقييم أداء  جميع المؤسسات العمومية  و السياسية و منظمات المجتمع المدني.  الأمر إذن ليس مجرد إطار لتنظيم إدارة قطاعات إقتصادية أو إتخاذ قرارات وإجراءات ذات طابع محدود ، ولكن خلق ثقافة جديدة ذات أبعاد مؤسساتية تبني أساليب جديدة للتعامل مع الفاعلين في إطار الحرية  و المسؤولية والتعاقد الواضح.

نتمنى أن يطلع المواطن في القريب على نتائج أكبر عملية تواصل  و تحليل شارك فيها الفاعل السياسي والنقابي  والجمعوي  و القطاع الخاص و آخرين. و نتمنى كذلك أن يحظى التقرير المنتظر بنقاش عمومي مسؤول بعيدا عن التجاذبات السياساوية و أن يستقبله نواب الأمة بكثير من وضوح الرؤيا و كثيرا من القراءة المهنيةالعميقة  التي تبتغي تحقيق الأهداف الإستراتيجية لوطن له القدرة على ولوج عالم الاقتصادات الصاعدة مع الأمل في القضاء على مظاهر الهشاشة  والتخلف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *