وجهة نظر

حرب البوليساريو الحقوقية.. إرث ثقيل وانتكاسات وهزائم مستمرة

12 مايو 2021 - 00:42

على أنصار البوليساريو أن يخجلوا من مقارنة الوضع الحقوقي في المخيمات بنظيره في المناطق الخاضعة للمغرب، فبالرغم من أن الأخير ارتكب انتهاكات مشابهة لما ارتكبته الجبهة في سنوات الرصاص في حق الصحراويين، إلا أنه لا يمكن مقارنة تعاطي الجانبين مع إرثهما الحقوقي الثقيل.

صحيح أن وضع المغرب الحقوقي لم يكن مثاليا في ما مضى، فرغم كل المآخذ والانتقادات المسجلة عليه، والمطالب المستمرة بالقطيعة مع كافة التجاوزات التي تقدم عليها السلطة العمومية من حين لآخر من قبيل التضييق على حرية التظاهر السلمي مثلا، لكن مجرد مقارنته بالجبهة ستظهره كمدينة فاضلة، حيث يتقدم بسنوات ضوئية عليها، ليس لمثالية أداءه، ولكن لكارثية أداء البولساريو.

فيكفي أن نعلم أن المغرب تصالح مع ماضيه الحقوقي إلى حد كبير، فاعترف بكل الانتهاكات التي مارستها الدولة خلال سنوات الرصاص، وعمل على جبر الضرر المادي والمعنوي الذي لحق بالضحايا، بالرغم من بعض الانتقادات التي لا تخلو منها أي عملية انتقال ديمقراطي أو عدالة انتقالية في كل التجارب الحقوقية الدولية، والتي لم تمنع جميع الضحايا الصحراويين من الانخراط في الآليات المنبثقة عن هيئة الانصاف والمصالحة والاستفادة من عمليات جبر الضرر والتعويض والادماج.

ففي حين أسس المغرب لمجموعة من الهيئات الحقوقية الوطنية، في مقدمتها هيئة الانصاف والمصالحة التي عنيت بدراسة ملفات الضحايا ومعالجتها، الى جانب عديد اللجان التي تواكب انخراطه في الالتزامات المترتبة عن توقيعه على عديد الاتفاقيات والعهود الدولية المتعلقة بحقوق الانسان، فضلا تأسيسه للمجلس الوطني لحقوق الانسان الذي بات هيئة دستورية تساهم في رسم السياسات العمومية والتقرير وتتبع الوضع الحقوقي في المغرب.

في المقابل لا تزال البوليساريو ومن خلفها الجزائر التي ارتكبت تلك الانتهاك على ترابها الإقليمي، ترفضان الاعتراف بالجرائم التي مارستها الجبهة على ضحاياها، كما ترفضان الانخراط في أي شكل من أشكال الانصاف وتحقيق العدالة، بما في ذلك مجرد الاعتذار للضحايا، في حين تعملان على تكريم الجلادين والمشتبه في تورطهم في تلك الانتهاكات، وتقديرهم من خلال تبوؤهم للمواقع القيادية، وبالتالي تكريس إفلاتهم من العقاب والمساءلة.

أما عن ممارساتها فلا تزال كافة الحقوق الأساسية المدنية والسياسية مصادرة بموجب قانون البوليساريو، حيث يمنع تأسيس الأحزاب والجمعيات وكافة الهيئات المدنية في المخيمات، كما يتم التضييق على حرية التنقل والعمل والتملك، فضلا عن مصاردة حرية الرأي والتعبير والتظاهر السلمي، التي ينجم عنها في كثير من الأحيان اعتداءات ممنهجة في حق المواطنين تشمل تدخلات أمنية واختطافات واعتقالات تعسفية، بالموازاة مع مصاردة حقوق اللاجئين في الاعتراف بوضعهم القانوني الخاص.

أما الأدهى فهو ما تعكف عليه البوليساريو من استمرار في تكريس الخطاب الإقصائي والإستئصالي في حق المخالفين السياسيين، والاستهداف الممنهج لضحايا جرائمها وانتهاكاتها، فبدل انصاف الضحايا، نجد قيادة الجبهة المتورطة في الانتهاكات لا تنفك تتهمهم بالخيانة والعمالة والإندساس..

يكفي البوليساريو عارا وشنارا، أن ضحايا انتهاكاتها من الصحراويين يستفيد معظمهم حاليا من آليات جبر الضرر المعنوي والمادي للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي أقرتها هيئة الانصاف والمصالحة المغربية، ويتقاضون تعويضات إزاء سنوات الاعتقال التي تعرضوا لها في سجون الجبهة.

قد يقول قائل من المزايدين أن هذه الإجراءات لا تعدو أن تكون حربا حقوقية وتسجيلا للنقاط في إطار الصراع السياسي حول الصحراء، لكنهم يتناسون أن فشل البوليساريو حتى في هكذا “حرب”، ينضاف إلى هزائمها وانكساراتها وتراجع أداءها على مستوى كل الجبهات العسكرية، الدبلوماسية، الإعلامية وحتى الحقوقية التي تكللت مؤخرا بمتابعة زعيمها بتهم ثقيلة في الخارج، والجلبة الإعلامية التي رافقت استدعاء السلطات القضائية له في إسبانيا.

فحبذا لو اقتصر أطراف النزاع على حربهم الحقوقية، وتنافسوا في الرفع من منسوب الحريات، والاعتناء بحقوق المواطنين، ومعالجة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، بدل تبديد الجهود والميزانيات في حروب لا طائل من وراءها، سوى المزيد من مآسي ومعاناة لن يدفع ثمنها غير الأبرياء والسذج المتحمسين لطروحات سياسية راديكالية متجاوزة، فيما لن يستفيد منها غير أغنياء الحروب ممن راكموا الثروات والإمتيازات على حساب أوطانهم ومجتمعاتهم التي لا تزال تتذيل ترتيب المؤشرات الدولية لحقوق الانسان والتنمية.

لقد باتت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان المرتكبة من طرف البوليساريو عقبة كأداء أمام الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل ينهي مشكل الصحراء، فلم يعد يجد المجرمون المتورطون في فيها من ذريعة يتحصنون بها غير إطالة أمد النزاع وتعميقه، عن طريق العمل على الترويج للخطابات الراديكالية وتوظيف العصبيات القبلية والحس الشوفيني الضيق، ليقينهم التام بأن انهاء النزاع سيصب حتما في فتح النقاش حول الجرائم التي ارتكبوها وتورطوا فيها، تمهيدا لمحاسبتهم وإحقاق العقاب الملائم في حقهم.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

الدولة العميقة والمجتمع العميق

وجهة نظر

قرار البرلمان الأوروبي: خطأ جغرافي وتاريخي

وجهة نظر

النموذج التنموي الجديد: ربط بين الواقع الداخلي والتحديات الخارجية

تابعنا على