خارج الحدود، ملف

هل يعيد تجنيد الأجانب للحرب الروسية الأكرانية تجارب تفريخ الإرهابيين؟

كشفت تطورات تجنيد الأجانب للمشاركة في الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا عن تناقضات خطيرة في تدبير الغرب لذلك النزاع، كما أثارت مخاوف من تداعيات توسع تجنيد الأجانب لتكرار أخطاء سابقة كان ثمنها باهظا.

وباستثناء الموقف البريطاني الرافض لذلك التجنيد لمخالفته القوانين، يكشف التواطؤ الدولي الواسع حول “غض الطرف” عن عمليات تجنيد الأجانب للمشاركة في الحرب مشكلة ازدواجية المعايير المعتمدة في التعامل مع القضية في مختلف النزاعات، خاصة وأن التجنيد يتم في مكاتب فتحت خصيصا في السفارات الأكرانية.

ويثير تسارع عمليات تجنيد الأجانب من طرفي الحرب، مخاوف تكرار تجارب الانزلاق نحو استدامة الحرب وانحرافها إلى إنشاء جيوب مقاومة خارجة عن السيطرة تستعمل كأوراق ابتزاز سياسي قد تتحول أيضا إلى مصدر تهديد إرهابي.

ولتسليط الضوء على مختلف جوانب قضية تجنيد الأجانب للمشاركة في الحرب الروسية الأكرانية، أعدت “العمق المغربي” هذا التقرير المفصل اعتمادا على مصادر مختلفة (الجزيرة نت، قناة الحرة، سي ان ان بالعربي، اندبندنت، الأناضول، القدس العربي).

دعوة أكرانية رسمية لتجنيد الأجانب

يوم الأحد 6 مارس قال وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا، في مؤتمر صحفي، إن متطوعين من 52 دولة توافدوا إلى بلاده للقتال جنبا إلى جنب مع الأوكرانيين، في مواجهة الحرب الروسية. وأضاف أن عدد الأجانب المتطوعين الراغبين في القدوم إلى أوكرانيا بلغ حتى الآن 20 ألفا. وفي وقت سابق قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن 16 ألفا تطوعوا “للقتال مع الأوكرانيين ضد الغزو الروسي”.

ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” (Washington Post) إنه لم تتضح بعد الدول التي سيعبر منها المتطوعون إلى أوكرانيا.

وقالت إن المقاتلين الأجانب الذين وصلوا حتى الحين إلى أوكرانيا من دول ما بعد الحقبة السوفياتية، ولكن تقارير إعلامية تحدثت عن وصول مقاتلين من اليابان وبريطانيا والولايات المتحدة.

وذكر تقرير لصحيفة “تايمز” (The Times) البريطانية أن كثيرين، بينهم وزراء سابقون ومشرعون، استجابوا لنداء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للانضمام إلى فيلق أجنبي أوكراني يتم إنشاؤه للمساعدة في صد الهجوم الروسي على أوكرانيا.

الاحتفاء بالتحاق أخطر قناص في العالم

ويوفر وصول المتطوعين دفعة مطلوبة بشدة للمعنويات الأوكرانية. ويحظى بالترحيب بشكل خاص المحاربون القدامى من الجيوش البريطانية أو الجيوش الغربية الأخرى الذين لديهم خبرة في النزاعات الأخيرة في الشرق الأوسط أو أفغانستان.

أحد أبرز الوافدين هو والي -عالم الكمبيوتر من مونتريال الذي أُطلق عليه لقب أخطر قناص في العالم بعد خدمته مع الفوج 22 الملكي الكندي في أفغانستان وسوريا والعراق- إذ يُذكر أنه قتل ما يصل إلى 40 شخصا في أحد الأيام من ارتفاع قياسي يبلغ 3540 مترا.

وأحد المتطوعين البارزين الآخرين وزير الدفاع الجورجي السابق، إيراكلي أوكرواشفيلي، الذي ساعدت وحدته -بعد أيام قليلة من وصوله لأوكرانيا- في الاستيلاء على مركبة قتال مشاة روسية قوية من طراز “بي إم بي-2” (BMP-2)، وكذلك يوريس يوراش، عضو برلمان لاتفيا ورجل الشرطة السابق.

فتح مكاتب التجنيد في السفارات الأكرانية

بالنسبة للتجنيد، يوضح تقرير صحيفة “تايمز”، المشار إليه سابقا، أن الطريق إلى الحرب يبدأ في السفارات الأوكرانية بالخارج، حيث يُطلب من الذين اتصلوا بمركز الاتصال الذي يعمل به أنطون بوندارينكو وتم تسجيلهم أو اتصلوا عبر الإنترنت، أن يتصلوا بالسفارة.

ونقلت الصحيفة عن أنطون بوندارينكو (22 عاما) الذي يشكل هو ونحو 100 من زملائه في العاصمة الأوكرانية كييف مركز اتصال افتراضي للرد على استفسارات الراغبين للانضمام إلى الفيلق المعروف رسميا باسم “الفيلق الدولي للدفاع الإقليمي لأوكرانيا” إذ يقول “نحصل على أشخاص من جميع أنحاء العالم.. ربما يكون العدد الأكبر من أميركا.. ولكن من أستراليا وتركيا وفرنسا أيضا، ومن كل مكان”.

ويُعتقد أن آلافا آخرين قد تم تجنيدهم في الأيام التي تلت ذلك، واشتد عزمهم بسبب الوحشية المتزايدة للحرب التي شنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

جون (61 عاما)، مهندس ملكي بريطاني سابق لديه 18 عاما خبرة في الجيش، بما في ذلك فترات بحرب الخليج الأولى وفي البلقان، دفعه قصف روسيا في اليوم السابق لمستشفى للولادة في ماريوبول لطلب الانضمام للفيلق الأجنبي، فهو يرى الدفاع عن أوكرانيا ضد روسيا قضية “تستحق القتال من أجلها”.

وقال أحد الأجانب المنظمين لقدوم الآخرين من على الحدود البولندية إلى داخل أوكرانيا إن أي شخص قادم يجب ألا يساوره أي شك بشأن عنف القتال الذي من المحتمل أن يواجهه، والذي يذكر بمعارك الحرب العالمية الثانية أكثر من الحملات العسكرية الأخيرة.

وأضاف “حتى أولئك الذين خدموا في الجيش البريطاني لم يشهدوا مثل هذا الصراع من قبل. هناك صواريخ كروز تُلقى علينا؛ ضربات جوية. هذه ليست أفغانستان أو العراق. الأمر مختلف جدا”.

وبحسب تقرير تايمز، قد تكون القيمة الرئيسية للمقاتلين الأجانب هي القيمة الرمزية والسردية فالحرب الأهلية الإسبانية ظل الاحتفال بها يتم سنويا لمشاركة كتاب مثل جورج أورويل، الذي كتب “تحية لكاتالونيا” حول تجاربه في محاربة الفاشيين، وإرنست همنغواي، الذي كتب “لمن تقرع الأجراس”.

روسيا تجند أيضا

وعن ردود الفعل الروسية على التدفق الأجانبي لدعم أوكرانيا، قالت تايمز في تقريرها، هناك إشارات على أن الكرملين يستغل وجود المتطوعين لتبرير إنشاء فيلق أجنبي منافس في روسيا. فقد أصدر بوتين – الجمعة 11 مارس-  أوامر بإشراك أكثر من 16 ألف “متطوع” من سوريا موالين للرئيس بشار الأسد وأماكن أخرى في الشرق الأوسط للقتال في أوكرانيا إلى جانب القوات الروسية.

وأضافت أن مجرد الشائعات حول انضمام مواطنين بريطانيين إلى القوات المسلحة الأوكرانية يمكن التلاعب بها من قبل الروس في مزاعم بأن القوات الخاصة البريطانية متورطة وأن حلف الناتو يصعد الصراع “فمجرد ذرة من الحقيقة توفر ما يكفي من المواد لآلة الدعاية لنقل السرد إلى المكان الذي تريده أن يكون”.

وأعطى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الجمعة، الضوء الأخضر لـ”مساعدة” 16 ألف مقاتل من الشرق الأوسط وسوريا في الوصول إلى أوكرانيا للمشاركة في القتال الجاري هناك، وبحسب وزير دفاعه، سيرغي شويغو فإن هؤلاء “طلبوا من الحكومة الروسية السماح لهم بالوصول إلى منطقة دونباس”

وأضاف شويغو خلال اجتماع للأعضاء الدائمين لمجلس الأمن الروسي الجمعة: “نتلقى أعدادا هائلة من طلبات المتطوعين من دول مختلفة، حيث يرغبون في التوجه إلى جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين بغية المشاركة فيما يعتبرونه حركة تحرير”

وبعد هذه الكلمات أعلن الكرملين أنه “سيُسمح للمقاتلين من سوريا ودول الشرق الأوسط القتال إلى جانب روسيا في أوكرانيا”، في قرار رد عليه الرئيس الأوكراني، فولودومير زيلينسكي بالقول: “روسيا ترسل مرتزقة سوريين إلى بلادنا، هؤلاء لا يعرفون حتى الفرق بين اللغة الروسية والأوكرانية، ولا يعرفون الفروق بين كنائسنا. سنواصل الدفاع عن بلادنا ضد كل من يعتدي عليها”

وتثير هذه الموافقة من جانب بوتين عدة تساؤلات عن الهدف والغاية من الإعلان عنها في الوقت الحالي، وعما إذا كان ذلك سيطبق بالفعل على الأراضي الأوكرانية، لاسيما مع اشتداد المعارك على جبهات العاصمة كييف ومدينة ماريوبول الساحلية

سوريا مركز التجنيد الروسي

كشفت عدة تقارير غربية ومحلية سورية، في الأيام الماضية، عن “قوائم أسماء” يتم تجهيزها في سوريا، لعدد من المقاتلين الراغبين بالقتال إلى جانب القوات الروسية في سوريا.

ومن بين هذه التقرير ما تحدثت عنه صحيفة “وول ستريت جورنال” بقولها نقلا عن أربعة مسؤولين أميركيين إن “تقييما أميركيا خلص إلى أن روسيا، المتواجدة عسكريا في سوريا منذ عام 2015، جندت مؤخرا مقاتلين سوريين، على أمل أن تساعد خبراتهم في القتال في المناطق الحضرية في السيطرة على العاصمة كييف، وتوجيه ضربة مدمرة للحكومة الأوكرانية”.

وهذه المعلومات أكدتها منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” الحقوقية، بالإضافة إلى موقع “عنب بلدي” الذي تحدث الخميس عن تسجيل قوائم بأسماء المقاتلين في مدينة حلب للقتال في أوكرانيا.

فيما أشار موقع “صوت العاصمة” في سوريا إلى أن تسجيل الأسماء يشمل أيضا مناطق في جنوبي دمشق، قائلا إن “عملية تنظيم القوائم تجري بإشراف المدعو أبو هاني شموط، قائد فصيل لواء العهدة العمرية المعارض سابقا، والمترجم الخاص للروس في المنطقة”.

ولا توجد أي تأكيدات رسمية من جانب النظام السوري بشأن قضية المقاتلين السوريين الراغبين بالقتال في أوكرانيا، وهو الذي أبدى دعما غير محدود منذ الأيام الأولى للغزو الروسي، بينما ذهب في منحى آخر لتنظيم مسيرات مؤيدة لذلك في مختلف المحافظات السورية.

واستطلعت القناة التلفزيونية التابعة لوزارة الدفاع الروسية، يومي الأربعاء والخميس، آراء جنود في الجيش السوري وسوريين آخرين يقيمون في مناطق النظام السوري، حيث أبدوا دعمهم للغزو، وقالوا إنهم يرغبون للقتال إلى جانب الجيش الروسي، بحسب مقاطع مصورة نشرت على الموقع الرسمي لها.

ولا يستبعد الباحث السوري في “مركز عمران للدراسات الاستراتيجية”، نوار شعبان التقارير التي تتحدث عن نية مقاتلين سوريين للذهاب إلى أوكرانيا، لكنه يشير إلى أن هذا الأمر يجب تقسيمه على “نوعين”

ويقول شعبان لموقع “الحرة”: “حتى الآن لا يوجد شيء اسمه تجنيد، بل هناك مكاتب تسجيل قوائم أسماء محددة من المقاتلين”.

ينقسم هؤلاء المقاتلون على أطراف تعمل مع شركات روسية خاصة كفاغنر و”فيغاسي” بعقود طويلة الأجل.

ويوضح شعبان: “عقودهم ماتزال سارية، وبالتالي لا يستبعد إرسالهم في الأيام المقبلة، وقد يكونوا قد ذهبوا بالفعل، لأن الخيار ليس بيدهم بل لما وقعوا عليه”.

أما القسم الآخر فهم مقاتلين انتهت عقودهم المخصصة للقتال في جبهات أخرى، كليبيا مثلا، ويرغبون الآن بتجديدها، لكن لا يوجد إلا جبهة واحدة.

ويشير شعبان إلى أن “النقطة الأساسية والهامة هي أن الجانب الروسي ليس بحاجة لمقاتلين من الخارج.. الفكرة قد ترتبط بترويج إعلامي أكبر، وقد يكون الأمر يتعلق بمناكفة الغرب وأوكرانيا على نحو أكبر”

ولقد سبق أن اعتمدت موسكو على عناصر مرتزقة للعمليات العسكرية التي دعمتها أولا في سوريا، ومؤخرا في ليبيا، وجبهات أخرى.

وعلى الرغم من الموافقة على استقدام عناصر للقتال، إلا أن الهجوم على أوكرانيا نفذته وحدات “عسكرية محترفة” لتحقيق “أهداف حددت مسبقا”.

وقال الرئيس بوتين في الثامن من مارس الجاري: “أؤكد أن المجندين لا يشاركون في الأعمال القتالية ولن يشاركوا فيها. ولن تكون هناك تعبئة إضافية لجنود الاحتياط”

ويوضح الخبير العسكري حمادة أن “هناك خيارات مطروحة أمام تطور الصراع الذي قد يأخذ شكلا أكثر عنفا عند حصول تدخل عسكري غير محسوب، أو قد يستمر بوتيرة هادئة بهدف توفير الظروف المواتية لدخول المدن”

ويؤكد حمادة أن المساحة التي تستهدفها العمليات الروسية في أوكرانيا “لا يمكن لأي جيش في العالم أن ينتشر فيها لتغطيتها”

ويقول: “أعتقد أنه ربما يتم استقدام المتطوعين من الخارج للانتشار في المناطق والمساحات المفتوحة بين المدن. أو لسد الثغرات بين وحدات الجيش أو كإسناد لوجستي في الخطوط الخلفية أو لدعم عمليات الإخلاء الطبي”.

وهذا الأمر “سيخفف أعباءً على الجيش الروسي، وفي ذات الوقت ستتفرغ القوات الروسية لمناطق أخرى لإعطاء زخم للعمليات النوعية التي تقودها”، وفق حمادة

وتحدث الخبير العسكري عن “مجال مفتوح لاستقدام المقاتلين”، مضيفا: “هناك تطويع دائم في الفيلق الخامس في الجنوب السوري بالأخص. ربما يتم نقل عناصر منه مع مغريات مادية”

ولم يستبعد حمادة أيضا أن يتم استقدام ميليشيات أخرى من مناطق شرق آسيا، “مثل العناصر الذين اختبرتهم موسكو وتحالفوا معها في أفغانستان. وربما قد تستقدم آخرين من ليبيا”، ولكن في كل الحالات لن يشكل استقدام “المرتزق” أي إضافة نوعية للقدرات الروسية.

غير مفيد وغير قانوني

وأثارت عمليات تجنيد الأجانب بين طرفي الحرب واتساع نطاقها مخاوف من أن الصراع يهدد أيضا بجذب الشباب الباحثين عن المغامرات المفتقرين للخبرات العسكرية وكل ما يعرفونه هي المعارك على شاشة الكمبيوتر في غرف نومهم.

وقال القائد البريطاني السابق لقيادة القوات المشتركة البريطانية، الجنرال السير ريتشارد بارونز، “الحرب هي ضابط تجنيد عظيم. فإذا كان الناس يتمتعون بخبرة عسكرية قوية وبعض المعدات الشخصية ويحتاجون فقط للتسليح، فيمكنهم أن يصبحوا مصدر قوة للأوكرانيين. ولكن إذا حضروا تلبية للنداء ويتوهمون أنهم قادرون على القتال، فسيكونون عبئا”.

لكن قائد هيئة أركان القوات المسلحة البريطانية الأميرال توني راداكين شدد على أن انتقال مواطني المملكة المتحدة إلى أوكرانيا للقتال هو “غير قانوني وغير مفيد”، داعيا إياهم للبحث عن وسائل أخرى لدعمها في “مواجهة الغزو الروسي”.

وتناقض تصريحات راداكين موقف وزيرة الخارجية ليز تراس التي أعربت عن دعمها للراغبين بالتطوع للقتال، وتلبية نداء بهذا الشأن وجهه الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى الأجانب.

وقال راداكين “كنا شديدي الوضوح بأن من غير القانوني وغير المفيد للجيش البريطاني أو الشعب البريطاني، التوجه إلى أوكرانيا”.

وأضاف “ادعموا من المملكة المتحدة، ادعموا بأي أمر تقدرون عليه. لكن هذا (الذهاب للقتال) ليس أمرا تريدون أن تندفعوا نحوه، لجهة صوت إطلاق النار”.

وأوصت الخارجية البريطانية مواطنيها بعدم السفر إلى أوكرانيا، وطلبت من الموجودين مغادرتها بطريقة آمنة.

تهديد بالمحاكم العسكرية للمجندين

ولحسم موضوع سفر البريطانيين للقتال في أوكرانيا، قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، الخميس، إن الجنود البريطانيين الذين يسافرون إلى أوكرانيا للقتال، يجب أن “يتوقعوا محاكمة عسكرية” لدى عودتهم، مضيفا أنه يجب على المدنيين أيضا تجنب الذهاب إلى هناك للقتال.

وذكرت صحيفة ” “الغارديان” أنه ردا على أسئلة الصحافيين عن مغادرة شاب يبلغ من العمر 19 عاما، وليس لديه خبرة عسكرية، إلى أوكرانيا، قال جونسون إنه “يفهم بأن الناس يرغبون في المساعدة، ولكن يجب أن يظلوا في المملكة المتحدة”.

وقال للصحفيين خلال زيارة لحوض بناء السفن “كاميل لايرد”، في منطقة “ميرسيسايد”، “أعتقد أن كل شخص يرى ما يحدث في أوكرانيا، سيتفهم تلك المشاعر”.

وأكد جونسون “لكن لدينا قوانين واضحة للغاية في هذا البلد. والأشخاص الذين يذهبون من قواتنا المسلحة (…) سيواجهون محاكمة عسكرية”.

وتقول الصحيفة “تتناقض تصريحات جونسون بشكل ملحوظ مع تصريحات ليز تراس، وزيرة الخارجية، التي قالت في نهاية الشهر الماضي إنها ستدعم ذهاب البريطانيين إلى أوكرانيا للمشاركة في القتال ضد الروس”.

مخاطر تسائل حكومات العالم

نشر موقع مجلة “بوليتكو” مقال رأي لنورين سي فينك المديرة التنفيذية بمركز صوفان وكولين بي كليرك، زميل البحث البارز في نفس المركز ومقره نيويورك، حذرا فيه من تدفق المقاتلين الأجانب إلى أوكرانيا و”هذه لحظة تثير القلق”. وقالا إن التطوع للقتال من أجل الحرية قد يكون عملا نبيلا لكنه يضيف مخاطر لوضع متفجر.

وأشارا إلى أن الوضع هناك يردد صدى الحرب الأهلية الإسبانية عندما تطوع آلاف من الأجانب المثاليين للقتال ضد الفاشية.

ومهما كانت اللحظة وغريزة المساعدة نبيلة إلا أن المحاربين المتطوعين في النزاعات قد يجلبون معهم تداعيات غير مقصودة قد تعقد الصورة أكثر مما يقدمون من مساعدة.

وظاهرة المقاتلين الأجانب ليست جديدة، ففي العصر الحديث شاهد العالم عددا من الأمثلة التي جذبت فيها الحروب الأجنبية متطوعين. وهذه تضم النزاع في أفغانستان (مرتين) والبوسنة والشيشان والعراق بأعداد مختلفة. بالإضافة إلى سوريا بعد الانتفاضة ضد نظام بشار الأسد وظهور تنظيم الدولة الإسلامية الذي جلب إليه أعدادا كبيرة من الغرب وحول العالم. ورغم الاختلاف بين ظاهرة التطوع لأوكرانيا والتطوع في صفوف تنظيم الدولة إلا أن التنظيم جذب ما بين 2011- 2016 أعدادا من المقاتلين الأجانب وصل عددهم حوالي 40.000 مقاتل ومن 110 دول حول العالم، وكشف هذا عن مخاطر المتطوعين الأجانب.

وعادة ما ترتفع حوادث الإرهاب والموت وبشكل كبير في مواقع النزاع. وتكون الآثار اللاحقة للمشاركة خطيرة على الدول بعد عودة المقاتلين وهم يحملون معهم صدمات الحرب إلى بلادهم. وفي الحالة الأوكرانية، فدعم قادة الغرب للمتطوعين من بلدانهم قد تتخذه روسيا كدليل على أن دول الناتو منخرطة بشكل عملي في القتال ضدها.

ويقول الكاتبان إن الصدمة والرعب من سياسة الأرض المحروقة التي تبناها الروس في أوكرانيا أدت لتعبئة مفهومة من أجل الدفاع عن حكومة كييف. وهناك تقارير تشير إلى أن المتطوعين يتجمعون بطريقة سريعة ووتيرة أعلى من تطوع المقاتلين في العراق وسوريا عام 2014- وهما آخر مثال عن التدفق الضخم للمقاتلين.

ويحدد الكاتبان عددا من المخاطر وراء المتطوعين الأجانب وما يجلبه هذا على بلادهم. ومنها تباين طبيعة المتطوعين المتجهين إلى أوكرانيا، بعضهم لديهم خبرة قتالية، ولكن أعدادا من المدنيين يذهبون إلى هناك بدون أي خبرة أو معرفة بقوانين الحرب تضبط سلوكهم، وربما واجهوا مخاطر. وربما تم استخدام هذا الصنف بعد بناء شبكات التجنيد والخطوط اللوجيستية لإرسال متطرفين مباشرة إلى ساحة المعركة.

أما الأمر الثاني، فتدفق المتطوعين الأجانب قد يطيل أمد الحرب. وفي الحالة الأوكرانية فمن الصعب في هذه المرحلة المبكرة، معرفة الأثر الذي سيتركه المتطوعون الأجانب على ساحة المعركة. إلا أنه كلما زاد اللاعبون الخارجون في النزاع كلما طال أمد الحرب وزادت دمويتها.

وفي بعض الحالات يمكن للمقاتلين الأجانب اختطاف نزاع محلي بطبيعته وتحويله إلى معركة عابرة للحدود، كما في الشيشان. فقد أدى تدفق الجهاديين الأجانب إلى تحويل معركة من قضية قومية إلى دينية، بشكل منح الكرملين انتصارا دعائيا. وبنفس السياق استخدم بشار الأسد في سوريا وجود المقاتلين الأجانب كذريعة لوصف المعارضين له بالإرهابيين.

وهناك آثار أخرى ناجمة عن مشاركة المتطوعين الأجانب في الحروب الخارجية، فكما في السابق سيعود المتطوعون في أوكرانيا بخبرات قتالية وعزيمة، ومع أن البعض منهم لن يتسبب بمشاكل حالة عودته، لكنه ينتظر المشاركات في نزاعات أخرى. وقد يحتاج آخرون لرعاية خاصة، مثل إعادة التأهيل والدمج في المجتمع نتيجة لتعرضهم لآثار ما بعد الصدمة. وربما كان للبعض منهم تظلمات ضد حكومتهم التي لم تفعل الكثير لأوكرانيا أو تعرضوا لأفكار اليمين المتطرف الذي آمنت به بعض حركات المقاومة الأوكرانية.

ولاحظ الخبير في الإرهاب دانيال بيمان أن “محور الحرب قد يحول المتطوع الأجنبي المثالي إلى شخص متأثر بأيديولوجية راديكالية. وربما ذهبوا لقتال عدو، ولكنهم يعودون من ساحة الحرب وقد اختلطوا بالراديكاليين ويحملون أفكارهم وعلى علاقة بشبكاتهم”.

وكما تعلم النزاعات السابقة فالتطوع الحالي لأوكرانيا يفرض على البلد عددا من القضايا القانونية والعملية التي يجب التفكير بها. ويجب على الحكومات وضع معايير واضحة تتعلق بطريقة مشاركة المتطوعين وتسجيلهم في منظمات رسمية. كما ويجب عليها تقديم المعلومات الأساسية حول القانون الدولي الإنساني وقوانين الحرب المتعلقة بالمدنيين. وربما أنشأت مديرية خاصة لمن يسافرون للقتال وخطوطا هاتفية تساعد الذين يريدون العودة إلى بلادهم. وربما قاموا بمزيد من الجهد لتقديم النصح لمن يريدون التطوع أن مساهمتهم من داخل بلادهم أهم من حضورهم إلى ساحة القتال.

وبعد صعود تنظيم الدولة عام 2014 تبنى مجلس الأمن الدولي قرارين هامين (2178 و 2396) دعا فيهما لمنع جهود التجنيد وسفر الإرهابيين. وطبقت عدة دول سياسات جديدة ردا على هذا ولكن هناك أسئلة لم يجب عليها فيما يتعلق بالقانون الدولي الإنساني. وعلى المستوى التكتيكي، فالسياسات التي أقرت في السابق لمنع المقاتلين الأجانب السفر إلى محاور الحرب، مثل استخدام الجوازات البيومترية وتسجيل اسم المسافر والمعلومات الأولية عنه، يمكن استخدامها في بناء سجلات مفيدة عن المشاركين في القتال وتسهيل عودتهم وللتواصل معهم. ونظرا للموقف الأوروبي الواحد لمواجهة روسيا فمن الواضح أن التعاون في هذا المجال ممكن.

ولا يزال الوقت مبكرا للحكم على المتطوعين ضد روسيا، لكن أرقام المهتمين كبيرة ولا يحتاج المتطوع إلا أياما للتجهز والسفر. ولو صحت التكهنات عن معركة طويلة فإن تدفق المتطوعين سيستمر ويتطور. وعلى الدول التفكير من الآن عن المخاطر عليها وعلى مواطنيها قبل أن تصاب بالصدمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.