مجتمع، ملف

الأغنياء والسياح.. ممارسة الصيد بالمغرب تحقيقٌ للمتعة وتهديد للتنوع البيولوجي

يُقال “إن الإنسان هو أخطر حيوان، إنه الوحيد الذي يصطاد من أجل المتعة”، تمارس العديد من الحيوانات الصيد، لكن ذلك لا يكون سوى لأجل تحصيل الطعام أو الدفاع عن المكان. فقط الإنسان وحده يصطاد من أجل المتعة والمفاخرة. بيد أن هذا لا يمنع أن يكون الصيد السياحي نشاطا شائعا وقانونيا تماما في معظم بلدان العالم، والمغرب واحد منها.

في صيف 2019، غزت مواقع التواصل الاجتماعي المغربية صورا مروعة لحوالي عشرة رجال يقفون مع أزيد من ألف جثة يمامة، وهي إحدى أنواع الطيور الحساسة. كان الصيادون سياحا من دول خليجية انغمسوا في غزوة قنص مفرط، إذ تجاوزوا إلى حد كبير حصص الصيد المحددة بموجب القانون المغربي.A Saudi hunter took this picture in Morocco and posted it on his Instagram account on August 9, 2019.

وأثارت الحادثة غضبا شديدا في المغرب، وأظهرت للجمهور المدى الذي يمكن أن يؤدي فيه الصيد غير المسؤول من قبل النخب الثرية وذات النفوذ والسياح إلى الإضرار بالتنوع البيولوجي المحلي. كما أثارت تساؤلات حول دور وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج للصيد غير المستدام أو غير القانوني، إذ لم يكن أحد ليعرف عن الصيادين من الخليج لو لم يفاخروا بعمليات الصيد على إنستغرام.

لكن على الرغم من الغضب العام، هناك شعور بأن النخب الثرية يمكنها خرق القانون مع الإفلات من العقاب. في غضون ذلك، تسعى الحكومة المغربية – مدفوعة بالفوائد الاقتصادية- إلى زيادة عدد السائحين الذين يزورون البلاد للصيد بشكل كبير.

الصيد الشرعي وغير المشروع

بموجب القانون المغربي، تملك الدولة حق الصيد. يمكنها بيع هذا الحق لشركات السياحة أو للأفراد الذين يتعين عليهم الحصول على تراخيص لحمل السلاح والصيد. يمكن للصيادين صيد مجموعة من الأنواع – من الحجل والطيور المائية والحمام واليمام إلى الأرانب البرية والخنازير البرية والثعالب والحيوانات الأخرى.

تُظهر الخريطة الرسمية لوزارة المياه والغابات المغربية أن هناك المئات من مناطق الصيد المنتشرة في جميع أنحاء البلاد، بحيث تغطي أكثر من 3 ملايين هكتار. معظم هذه المناطق عبارة عن قطع أراضي غابات تستأجرها شركات سياحة الصيد من الحكومة أو ملاك الأراضي الخاصين.

عادة ما يكون موسم الصيد في نهاية أو منتصف العام. بالنسبة لمعظم الناس، لا يُسمح لهم بالصيد إلا في أيام الأحد والأعياد الوطنية. لكن بالنسبة لمنظمي الرحلات السياحية في قطع الأراضي المؤجرة، يُسمح بالصيد أربعة أيام في الأسبوع، حيث يتدفق رجال الأعمال الأثرياء وكبار المسؤولين من داخل المغرب وخارجه إلى محميات الصيد في شمال وشرق وجنوب البلاد لقضاء أيام في الصيد.

بعض مناطق الصيد المنتشرة في جميع أنحاء المغرب – المصدر من صفحة مصلحة المياه والغابات

وعلى ما يبدو فإن الإطار القانوني غير كافٍ لحماية الحياة البرية، إذ سُجلت العديد من الانتهاكات. وكما لاحظت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات في مايو 2020، زاد الصيد غير القانوني خلال جائحة كوفيد-19، بعد تراجع المراقبة بسبب الإغلاق.

وقال مصطفى العيسات، رئيس جمعية البساط الأخضر، وهي منظمة بيئية مغربية تركز على الحفاظ على الحياة البرية: “نبلغ عن مشاكل الصيد الجائر في بعض المناطق، لا سيما المحميات الطبيعية التابعة لإدارة المياه والغابات، وهي السلطة المخولة لتوقيف المخالفين قانونيا”.

“نقوم أيضًا بحملات توعية حول الأنواع المهددة بالانقراض والمحظورة صيدها على الصعيد الوطني، مثل بعض أنواع الطيور والنعام والصقور، بالإضافة إلى مجموعة من الثدييات مثل غزال دوركاس، من أجل الحفاظ على توازن التنوع البيولوجي وحتى لا تتأثر السلسلة الغذائية”.

وتحاول وزارة المياه والغابات المغربية إعادة تأهيل الحياة البرية، من خلال تشديد إنفاذ قوانين الصيد وإنشاء محميات لتربية بعض الأنواع المهددة بالانقراض، مثل قرود المكاك البربري وغزال دوركاس، خاصة في غابات جبال الأطلس. لكن في الوقت نفسه، تريد الحكومة جذب المزيد من الصيادين.

وبحسب التعليقات التي أدلى بها عبد الرحيم حومي، الأمين العام للمفوضية المغربية العليا للمياه والغابات ومكافحة التصحر، في عام 2019، فإنه يزور حوالي 3000 سائح المغرب للصيد كل عام، بالإضافة 80 ألف شخص محلي آخر يمارسون الصيد للترفيه. وقال حومي إن الهيئة تهدف إلى زيادة عدد سائحي الصيد إلى 15 ألفًا سنويًا بحلول عام 2024.

المتعة والمكانة و”الإعجابات”

يجادل أنصار سياحة الصيد بأنها تساعد في الحفاظ على التنوع الحيواني من خلال التحكم في أعداد بعض الأنواع، كما أنها تساهم في التنمية الاقتصادية من خلال عائدات الصيد وخلق فرص العمل. لكن العديد من نشطاء البيئة يعتبرون الصيد، بغض النظر عما إذا كان قانونيًا أم لا، هو غير أخلاقي ومدمر بيئيًا.

صحيح أن الصيد قديم قدم البشرية، ولكن الفرق بينما كان أسلافنا القدماء يصطادون لأجل الطعام، يفضل بعض البشر المعاصرين قتل الحيوانات من أجل المتعة والمكانة. قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، ربما أحضر الصيادون جزءًا من طرائدهم الميتة لتعليقها على جدرانهم كتذكير بانتصاراتهم على الحيوانات. اليوم يصطادون ومعهم هواتفهم الذكية، حيث يلتقط الصيادون صور “السيلفي” مبتسمين مع جثث طرائدهم، ومتباهين بفخر أمام متابعيهم الافتراضيين.

بل يمكنهم حتى العثور على نصائح حول كيفية الاستمتاع بنشر صور رحلة صيد دون الشعور بالذنب، كما تعلم هذه المدونة على لينكيد إن: “عندما يكون الصيد جزءًا أساسيًا من هويتك، فقد يكون الأمر محبطًا ومزعجًا للغاية لقراءة التعليقات السلبية عبر الإنترنت من أشخاص يبدو أنهم لا يعرفون شيئًا عنها، سيكون هناك دائمًا أشخاص يختلفون معك حول مشروعية الصيد، ولكن الخبر السار هو أن هؤلاء الناس يمثلون أقلية”، على حد تعبير نص المدونة.

فيسبوك متورط

أصبح موقع فيسبوك على وجه الخصوص منصة لنشر ثقافة الصيد، سواء من خلال المنافسة والتباهي بين الصيادين الذين يتشاركون صور الطرائد، أو من خلال جذب المزيد من الأشخاص إلى هذا النشاط من خلال مجموعات وصفحات الصيد.

في حين تحظر إرشادات فيسبوك المحتوى الذي يسعى إلى شراء الأنواع المهددة بالانقراض أو بيعها أو المتاجرة بها أو التبرع بها، لا تملك الشركة سياسة واضحة بشأن صور طرائد الحيوانات التي قتلها الصيادون. وبالتالي، هناك مخاوف من أن فيسبوك يساعد في نشر ثقافة الصيد العشوائي.

في هذا السياق، أظهرت دراسة نشرت حول سبع مجموعات مرتبطة بالصيد على فيسبوك انتهاكًا واسع النطاق لقوانين الصيد في الأردن، حيث تجاوز بعض الصيادين الحدود المسموح بها بنسبة 3000٪. في عام واحد. وثق الباحثون صورًا لـ4707 حيوانًا من 59 نوعًا على تلك المجموعات الفيسبوكية. كان معظمها من الطيور، تليها الثدييات والزواحف. تضمنت 34 نوعًا محميًا وعشرة أنواع أخرى صنفتها منظمة الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة على أنها “معرضة للخطر” أو “مهددة بالانقراض”.

وبالمثل، كشفت دراسة أجريت عام 2017 عن التباهي عبر الإنترنت من قبل صيادي البحر في فلوريدا بالولايات المتحدة، عن صيد غير قانوني للأنواع المحمية، مثل أسماك القرش الليموني وأسماك قرش النمر وأسماك القرش ذات رأس المطرقة. ظهرت تلك الأنواع في 620 صورة من أصل 1527 صورة لأسماك القرش المُصطادة، التي قام الباحثون بتحليلها.

ضعف المراقبة

من السهل أيضًا العثور على مجموعات وصفحات الصيد المغربية على فيسبوك. تتضمن إحداها منشورات تقدم دروسًا في الصيد وعرض معدات الصيد وتوثيق عمليات الصيد الناجحة – لا شيء غير قانوني. لكن مقطع فيديو آخر يظهر ضبعًا مخططًا، وهو نوع مهدد بالانقراض في المغرب.

ضبع ميت بعد صيده – الصورة من فيسبوك

يظهر الحيوان وهو يحتضر، بعد أن أطلق عليه الصيادون النار بشكل غير قانوني. تقول إحدى التعليقات الموجودة أسفل الفيديو: “الطريقة الوحيدة لمحاسبة الجناة هي إذا لم يكونوا برجوازيين وأثرياء – لا أحد يستطيع السيطرة على هؤلاء الناس حتى لو قتلوا كل الضباع في المغرب”.

في هذه الحالة، أوقع الصيادون أنفسهم بعد أن انتشر الفيديو على نطاق واسع على الأنترنت. وألقت الشرطة القبض على اثنين من المشتبه بهم المحليين، واكتشفت جثة الضبع في بئر عميقة. قُتل الحيوان بهدف حيازة ” مخ رأسه”، والذي يزعم “السحرة” المحليون أن له خصائص سحرية. في 17 مايو 2022، أدانت محكمة في مدينة بني ملال الرجلين بقتل الضبع المخطط وحكمت على كل منهما بالسجن ثلاثة أشهر وغرامة قدرها 5000 درهم.

يقول أيوب محفوظ، رئيس التنسيق الوطني لجمعيات الصيد في المغرب، “إن معظم الصيد غير القانوني في البلاد يقوم به بعض السكان المحليون خارج الأراضي التي تستأجرها شركات الصيد السياحي، وأن الزوار الأجانب يخالفون القواعد أيضًا”. مضيفا، “هناك أجانب يتجاوزون العدد المسموح به في الصيد، بسبب ضعف المراقبة. وسبق للتنسيقية أن أدانت وكتبت إلى وزارة المياه والغابات بشأن إبادة التنوع البيولوجي من خلال رحلات الصيد العشوائية للسياح الخليجيين، الذين يعتبرون أنفسهم فوق القانون”.

يقول محفوظ إن هؤلاء السائحين غالبًا ما ينشرون صورًا لطرائدهم على فيسبوك، وهو ما يمثل “صفعة لمشاعر الصيادين المغاربة في المقام الأول، ولمصلحة المياه والغابات ثانيًا” بحسبه. مما يعني أن هناك نقصا في رصد وتتبع المخالفين الذين يتسببون في إبادة التنوع البيولوجي، مثل الغزلان، والطحالب البربرية، والحجل البري، والأرنب البري، والحمام، خلال فترات التكاثر المحظورة”.

ضغط الجفاف والصيد

على الرغم من ذلك، يدعم محفوظ الاستثمار لجذب السياح الأجانب الراغبين في الصيد. ويقول: “المغرب غني بالتنوع البيئي والطبيعي، ومن شأن الاستثمار إحياء السياحة الجبلية والريفية، فضلاً عن تعريف السياح بالتراث الثقافي للبلد.”

ولكن مع تزايد تهديد تغير المناخ والجفاف للحياة البرية في المغرب، فإن المزيد من الصيادين سيزيدون الضغط على الأنواع المعرضة للخطر. أدى الصيد بالفعل إلى انخفاض كبير في أعداد الحيوانات البرية، وخاصة الثدييات الكبيرة، والتي بات يقتصر تواجدها الآن على بعض مناطق الغابات فقط. ومن ثمة هناك مخاوف من أن الصيد يدفع بعض هذه الأنواع – مثل غزال دوركاس والمكاك البربري- نحو الانقراض.

يعكس هذا الانخفاض صدى الأنواع التي اختفت بالفعل من المغرب. منذ ما يزيد قليلاً عن قرن من الزمان، عاشت هنا العديد من الحيوانات الكبيرة، مثل الأسود والمها والدببة. لكن اليوم لا يرى المغاربة هذه الحيوانات سوى على التلفزيون أو في حديقة الحيوانات، لأنها انقرضت تمامًا في البلاد بعد أن قضى الصيادون عليها نهائيا.

تم إنجاز هذا التقرير بدعم من Earth Journalism Network

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.