وجهة نظر

اجتياح الفايسبوك والهاشتاغ عنوان أزمة الخطاب الثقافي والسياسي !

في السنوات الاخيرة اصبح موضوع انعزال المثقف او اختياره الصمت من اهم الموضوعات التي شغلت اهتمام الباحثين والعلماء في مجال العلوم الاجتماعية والسياسية، ومن هنا نستمد مشروعية السؤال المحوري للموضوع وهو “لماذا نكس المثقف رايته التبشيرية واختار الصمت والاستسلام؟ لماذا تراجع أمام زحف التكنولوجية الاعلامية التي استبدلت صوته وحرفت رايه؟”

لمدة غير قصيرة ظلت نخبنا الثقافية منعزلة و منقطعة عن أحلام ورغبات الإنسان ومعارك المواطن مع واقعه، وادى هذا الانعزال بالمثقفين الى العجز عن الابداع والالهام والتنوير وممارسة النقد والتقريع للواقع الاجتماعي والسياسي، بل تكاد هذه الظاهرة أن تكون شبه عالمية وليس فقط في وطننا حيث المثقف الذي طالما طرح نفسه كصاحب رسالة وداعية الى غد افضل واجمل فقد حتى الإيمان بإمكانية انبجاس فجر هذا الغد.

إذا كان هذا هو الرأي المتواتر بكثرة في كل حلقات النقاش والحوار السياسي والثقافي و كان هو المتداول بكثافة في العديد من المؤسسات والمنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي وهو رأي يبخس قيمة وراي المثقف، إلا أنه رأى قد يجانب الحقيقة والصواب وقد يظلم الفئة الواعية منهم من الذين ما يزالون يزرعون بذور التنوير والوعي الإيجابي في بيئتهم ومجتمعهم ويساهمون في سلسلة تموين رؤية عقلانية ومستقبلية للأجيال الحالية والقادمة. كما علينا ان لا ننسى العوائق والعقبات التي تضعها الانظمة والسلطات المستبدة في وجه انتشار كل الرؤى التقدمية والعقلانية، وكان ذلك سببا رئيسيا لما يشاع عن انعزال المثقف عن واقعه.

يمكننا ان نعدد بعضا من اسباب اختيار المثقف للصمت والانعزال من قبيل:

-أ- السبب الأول: ظهور حركات دينية وهيمنتها على الساحة الجماهيرية، حيث انه على اثر صعود الخمينية في إيران وظهور جماعات دينية في العديد من دولنا وأوطاننا استطاعت نخب وقيادات من دعاة هذه الجماعات ان تسيطر سيطرة هائلة على وعي الجماهير رغم أن القيادات التي تقود هذه الجماعات ليس لها الا حظ يسير من الثقافة والتكوين السياسي او التكوين التنظيمي الحزبي الكلاسيكي، لكنهم ينظرون الى انفسهم على انهم هم الصفوة والنخبة في المجتمع وأتاحت لهم ثورات الربيع العربي من فرض أفكارهم ومناهجهم على مجتمعاتهم واستطاعوا أن يرغموا النخب الثقافية والسياسية الأصيلة من الانزواء فانقلبت الآية بعد أن أصبحت الجماهير “نخبة” تسعى الى فرض آرائها على الفئة المثقفة القليلة.

هذا الوضع الانقلابي الشاذ دفع بالعديد من المثقفين الى ادانة زملائهم الذين خاضوا في الماضي نضالات فكرية تقدمية وحداثية، وينظرون إليهم اليوم على انهم “خانوا” الحداثة والديموقراطية و”خانوا” رسالتهم كدعاة إلى الحكمة والعقلانية عندما جندوا أنفسهم لصالح عدد من هذه الحركات السياسية الدينية.

ان مثقفينا ومفكرينا لم يجنوا من هذه المعارك الثقافية والأيديولوجية الا طعم المرارة والفشل، ولم يحصدوا غير الهزائم في مواجهتهم لواقعهم العنيد امام تراكم المشاريع الثقافية الفاشلة والتجارب السياسية والنضالية المحبطة، فرأى المثقف ان ينكس رايته التبشيرية وان يختار الصمت، وصمته اخذ ابعادا مقلقة يطرح اكثر من سؤال ويثير اكثر من نقاش، بعضهم رأى فيه تعبيرا عن استسلام مؤقت امام وطأة واقع لا يقهر، وبعضهم الاخر رأى فيه عودة نهائية الى الانعزال عن السياسة على نحو ما كان نادى به (شوبنهاور)، في حين ذهب فريق ثالث إلى تأويل هذا الصمت على أنه تعبير عن شعور المثقف بأن مهمته قد أنجزت.

ب- السبب الثاني يراه البعض في هبوط رصيد الماركسية والاشتراكية والتيارات والأيديولوجيات اليسارية حيث إن غالبية المثقفين امتصوا ضرع هذه الأيدولوجيات الثورية الرافضة، استأسدوا بها على الحياة السياسية في فترة المد الشيوعي، وهددوا حلم بناء غد أفضل لفائدة الطبقات الدنيا و الفئات المستضعفة في المجتمع.

ج- السبب الثالث: تضاؤل الاهتمام بالسياسة والشك المتزايد في رجالاتها والولاء المحدود الذي يشعر به الناس نحو كل الأحزاب وكل منظمات المجتمع المدني، اذ ان عالم اليوم هو عالم الايديولوجية المعولمة الواحدة تتشابه فيه سياسات الأحزاب حول قضايا محورية مثل تحجيم مفهوم الدولة الوطنية، ورفع اليد عن القطاعات السيادية، وفرض الضرائب، وتقليص الدعم العمومي على المواد المستهلكة، و الإذعان لشروط وتوصيات البنك وصندوق النقد الدولي… لدرجة يتعذر معه التمييز بين الأحزاب، وهو ما سهل على المواطن توجيه نفس التهم الى كل رموز الأحزاب من اقصى اليمين الى اقصى اليسار. ان المواطن لا يرى في السياسيين الا الفساد والعجز وعدم الامانة والرجال غير المناسبين في الأماكن غير المناسبة، ولا يرى في المثقفين إلا كتلة من الموظفين يتسلقون المناصب، يؤجرون خدمتهم مقابل منفعة خاصة اما لصالح الاحزاب او لصالح السلطة. لذا كلما ازداد النفور من الاحزاب ازدادت اهمية نفود وسائل الاعلام الافتراضية وعظم الحافز لدى الاحزاب والسلطات لان تسعى وراء هذه الوسائل الجديدة لإنقاذ ماء “وجهها”

د- السبب الرابع والاهم له تأثير فاعل على انزواء المثقف، وهو تأثير التطورات التكنولوجية التي تعاقبت منذ مطلع العصر الحديث في تغيير الرؤية التقليدية للعلاقة بين النخبة والجماهير حيث لم تعد النخبة تستأثر لنفسها بمصائر المعرفة والثقافة وكانت هذه التكنولوجية بداية عهد جديد استطاعت فيها (التكنولوجية الرقمية الحديثة) من عبور الفجوة بين النخبة والجماهير، وجراء ذلك دخل العالم عصر المعلومات مما القى ضوء جديدا على مفهوم النخبة بل انه ادى الى الغاء مفهوم النخبة ذاته، وكما قال الأستاذ ياسين فان (شبكة الانترنيت قد خلقت نخبة جديدة هي تلك التي تشترك في الشبكة وتسمح لها مواردها باستخدامها بحيث يتحول التضاد التقليدي بين الجماهير والنخبة الى التضاد بين من يقدرون على استعمال شبكة الانترنيت ومن لا يقدرون على استعمالها) .

ناقوس الخطر داهم: السيطرة الصامتة للثورة الرقمية

يمكن القول من وجهة نظر التاريخ بان القرن الحادي والعشرين هو القرن الفاصل بين حقبتين تاريخيتين متميزتين، ما قبل الثورة المعلوماتية وما بعدها، فقد بلغ من اتساع الثورة الرقمية وتغلغلها في ميادين الحياة الاقتصادية والسياسية والمستجدات العلمية والتكنولوجية انها باتت تتدخل في تفاصيل العيش اليومي للأفراد والجماعات(مجلة حوار العرب العدد11) لذا فإننا نعيش اليوم العصر الآلي بما هو قوة فاعلة، قوة وسلطان على عقولنا ورغباتنا على حاضرنا وعلى مستقبلنا، انها تمارس علينا عنفها وسحرها- والحق ان في الانترنيت لسحرا !!- سحرها قادر على استيلاب عقل ووجدان الإنسان ليس باعتباره كائنا وانسانا يميز ويقبل ويرفض، وانما كذات مستهلكة وملتهمة للمحتويات الرقمية بملفوظاتها ومنطوقاتها وصورها واشيائها، بل والتوحد معها توحدا فيتيشيا حتى تمتص الانسان في وجوده وكيانه وكينونته والسيطرة عليه قلبا وقالبا.. انها الة افتراس ولقد كان ميشيل فوكو صادقا حين صور الانسان على انه حيوان بالنسبة للسياسة .. تستهدفه في عقله ووجدانه باعتباره كائنا موحيا لكن الة الافتراس هذه ليست شيئا آخر غير التكنولوجية الإعلامية التي أصبحت جوهر هذه السياسة، فهي عنف شرس مفروض على ادق تفاصيل الحياة الانسانية كما انها عنف استطاع ان يفصل الانسان عن تاريخيته. (محمد النحيل – مجلة الناقد – العدد 56) لكن الاتصال – على كل حال- شرط من شروط بقاء الكائن البشري، وقد اصبح اخيرا ضمن حقوق الإنسان الاساسية، واصبحت كفاءة المجتمعات تقاس بمدى كفاءة شبكة اتصالاتها بعد أن باتت هذه الشبكة بمنزلة الجهاز العصبي للمجتمع ومن دونها تتفكك أوصاله، وبظهور الانترنت حدث انقلاب في مفهوم التواصل الإنساني سواء من حيث تنوع وسائله أو اتساع نطاقه وسرعة ايقاعه مما خلق فضاء اتصاليا غاية في الثراء وزاخرا بالبدائل وفرص الامتزاج التكنولوجي …انها شبكات اتصالات تنقل النص والصوت والشكل وتولد الذكاء الجمعي من “موزاييك” الذكاء الفردي، تساعد على ممارسة الديموقراطية “الميكروية” دون تمثيل نيابي، تفصل بين المواطنين وصناع القرار، وهي قادرة على حشد التأييد للمضطهدين والمناهضين للاستبداد والاستعباد..(نبيل علي- نادية حجازي- الفجوة الرقمية).

ان مواقع التواصل الاجتماعي المتمثلة في “الفيسبوك” و” تويتر” و”الهاشتاغ” وغيرها تعد من ابرز شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل الراي العام من خلال اتاحة الفرصة للجميع للتعبير عن رايه، ولذا يطلق عليها البعض (منظومة قياس الراي العام) حيث كان لها تأثير مباشر على الثورات والاحتجاجات التي اندلعت منذ مطلع عام 2011 في تونس ومصر وليبيا واليمن ..فضلا عن انها الاكثر استخداما من قبل الهيئات ومنظمات المجتمع المدني في بلدان عديدة كالمغرب ..الامر الذي اضطرت معه السلطات في بعض الحالات الى محاولة تقييد هذه المواقع التي باتت من المحركات الاساسية للتعبير عن الراي والقدرة على الحشد.

انها نظام رقمي مطواع مصمم لمساعدة كل الناس وباختلاف مستوياتهم الثقافية و التعليمية من التحرر من سيطرة “الحقيقة الرسمية”، كما تساعد هذه التكنولوجيات الاتصالية على توسيع قاعدة الراي السياسي القائم على الراي الاجتماعي و تعزز النقاشات الجماعية عبر الشبكات الافتراضية، وبدون اعتبار الاختلافات الايديولوجية والطبقية بل لا نجد في هذا السياق الطبقة الاجتماعية كمفهوم مادي واجتماعي اي كتكتل جماهري في المجتمع الافتراضي الرقمي، وبالتالي فان هذه الشبكات التواصلية تسحبنا من مسرح التاريخ لنخلي مكانه للمؤسسة الرقمية، ولنأخذ على سبيل المثال “الهاشتاغ” الاخير الذي اكتسح مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب والداعي الى رحيل رئيس الحكومة (عزيز اخنوش) بسبب سياسته الاجتماعية التي اخلت بالتزاماته الانتخابية والحكومية وتسببت في الارتفاع المهول للأسعار والغلاء اللامستحمل للمواد الاستهلاكية والطاقية، ولقد انتشر هذا” الهاشتاغ” او “الوسوم” انتشارا جماهيرا ملموسا وترك صدى في الشارع المغربي معبرا عن تزايد غضب ” الهاشتاغيين” من هذه الزيادات الصاروخية ومنتقدين فشل رئيس الحكومة في ادارة ما وصفوه بالأزمة الاجتماعية.

ان حجم التفاعل الايجابي والسلبي مع الهاشتاغ (ارحل اخنوش) يفضح غياب موقف الاحزاب وصمت المجتمع الثقافي، فاضطر المواطن المكتوي بنار الاسعار للجوء الى بحر شبكات التواصل الاجتماعي حتى غذا سلوكه ورايه سلوكا ” شبكيا” تنمي وعيه السياسي وتطرح نفسها (شبكات التواصل الاجتماعي) بديلا عن المؤسسات التقليدية بل ان هذه الشبكات نصبت نفسها بديلا عن المؤسسة الحزبية والنقابية والثقافية فتراجع خطاب السياسي والمثقف والايديولوجي امام زحف سيميولوجيا الكلمات والصور والرموز واصبحت هي الوصي على الكائن الانساني.

ان نمط هذا الدور السياسي الذي تمارسه مواقع التواصل الاجتماعي من خلال حشد الشارع شهد تحولا هاما نحو القيام بأدوار اجتماعية وخدمية واعلامية وتوعوية استطاعت ان تثبت في اطارها نجاحات ملموسة الامر الذي يشير الى استمرار حضورها كفاعل في تحريك الراي العام لا سيما في ظل اتساع عدد المستخدمين لهذه المواقع التواصلية في مقابل انعزال وتقوقع المثقف داخل اطر نظرية جامدة، وتراجع دور الاحزاب في الساحة السياسية وفي المجتمع بفعل عدم استيعابها للتحولات التي يعيشها المجتمع المغربي، وشيخوخة الزعامات وعدم تجديد النخب فيها، اضافة الى جمود الاليات التنظيمية وهشاشة وسائل التواصل وانعدام الحوار الديموقراطي بين تيارات الحزب، مما جعل بعض القيادات الحزبية تلجا الى انشاء ” كتائب الكترونية” مهمتها شيطنة المعارضة/ الاخر او الراي المعارض داخل احزابها والتسويق للشخصية ” الكاريزماتية” للزعيم، وهذا ما حصل في حزبين معلومين الاول يدعي الليبرالية الاجتماعية والثاني يدعي المرجعية الاسلامية وكل واحد منهما وظف مواقع التواصل الاجتماعي لخدمة اهدافه والتي يقف على راسها سحق الاخر /المعارض كي يكون عبرة لغيره لكن انقلب السحر على الساحر !!!

ان تحويل الصراع بين طرفين او شخصين (اخنوش – بنكيران) ما هو الا تلطيف للصراع السياسي والاجتماعي بشكل تقني وكأننا نقول بان كل معرفة اوكل موقف سياسي عديم الجدوى ما لم يجسد في شبكات من المنظومات الرقمية والتكنولوجية !! فكيف يمكن ان ننمي الوعي في الكائن الإنساني وهو محجوز داخل شبكات رقمية !!. كيف يمكن ان نؤسس رؤيا ايديولوجية وسياسية وهي تعيش بين ثنايا الاعلانات التي تسوقها التكنولوجيا !!!.

فهل باتت التكنولوجيا الرقمية ايديولوجيا كاملة كما يرى هابرماس، وهل انفصلت عن الفلسفة والحكمة والعقل وسقطت في التجريب وابتعدت عن الاسئلة الكبرى الشمولية كما يرى هايدغر. هذه التساؤلات الوجودية  هو ما دفع بعض المثقفين الى الحذر من “يوم القيامة” الذي قد تسببه التكنولوجيا الحديثة للبشرية عامة. لذا فالمجتمعات  في حاجة الى المثقفين لانهم حملة مثل عليا كلية ( عدالة – حرية..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.