وجهة نظر

تهافت خطاب عبد الرزاق مقري

التهافت والتضليل هما الصفتان الأنسب لوصف خطاب رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري في حديثه عن الاستعداد للمساهمة في حل الأزمة القائمة بين المغرب والجزائر. ويبدو أن وخز الضمير، من جهة، والبحث عن البوز في الفضاء الأزرق وتبرير التقاعس عن القيام بالواجب، من جهة ثانية، هو ما أوحى له بإعلان هذا التوجه الجديد. لماذا؟

من حيث التضليل، تجاهل مقري الأسباب الحقيقية للأزمة بين الجزائر والمغرب، والتي تتعلق بالنزاع حول الصحراء المغربية، وبذل ذلك ردد بطريقته الخاصة الخطابات الرسمية الأخيرة لقادة الجزائر الذين يحاولون الركوب على القضية الفلسطينية في إعادة مَوْقَعة النزاع مع المغرب، وتوهيم الرأي العام الجزائري بأن الأزمة بين البلدين تتعلق بالتطبيع المغربي وإعلان السفير المغربي محمد هلال في الأمم المتحدة حول “شعب القبايل”، والواقع أن الأزمة بين البلدين عمرت عقودا قبل التطبيع وقبل تصريح هلال.

وفي إطار لعبة التضليل التي انزلق إليها مقري، قفز رئيس أكبر حزب إسلامي جزائري على حقيقة مرة، وهو أنه يستحيل أن يقوم بأي شيء لنزع فتيل الأزمة بين البلدين، لسبب بسيط، وهو أن مقري نفسه وحزبه غارقين في دعم موقف الجزائر الداعم للانفصاليين حول الصحراء المغربية، وفي الدعم السياسي المباشر للانفصاليين.

وفي هذا الإطار، ومن منطلق عجز إسلاميي الجزائر عن الالتزام بما تقتضيه المبادئ الاسلامية من رفض دعم الحركات الانفصالية في البلدان الإسلامية، والذي تستند عليه الحركات الإسلامية المغربية في رفض تصريحات هلال التي لا تمثل المغرب والمغاربة، حاول مقري التخفيف من وخز الضمير الإسلامي لديه، للقيام بمناورة خطابية لعلها تشفع له عن مواقف حزبه المساندة بشكل صريح وقوي للبوليساريو. فعن أي استعداد للقيام بالواجب يتحدث إذن؟

ومن حيث التهافت في موقف مقري، فيبدو أن صاحبنا أصيب بمرض البحث عن البوز في مواقع التواصل الاجتماعي، والذي أفقده شيئا من التواضع والواقعية، لماذا؟

أولا، يضع السيد مقري شروطا للمغرب لا تضعها حتى الدول، من أجل القيام بوساطة كلامية لحل نزاع عمر قرابة خمسة عقود، وهو يعلم علم اليقين أن أزمة المغرب والجزائر لا حل لها إلا بتغيير قادة الجزائر لمقارباتهم العدائية ضد المغرب.

ثانيا، لو أن السيد مقري وحزبه كان لهما مواقف معقولة ومتوازنة من الأزمة بين البلدين من قبل، وتغير ذلك بسبب تصريح هلال وتوقيع اتفاقية التطبيع مع إسرائيل، لكان ما يقوله مقري منطقيا وذا مصداقية، أما أن الأمر ليس كذلك، فما قاله مقري ليس سوى محاولة الركوب على الأزمة على حساب المغرب لتسجيل بعض النقط الحسنة لدى جنرالات الجزائر.

ثالثا، قال مقري في بيانه الذي نشره على صفحته الرسمية على فايسبوك الثلاثاء 2 غشت: “لو يحدث هذا، أي وقف التطبيع، سنؤدي جميعا واجبنا من أجل المساهمة في حل مشاكلنا الثنائية والسعي لتحقيق حلم المغرب العربي مهما كانت الصعوبات”. وهنا يعترف مقري بأن الواجب عليه وعلى حزبه الإسلامي العمل على حل الأزمة بين البلدين، ولقد بينا أن هذا يناقض مواقف حزب مقري الرسمية الداعمة للانفصاليين في الصحراء، لكن يبدو أن مقري يبحث عن مبررات تدعم موقف حزبه المناقضة للمبادئ الإسلامية التي يبني عليها قواعده، ويحاول بالإعلان الجديد تضليل قواعده الحزبية، وتبرير موقفه المتقاعس لخدمة الشعبين المسلمين من منطلقات مبدئية.

رابعا، في كل الدول المطبعة مع إسرائيل، لماذا يكون موقف الحزب الإسلامي وحكام الجزائر متشددا فقط مع المغرب، فيما يتم طلب ود أكبر دولة عراب للتطبيع في الخليج وإفريقيا. ولو أن الأمر يتعلق فعلا بكره التطبيع ورفضه، لرأينا برهان ذلك مع جميع الدول المطبعة.

خامسا، من المفروض أن يتموقع حزب مقري مع الشعوب الإسلامية في القضايا الكبرى، والمغرب دولة وشعبا لم يتغير موقفهما من القضية الفلسطينية، كما أن الشعب المغربي يرفض التطبيع، ومقري يعلم هذا، والمغرب في نزاع مع الجزائر حول وحدة أراضيه ويواجه حركة انفصالية تدعمها الجزائر ويؤيدها حزب مقري، فأين تحضر المقاربة الشعبية والمبدئية في مواقف حزب مقري ورئيسه؟

سادسا، ما جاء في الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش لهذه السنة، الذي حاول مقري أن يجعل منه “حصان طروادة” في مواقع التواصل الاجتماعي، ليس جديدا في سياسة اليد الممدودة لدولة المغرب، وجدد جلالة الملك مواقفه المعروفة حول حسن الجوار لسنوات قبل توقيع اتفاقية التطبيع وقبل تصريح هلال، فأين كان السيد مقري وحزبه ليلعنا استعدادهما للقيام بالواجب؟

سابعا، تهافت خطاب مقري وتضليله، لا يجدان تفسيرا سياسيا إلا في كونه يعلن بشكل غير مباشر أنه يسير سير الأعمى خلف قيادة الجزائر العدائية للمغرب، وأنه مستعد لتوفير المبررات الأيديلوجية والسياسية لها.

إن الشرط الأساسي لاكتساب المصداقية للقيام بمحاولة حل الأزمة بين البلدين هي في مراجعة حزب مجتمع السلم لموقفه المساندة للانفصاليين في الصحراء المغربية.

إن إعلان مقري استعداد حزبه للمساهمة في حل الأزمة بين البلدين في حال تراجع المغرب عن “دعم الانفصاليين والتطبيع مع إسرائيل”، لا أساس له من المصداقية، ويدخل في إطار تجديد الخطاب الديماغوجي لـ”مجتمع السلم”، وربما يسعى من ورائه مقري إعادة بعض الحيوية لحسابه على فايسبوك، وجلب بعض الاهتمام السياسي لحزبه الذي فشل فشلا ذريعا في التموقع ضمن الخريطة السياسية الجزائرية.

والسؤال المهم في هذا السياق هو: هل سترضى جنرالات الجزائر على حزب “مجتمع السلم” بعد تدوينة مقري؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.