حوارات، مغاربة العالم

وحليس: “ثورة الملك والجالية” مفتاح التنمية .. والاستثمار تعيقه عقلية المسؤولين

قال الحسين وحليس، وهو مكلف بالعلاقات العامة في ClimateLaunchpad Morocco وخبير في شؤون الهجرة، ومستشار مختص في التعاون اللامركزي. إن الملك محمد السادس يؤمن أكثر من السياسيين بأنه حان الوقت لرد الاعتبار للجالية المغربية المقيمة بالخارج، مضيفا أن الملك ملم بانتظارات ومشاكل الجالية أكثر من هؤلاء السياسيين، وقد دشن ثورة جديدة وهي “ثورة الملك والجالية”.

وأضاف وحليس ضمن حوار مع جريدة “العمق”، الملك هو الأذان الصاغية لكل المغاربة سواء داخل المغرب وخارجه، مشيرا إلى جملة من العراقيل والمشاكل التي تعيق أبناء الجالية خصوصا المستثمرين منهم، مضيفا أنه راسل الديوان الملكي بمجموعة من الاقتراحات التي سبق أن بعث بها للأحزاب منذ سنوات ولم تعر لها أي اهتمام.

الحوار الكامل: 

كيف تلقيتم مضامين الخطاب الملكي الأخير؟

كالعديد من أفراد الجالية المغربية بالخارج، كنت سعيدا بمضامين خطاب الملك محمد السادس، بمناسبة الاحتفال بذكرى ثورة الملك والشعب، بعد سنوات شبه عجاف من اللامبالاة من طرف من أوُكِّلت إليهم أمور الجالية.

وما أثار إعجابي أكثر هي الرسالة الجوهرية الأولى للخطاب والتي مفادها أن الجالية جزء لا يتجزأ من الشعب المغربي، فهي تعيش مسراته ولكن أيضا تتقاسم معه الأيام العسيرة، كما تتبع الكل خلال الجائحة والأزمة التي رافقتها، والتي لم تمنع الجالية من الاستمرار في تكافلها وتضامنها مع الوطن والشعب، وخير دليل على ذلك استمرار تدفق تحويلاتها من العملة الصعبة بشكل غير مسبوق، كما عبر على ذلك أيضا والي بنك المغرب.

سررت أيضا لأن عاهل البلاد يؤمن أكثر من سياسيينا بأنه قد حان الوقت لرد الاعتبار لهذه الشريحة من المواطنين، أكثر من خمسة ملايين مغربي عبر العالم يسكن الوطن قلوبهم كما سبق لي أن اشرت مرارا وتكرارا في عدة مناسبات.

أعتقد أن عاهل البلاد يود هنا إعطاء إشارة قوية لمن يهمهم الأمر من أجل إشراك الجالية في الأوراش الكبرى للمملكة عبر الانفتاح على استثماراتها وذلك نظرا لدورها الفعال في العمل التنموي بعد دورها التكافلي، الأمران اللذان يساهمان في التماسك الاجتماعي وعلى الخصوص في بعض المناطق الهشة بالمملكة.

سررت لأن الملك ملم بانتظارات مغاربة العالم أكثر من أي من سياسيينا ويعلم أن تلك الانتظارات كثيرة، ومسرور أيضا لأن الملك على علم بأن هناك خلل أو اختلالات في الآليات والمؤسسات المنوطة بها أمور الجالية.

لكن رغم كل هذا فاني اعتبر هذا طبيعي لأن العلاقة الوطيدة التي تربط الملك محمد السادس بالجالية أينما حل وارتحل، إنما هي علاقة بيعة وارتباط عائلي كما سبق لعاهل البلاد أن ذكّر به في العديد من خطبه، وبالفعل لا يوجد على وجه البسيطة ملك أو سياسي تكن له الجالية بخارج الوطن الأم التقدير الذي تكنه الجالية المغربية لملكها.

مسرور بمضامين الخطاب الملكي أيضا، لأن الملك هو الأذان الصاغية لكافة الشعب المغربي داخل وخارج الوطن بمختلف معتقداته، وله إرادة في تبسيط المساطر للمستثمرين من أبناء الجالية الجالية بالخارج.

في نظرك ما هي العراقيل التي تواجه أبناء الجالية، خصوصا المستثمرين منهم؟

أول العراقيل هي عدم المساواة في التعاطي مع ملفات استثمار أبناء الجالية كما هو الشأن مع المستثمرين الأجانب، المشكل الثاني هو النقص في المواكبة والتأطير لأن المستثمر من أفراد الجالية قد يكون له احتكاك ببيئة استثمارية مغايرة لما هو سائر في المملكة.

أما المشكل الثالث فيتجلى في الابناك المغربية، رغم أنها تتلقى تحويلات (زهاء 100 مليار درهم) من العملة الصعبة هذه السنة فقليلا ما توفر قروض لأفراد الجالية للاستثمار في مشاريع إنتاجية تخلق فرص الشغل، وأغلب القروض التي تمنح للجالية تذهب إلى العقار.

هناك أيضا مشكل الولوج إلى العقار المخصص للاستثمارات في بعض المناطق وذلك لأنه مرتبط بالجماعات السلالية، لكن الغريب في الأمر أن هذه العقارات قد يستحوذ عليها أناس آخرون غير منحدرون من تلك المناطق عبر نظام الإعفاء من المساطر أو ما يطلق عليه بـ (dérogation).

وتعتبر جهة درعة تافيلالت من الجهات التي تعاني كثيرا من هذا المشكل. لحد الأن مثلا مع العلم أن مئات الهكتارات قد وزعت بالمنطقة، لم أحصل ولو على متر مربع من الأراضي السلالية التي وزعت في السنين الأخيرة والعديد من أفراد الجالية المنحدرين من المنطقة يعانون نفس الشيء. أما المشكل الأخير والعويص فيكمن في التعقيدات التي تطرحها بعض المساطر الإدارية والتي تكلف جهدا كبيرا ومضيعة للوقت بالنسبة لافراد الجالية.

ما السبيل لتجاوز هذه العراقيل؟

السبيل لتجاوز هذه الصعوبات هو خلق آليات مبتكرة لوضع الحد لكل هذه المشاكل التي تعرقل استثمارات الجالية وتنمية جهات المملكة. قبل إحدى عشر سنة، وفي أوج الربيع العربي نظمنا منتدى في مدينة إسطنبول بتركيا بدعم من مجلس الجالية والوزارة المنتدبة المكلفة بالجالية المغربية بالخارج، وعلى إثر هذا المنتدى الخاص بالجالية، توجهنا إلى كافة الأحزاب السياسية برسالة تتضمن بعض المظالم والمطالب وكذلك بعض التوصيات والحلول في شتى الميادين، لكن مع الأسف، ولا حزب واحد أجاب على تلك الرسالة أو أخذ مضمونها بعين الاعتبار في بلورة برامجه السياسية بخصوص الجالية.

ولهذا فقد قررت إرسال نفس الرسالة إلى الديوان الملكي لكي تعمم على جميع المؤسسات المكلفة بالجالية آنيا ومستقبليا. فيما يخص الاستثمار، لدينا بعض الاقتراحات العملية التي من شأنها الرفع بالاستثمار في جميع جهات المملكة.

في أواخر شهر يونيو من شنة 2019 نظمنا بشراكة مع مجلس جهة درعة تافيلالت وبعض القطاعات الوزارية أول ملتقى اقتصادي جهوي حول قضايا الجالية والاستثمار.

بما أن الجالية لديها روابط وطيدة بالوطن وبالخصوص المناطق التي تنحدر منها أو ينحدر منها آباؤها أو أجدادها بالنسبة للأجيال المتتالية، يجب الخروج من التفكير المركزي إلى اللاتمركز فيما يخص مواكبة وتحفيز الاستثمار في كل جهات المملكة.

الجهوية الموسعة تقتضي مواكبة الاستثمار في ربوع المملكة وليس الشريط الساحلي فقط. بالرغم من استقرار البعض في المدن الكبرى فهناك شغف للقيام باستثمارات بالهوامش المنسية لدى الجالية، وكان هدفنا في لقاء تنغير هو تسليط الضوء على هذه الإشكالية.

وكانت بالفعل سابقة نوعية بنتائج ملموسة بالنسبة لمن حضروا اللقاءات. ومن بين النتائج التي تبلورت بفضل هذا اللقاء، التعاون الحاصل بين عدة كفاءات لمواكبة بعض المشاريع أو تقديم استشارات مجانية وتكوين شبكة لخدمة المشاريع بالمنطقة.

ثمرة أخرى هي إنشاء أول حاضنة للشركات الناشئة في مجال المناخ، وهي مبادرة منضوية تحت مظلة البرنامج الدولي لمواكبة الشركات الناشئة الخضراء (ClimateLaunchpad)، في غضون السنة الأولى لانطلاق المبادرة تمكنت الشركتان الناشئتين من بين الخمسة والعشرين المواكبة من الوصول إلى النهايات العالمية بعد النهائيات الوطنية والأفريقية.

والدورة الثانية انطلقت منذ ماي الماضي. ولدينا الإرادة للمضي قدما في إنشاء منظومة اقتصادية متكاملة في هذا الميدان تحت اسم (climovation) لكن هناك تماطل لدى بعض شركائنا الوطنيين. كل الشركاء الأجانب أبدوا رغبتهم في المضي قدما لحد الآن.

نرجو أن تتسارع الأمور بعض الخطاب الملكي لأن هذه المنظومة جديرة بالاهتمام لكونها مصيرية في الانتقال إلى الاقتصادين الأخضر والأزرق. أخيرا يجب الإسراع في بلورة صندوق خاص باستثمارات الجالية تديره كفاءات في ميدان المال والأعمال من الجالية.

العديد من أفراد الجالية لديهم رغبة في إنشاء هذا الصندوق والمشاركة في رأس ماله عبر الاكتتاب وإصدار السندات. وانشاء طاقم تابع لهذا الصندوق مختص في مواكبة استثمارات أفراد الجالية وتقديم الاستشارات لها.

 في نظركم، هل تغيير المسؤولين كفيل بمعالجة هذه العراقيل أم يجب وضع منظومة جديدة خاصة بالجالية؟

بعد الخطاب الملكي، أظن أن التغيير ملزم ويلزم العديد من المسؤولين وصناع القرار في السلطة وفي الأحزاب لتغيير عقليتهم ونمط تفكيرهم فيما يخص أمور الجالية. كما أظن أن التغيير الجوهري الذي يريده عاهل البلاد هو التغيير في التعامل مع خمس ملايين مغربي قاطن خارج الوطن وذلك لجوهرية عملها في الدفاع عن المقدسات والقضايا الكبرى للوطن من جهة ولدورها في تنمية البلاد وتماسكها الاجتماعي.

ولتحقيق ما أشار اليه عاهل البلاد أظن أن هناك من أفراد الجالية كفاءات لا تنتظر الا خدمة الوطن من بعيد أو من قريب بتفان واتقان. كما يجب أيضا القطع مع بعض الميكانيزمات القديمة التي أكل عليها الدهر وشرب في التعاطي مع أمور الجالية لأن هذه الأخيرة عرفت تحولات عميقة ويجب التعامل معها بوسائل وآليات القرن الحالي دون إهمال استشراف المستقبل.

كيف تنظرون إلى الآلية اخاصة التي أمر الملك بإحداثها وهل ستعالج مشاكل الجالية؟

في اعتقادي، وحسب ما استنتجت من خطاب عاهل البلاد، أظن أن هناك عدة تغييرات يلزم القيام بها في هذا الشأن وعلى رأسها الخروج من تعدد المؤسسات التي تعنى بشؤون الجالية. كما أظن أن عاهل البلاد يود إنشاء مجلس استشاري مكون من كفاءات مهاجرة منحدرة من جميع جهات المملكة ( قد يكون عضوين أو ثلاث أعضاء من كل جهة يتم انتخابهم من طرف أبناء الجالية بعد التقارير ويرفعها لصاحب الجلالة ويجعلها مكلفة للحكومة لكي تنفذها في انتظار المشاركة السياسية لأبناء الجالية ابتداء من الانتخابات المقبلة).

ومن هذه الكفاءات تُكون لجان لتتبع استثمارات وطلبات ومظالم الجالية ورفعها إلى الجهات المعنية لتبث فيها مع المساءلة إن لم يبث فيها.

في الختام أظن أن عاهل البلاد قد دشن ثورة جديدة من أجل غد أفضل لتنمية البلاد والتعامل مع أمور الجالية تحت عنوان: “ثورة الملك والجالية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.