منتدى العمق

جلابة إيفازي

في طريقي إلى العمل وفقني الله ويسر أمري، وبعد وصولي إلى شارع المدينة المزدحم، وجدتني أسير خلف آنسة ترتدي جلابة.

يبدو أن الأمر لا يسترعي الاهتمام، ولا ينبغي أن يدعو مهلوسا مثلي إلى الجلوس لزبر حروف عن صاحبة الجلابة.. لولا أن الأمر يتعلق بجلابة إيفازي صفراء فاقع لونها تسر الناظرين.

والحقيقة أنني حرت أكثر من مرة في جلابة إيفازي هاته، وحتى عندما سألتني الحاجة التي تبيع السجائر بالتقسيط في “رأس الدرب” عن معنى “الأصالة والمعاصرة” لم أجد ما أقرب به الصورة إليها غير قولي هي “جلابة إيفازي”.

جلابة إيفازي هي رداء من جنس الجلابيب التقليدية التي كانت ترتديها أمهاتُنا وجداتُنا مع تصرف متعمد لإدخال تعديلات جوهوية أقصد “شكلوية” في الجلابة حتى تصبح “ما جلابة ما تا لعبة”.. إذ يُعمد إلى تضييقها على مستوى البطن والظهر ليبدو الصدر والعجز نافرين كما في قصيدة لعمر بن أبي ربيعة.

الآنسة أمامي كانت تسير بسرعة، أو ربما أنا من يسير ببطء حتى أظل خلفها، وهو في الحقيقة أمر محرج، فأنا متيقن أن أصحاب الظنون قد أكدوا لأصحابهم أنني أسير خلفها، وهم لم يكذبوا فقد كنت أسير خلفها، وأطلقت العنان لمخيلتي بحثا عما يمكن أن أكتبه عن جلابة إيفازي، ومن سوء الصدف أني تقاطعت مع شخص أعرفه، كلمني فلم أنتبه ولم أتبينه إلا بعدما اتسعت المسافة بيننا.. فقد كنت “مرفوعا”، وحتى أُطمئن نفسي أنني بريء وبصري لم يذهب بعيدا، قلتُ بصوت سمعته “مشكيييلة مع هاد الكمامة”، ثم واصلت سيري وما عدت أنظر إلى صاحبة الجلابة الصفراء بل إلى الذين ينظرون إليها، كنت أتأمل أعناق الرجال كيف تلتوي، وكيف يبحثون عن علل تجعلهم يستديرون ليكملوا النظرات وفي دواخلهم عبرات، وبعدما تختفي عن أنظارهم يبدأون في شتمها وشتم لباسها وشتم المسلسلات الميكسيكية والتركية وشتم الشتائم، أنظر إلى النساء كيف يقلبن شفاههن السفلى تعجبا، امراة كبيرة هناك كأنني سمعتها تخاطب الآنسة “الله يعطيك المسخ”، شابان تابعا المنظر بتقينة “زووم” ثم انطلقا في تعليقاتهما كأنه تحليل ما بعد المباراة… لم أر وجه “مولاة الجلابة” لكني رأيت وجوه من رأوها.. كان الجلباب يظهر تفاصيل الجسد، وزادت الآنسة مِلحَها بمشية ظاهرة الغنج في استعراض صريح للممتلكات، وهي جرأة لا يمتلكها سياسيونا للأسف، فليتهم يصرحون بممتلكاتهم كي نطمئن على أن المال العام في أمان.

استدارت المرأة يمينا وكان علي أن أواصل سيري أماما، تمنيت أن أسألها إذاك “هل يريحها هذا الزخم من النظرات؟ ألا يُربك مشيتها؟” قلت لي ربما لم تنشغل بأحد أصلا إنها في طريقها إلى ما تقصد وأنت من تبحث عن “جوا منجل وقشابة للعجل”.. أما الآن فقد تخيلتها تحدث زميلاتها عن لباس المراهقات، تنتقد لباسهن اللصيق المقطع الذي يفتنن به الرجال، وتنتقد الموظفات اللواتي يرتدين المعاطف العصرية والتنانير الطويلة والقصيرة، وطبعا لن تنسى أن تمدح نفسها لأنها تحافظ على الأصالة وقيم الجدات، وستفخر بغيرة أبيها الذي لا يسمح لها ولا لإخواتها بالخروج من البيت بأي كسوة إلا “الفولار” و”الجلابة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *