منتدى العمق

الأسباب الجيو سياسية للصراع في غزة حاليا

نتساءل أولا ما هو سبب قيام هذه المعركة منذ بدايتها هل كانت نتيجة فشل الدردار الإسرائيلي والأمريكي في رصد تحركات المقاومة الفلسطينية في حدود غلاف غزة ومحيطها، هل هذه الحرب دبرت من طرف استراتيجية أكبر وأوسع تتجاوز نطاق فلسطين وتتجاوز إرادة المقاومة الفلسطينية وحتى إسرائيل، يمكن ان نقول نعم ونسلم بهذا الأمر لأنه لا يوجد شيء عفوي في هذا العالم وخصوصا في السياسة التي هي عبارة عن معادلات وحسابات معقدة والرقم الأكبر فيها هو درجة المصالح فقط لا غير , ويمكن ان نجمل الأسباب والظروف التي ساهمت في قيام معركة 7 أكتوبر في العناصر التالية:

القضاء على حماس نهائيا والجناح المتطرف داخل إسرائيل

احد اطراف هذه المعادلة المعقدة هما جناح داخل الولايات المتحدة وايران وجناح داخل إسرائيل تبدوا المصالح متناقضة بين هذه الأطراف الثلاثة ,لكن هناك مصالح مشتركة تجمعهما ونشير في هذا الصدد الى التحويلات المالية الأمريكية لإيران عبر البنوك القطرية في الشهور الماضية والتي قدرت بحوالي تسعة مليارات من الدولارات قبل انطلاق معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر الماضي, وحتى الرئيسي الأمريكي الأسبق دونالد ترامب والذي له دراية ويعرف الكثير من خبابا الدولة العميقة , قال في تصريح صحفي له عقب احداث سبعة من أكتوبر الماضي أن السبب الرئيسي في هجوم حماس على إسرائيل هو التحويلات المالية التي قامت بها ادارة بايدن لصالح ايران , ومن جهة أخرى نشير الى تصريحات الكثير من المسؤولين الأمريكيين حول الوضع القائم في الأراضي الفلسطينية ,والتي ينتقدون فيها بشكل كبير الحكومة الإسرائيلية المتطرفة وخاصة بن غفير وسموتريش بخصوص افعالهم في الضفة الغربية والتي تصفها الإدارة الامريكية بأعمال “عنف وتطرف “.

وفي الأونة الأخيرة وصل الامر بالإدارة الامريكية الى الاستعداد الى فرض عقوبات على رؤساء بعض مجالس المستوطنات التي ينتشر فيها العنف والاعتداءات بحق الفلسطينيين ومايدل على هذا الامر هو الاخبار التي سمعناها مؤخرا حول إحالة تقارير الى وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الخزانة فيها من اجل التحرك لفرض عقوبات مالية على المستوطنين ومن يحرضهم على أعمال عنف.

كما ان شبكة CNN المقربة من أصحاب القرار في الدولة الأمريكية، قدمت تقارير إخبارية ونشرات تنقد فيها المستوطنين والحكومة الإسرائيلية الحالية التي يترأسها بنيامين نتنياهوا، فيما يخص سياساتها في الضفة الغربية من جهة، والقيم الديموقراطية وحقوق الانسان من جهة أخرى التي تشكل مصدر خلاف بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية الفاشية.

وتتجلى المصالح العامة لأمريكا في القضاء على حركة المقاومة حماس واليمين الإسرائيلي فيما يلي:

-تعتبر أمريكا حركة المقاومة حماس عقبة امام تحقيق المصالحة الفلسطينية وتوحيد الصوت الفلسطيني فيما يتعلق بعملية السلام مع إسرائيل، فحركة حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجهاد الإسلامي لا تعترف بإسرائيل، ولا تؤمن بطريق المفاوضات كمسار سياسي لحل القضية الفلسطينية وتعتبر ذلك انهزاما واستسلام امام العدو الإسرائيلي الذي يوسع يوم بعد يوم من الأنشطة الاستيطانية والممارسات غير القانونية والاجرامية في الأراضي الفلسطينية.

فالقضاء على حركة حماس تحديد باعتبارها أكبر حركات المقاومة فعالية وتأثير في الجبهة الداخلية الفلسطينية يعني التمهيد لمسار سياسي متوسط المدي يفضي الى دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة محدودة ومشروطة تحددها الولايات المتحدة وإسرائيل بما يتماشى مع مصالحهم الخطيرة في المنطقة بشكل عام وبما يضمن امن واستقرار إسرائيل أيضا، ويجب أن تكون هذه الدولة الفلسطينية في نظر الامريكيون والإسرائيليون لا تشكل أي تهديد لأمن إسرائيل في المدى القصير والبعيد والى الأبد، وما يضمن ذلك هو ان يتوفر فيها مجموعة من الشروط من بينها : مراجعة شاملة للمناهج التعليمية والفكرية والمعرفية داخل فلسطين بحيث يجب ان تخلوا المناهج الدراسية والكتب والقصص ودوريات النشر من كلمات ومصطلحات وعبارات ورسومات توجه أي نقد لإسرائيل وتشكك في شرعيتها وتحتوي على أفكار يعتبرها الإسرائيليون معادية لهم وخطر عليهم مثل : خريطة فلسطين التاريخية , و الأفكار الدينية والقومية كالتحرر من الصهيونية وتحقيق وحدة الأمة , جرائم إسرائيل النازية …وهذا موضوع أخر , وللإشارة فقط فان الاتحاد الأوروبي يمارس ضغوط على السلطة الفلسطينية في هذه المسألة ويستعمل ورقة المساعدات الاقتصادية التي يقدمها للسلطة الفلسطينية .

دولة فلسطينية يحكمها التكنوقراط وهذا ما أشار اليه الرئيس الأمريكي جو بايدن في أحد خطاباته الأخيرة التي قال فيها انه يجب ان يجري تغير سياسي على مستوى قطاع غزة بعد الحرب , بحيث تنتهي حركة حماس ويقود التكنوقراط إدارة قطاع غزة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي ,أما المسائل الأمنية فلم تتضح معالمها بعد في نظره , ونفس الشيء أشار اليه رئيس وزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهوا في المجلس الحربي الإسرائيلي عندما قال بانه لن يسمح بأن يقود قطاع غزة بعد الحرب من يشجع على الكراهية ضد الإسرائيليين ويربي الأجيال الفلسطينية على ثقافة كره اليهود.

-هذا ينطبق أيضا على مصالح الولايات المتحدة والجناح الليبرالي داخل إسرائيلي في القضاء واضعاف اليمين المتطرف من الأحزاب الدينية والاستيطانية التي تتبنى الصهيونية الدينية والتطبيق الحرفي للتلمود، فاخر استطلاعات الرأي دخال إسرائيل أظهرت تراجع نسبة التأييد الشعبي لنتنياهو وحزب الليكود الى حوالي 25 في المئة فقط مقابل ارتفاع نسبة التأييد لغانتس وزير الدفاع السابق الى حوالي 60 في المئة، كما تراجعت حظوظ المتطرفين سمو تريتش وبن غفير في الانتخابات المقبلة.

ثانيا : فتح أسواق الغاز الجديدة امام أوربا واستغناءها عن الغاز الروسي

كل هذه المعطيات السياسية تندرج في إطار مشاريع جيو سياسية واستراتيجية أكبر تخطط لها الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط تتعلق بمنح إسرائيل دور مركزي في تصدر النفط والغاز عبر البحر الحمر الى أوروبا وهو مامهدت له سابقا عبر مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية والشراكات على سبيل المثال : ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والكيان الصهيوني بواسطة أمريكية , وتفجير أنبوب الغاز الروسي نورد ستريم 2 الذي ينقل الغاز الروسي الى دول الاتحاد الأوروبي , ومشروع الطريق الاماراتي الهندي , وتقدم في مفاوضات التطبيع بين إسرائيل والسعودية ,والهدف هو حصار روسيا وخنقها اقتصاديا واجبارها على الخضوع والامتثال لقواعد اللعبة الامريكية في العالم , ونسيان فكرة النظام المتعدد الأقطاب , كما ان هذه الحسابات الأمريكية تأخذ الصين وايران بعين الاعتبار .

حماس منذ بداية هذه الحرب لم تواجه إسرائيل بواحدها وانما في الحقيقة هي تواجه من يقف خلف إسرائيل ويمدها بالأسلحة والمعلومات الاستخبارية ويقدم لها الدعم بمختلف أشكاله، كأمريكا وبريطانيا وألمانيا وحتى فرنسا، وندكر هنا ان الولايات المتحدة أرسلت خبراء عسكريين وسياسيين لتقديم الدعم الميداني والقتال بشكل مباشر الى جانب إسرائيل وهذا ان يدل على شيء فانه يدل على منطق صراع الحضارات التي يجعل الدول الغربية تنحاز الى إسرائيل بشكل مطلق

فحماس رهنت في هذه الحرب على إيقاف مسلسل التطبيع وافشال المشاريع الجيوسياسية الأمريكية التي تهدف الى تغيير الخريطة السياسية في منطقة الشرق الأوسط من أجل انقاذ فلسطين من المؤامرات الاستعمارية التي تجري وراءها بعض الدول العربية وتسعى الى القضاء على القضية الفلسطينية وتصفيتها على حساب مصالح إسرائيل بشكل أحادي، حماس أخطأت في اختيار المعسكر الصفوي الهمجي كحليف في هذه الحرب، لكنهم فعلوا ذلك كتدبير لموازن القوى ورغم ذلك لم تتراجع الحركة في صمودها وصدها للنازية.

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *