الحكومة بين الجباية والهداية

الحكومة بين الجباية والهداية

13 أغسطس 2016 - 10:31

جاء الربيع العربي وجاءت معه حكومة العدالة والتنمية، بعد ما علق كل المغاربة انتظاراتهم على ما سيسفر عنه الربيع المغربي من زهور وورود، وفي مقابل ذلك هناك من نظر إلى هذا الربيع على أنه زهور ذابلة وورود شائكة.

من هنا يسجل أي ملاحظ للسياسة الحكومية أن المسار السياسي للحكومة اتخذ منحى يتأرجح بين الجباية والهداية، وأن الشارع المغربي انقسم بين مساند ومعارض ومتفرج، لكن العاقل هو من يكون ايجابيا في تعامله مع قضايا وطنه، لأن الوطن ليس حكرا على الحكومة أو الأحزاب، الوطن ملك لنا جميعا، الوطن يبنيه الصغير والكبير، الفقير والغني، الأمي والمتعلم، الذكر والأنثى..

من الملاحظ في الآونة الأخيرة كثرة المزايدات السياسية الفارغة، الكل يغني معزوفة أهواك يا وطني، ولكن في قلب بعضهم حب الثروة والشهرة.. في حين أن بناء الوطن يكون بمساعدة الغني للفقير، والمتعلم للأمي، والكبير للصغير، حتى يتحقق التوازن والتكافل والتراحم الذي جاء به الدين الصحيح.

ففي هذه الورقة راودتني بعض الأفكار، فأحببت أن أشارككم بها من موقع العمق المغربي، ست سنوات أوشكت على النهاية من عمر حكومة عبدالإله بن كيران، مرت بما لها وما عليها، وما رافقها من جباية وهداية، وعندما أذكر الجباية والهداية، فإني أقصد الإنقسام الحاصل في تقييم عمل هذه الحكومة، وهذا ما سأوضحة إن شاء الله في هذه المقالة مجتهدا في تقديم وجهة نظري معتمدا على الله عز وجل، ولا أقصد الإساءة فيها لأي أحد كان، ولكن مصلحة الوطن تقتضي منا أن نكون ايجابيين في التعامل مع قضاياه.

أسئلة مقلقة:

إذا كان الربيع رمزا لخضرة الطبيعة وتنوعها، فلماذا لا يكون ربيع بلدنا ورودا وزهورا يفرح به كل المغاربة؟ ست سنوات من الصراع السياسي، كل المغاربة علقوا آمالهم عليها لكي ينسوا السنوات العجاف، في انتظار التمتع بالبقرات السمان مع حكومة بن كيران، فماذا أضيف للمشهد السياسي المغربي؟ التماسيح، العفاريت، عفى الله عما سلف، قمامة الطاليان، زيرو ميكة، زوج فرانك، كنخدم أربعة وعشرون ساعة، التحكم، السفيه، وغيرها من المصطلحات تؤتث الفضاء السياسي المغربي في عهد حكومة الربيع المغربي، فهل هذا هو الإبداع السياسي الذي سوف ينهض بالوطن أو يسهل له الطريق للكفن؟ نحتاج إلى نخبة سياسية تشكل الوعي الجمعي لكل المغاربة تستوعب اختلافهم وتفصل بالحق في نزاعاتهم وتسعى إلى توحيد شملهم، فمصلحة البلاد تهمنا جميعا، نجاحنا هو نجاح الوطن، ونجاح الوطن هو نجاحنا، فهل كل الأحزاب تخدم من أجل البلاد والعباد؟ جاءت هذه المقالة من أجل طرح إشكالية الجباية والهداية فما المقصود بالجباية والهداية؟

ملاحظات عن الوضع السياسي المغربي:

منذ الاستقلال إلى يومنا هذا والمغرب يشهد انتخابات متنوعة ما بين جماعية وتشريعية، تنوعت عناوين الحكومات وتعددت مقاصدها، فأهم ملاحظة يمكن تسجيلها قبل أن أتطرق لسرد ملاحظاتي السريعة هي:
1- المغرب بلاد يتحول ويتغير، فمغرب الستينيات ليس هو مغرب التسعينيات، لأن طبيعة السنن الكونية تفرض على الانسان أن يتحول ويتغير، سلبا أو إيجابا، والمغرب يتحول ويتغير بين الإيجاب و السلب، إيجابا في جوانب معينة وسلبا في أخرى، لأنه لا يمكن أن يرقى لدرجة الكمال اقتصاديا، واجتماعيا، سياسيا، وثقافيا.

2- جاء الربيع العربي وجاءت معه انتخابات 25 نونبر 2011، وقال المغاربة إنها فرصة ذهبية لنقطع العهد مع الفساد ورموزه، إنها فرصة العمر لكي تدخل البلاد مرحلة الديمقراطية الحقيقية، ونودع الانتخابات الصورية، وشراء الذمم وتزوير الصناديق، فهل بالفعل تحققت العدالة الاجتماعية؟ وهل أفرز الربيع نخبا سياسية مسؤولة تتمتع بالنضج السياسي الذي يضع مصلحة الوطن غايته ومقصده؟

3- سنوات قليلة على مرور أول انتخابات تشريعية عرفتها فترة العاصفة التي شهدتها الدول العربية، (انتخابات 4شتنبر 2016) إلا أن نفس أساليب المكر والخداع التي استعملت في الماضى مازالت سارية المفعول، فمن السذاجة إذن أن نقول قد قطعنا شوطا واحدا مع فساد الماضي، ماذا ننتظر من حملات انتخابية مضمونها التشهير، والتنابز، والتغامز، والسب والشتم وشراء الذمم، بين المرشحين الذين يتولون أمور العباد في البلاد؟

مهرجانات لاتناقش الأفكار ولا البرامج، ولكن تناقش الأشخاص والأعراض، فأصبحت فترة الانتخابات فرصة لاستعراض العضلات والتفنن في أنواع الأوصاف، وفي الأخير المواطن والوطن إلى الهاوية في يد نخب سياسية خاوية، عقولها عن المصلحة العامة لاهية، لاترفع عن الوطن قضية.

4- في كل لحظة تطلع علينا كائنات حزبية لانعرف أين وكيف تكونت، صحيح أننا نحبد التنوع والاختلاف المحمود، لكن أن تتعدد الأحزاب ويتم تسير البلاد بواسطة قيادات متصارعة ومتناطحة على المصالح الحزبية، فهي الطامة الكبرى، إن بناء الوطن يتطلب من كل المغاربة التجند وراء رمز الوحدة الترابية وقائد المملكة لتحقيق المقاصد الكبرى، من عيش كريم، وتعليم متقدم، وتطبيب للجميع، واقتصاد متطور، للوصول في الأخير إلى مغرب العدالة الاجتماعية، مغرب التعاون فيما بين أفراده، وقوي بمؤسساته وقياداته وأحزابه.

5- منذ الاستقلال لم يحض المغرب بدستور يحوي مستجدات تنافس الدول المتقدمة حتى جاء الدستور الجديد، وهذا ما زعم به المحللون السياسيون الكبار، لكن ومع كامل الأسف تبقى رغبة بعض أعداء الديمقراطية في وجه أي تغيير أو اصلاح لفائدة الوطن قائمة.

وأكتفي بهذا القدر من الملاحظات على كثرتها وتنوعها، لأن الوضع السياسي المغربي يعج بمشاكل عدة، فأملي أن تتوحد النخبة السياسية إسلامييها ويسارييها ويمينييها، لأننا في زمن البناء.

ما هي حكومة الهداية؟:

كل فرد داخل المجتمع له تقيمه الخاص حول عمل هذه الحكومة، فمن الناس من يراها أحسن حكومة في تاريخ المغرب، وبعضهم من يراها أسوء حكومة في التاريخ المغربي، والبعض الآخر يجمع بين الرضى والرفض لما قامت به حكومة بن كيران، ذكرت هذا الكلام حتى لا يقول القارئ أني من المدافعين أو من المعارضين، فأهم شيء نريده من النخبة السياسية هى بناء مغرب قوي تحت قيادة راشدة، وبمؤسسات وأحزاب وطنية صادقة.

فمتى تحقق في الحكومة مقصد خدمة البلاد والعباد فإن الرابح هو المغرب ملكا وحكومة وشعبا.

ومن فقه الأولويات أن يكون من أهم برامج الحكومة بناء الإنسان لأنه لا معنى لوجود ترسنة من القوانين والمواطن يجهلها والمسؤول يتجاوزها، وهنا نطرح سؤالا جوهريا: لماذا تقدم الغرب وتأخر المغرب؟ فمن الواجب على الحكومة أن تكون حكومة هداية تعمل من أجل بناء الإنسان وحماية كرامته، فحكومة الهداية هي التي تجسد قول الله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور) الحج 41.
فعندما نتأمل في سياسة النبي صلى الله عليه وسلم نجده كان سياسيا هاديا، كان همه هو بناء الإنسان والحفاظ عليه حتى يفوز برضوان الله عز وجل، ولم يكن لديه وزراء همهم جمع الثروة وحماية مصالحهم الخاصة، بل كاممتت’-ةفن همهم الفوز برضوان الله..

فكانت نتيجة ذلك تفاني وزرائها في خدمة البلاد والعباد، وتنافسهم في الخيرات، وزهدهم في المال العام، وسمو روحهم وإقبالهم على الله عز وجل.

ماهي حكومة الجباية؟:

فمن مراتب الأعمال لدى حكومة الجباية الاهتمام بالمظاهر والماديات، واهمالها للمعنويات، وهذا خلل منهجي في بناء سياسة قوية ومجتمع متقدم، فتجد جل اهتماماتها تنصب على حماية مصالح فئة معينة، واهمال الشريحة العريضة من الفقراء والمساكين، فالفكرة الغالبة هي أن الغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرا.

فكيف يأخذ الوزير و كبار الموظفين مبالغ خيالية، إضافة إلى الاستفادة من امتيازات مجانية من المال العام، ويثقل كاهل الفقير بالضرائب والزيادات فهذا هو الفساد بعينه، ومن المقاصد السياسية الأساسية ضخ المال في الخزينة وجعل أفئدة المواطنين حزينة، مع حكومة الجباية يعرف الشباب البطالة، وارتفاع في الأسعار وفتح محلات القمار، كما يلاحظ غياب العدالة الاجتماعية، فنجد فئة من المجتمع غارقة في الغنى الفاحش وفئة أخرى في الفقر المدقع ومن الخبز لم تشبع، كما نجد الهشاشة في البنية التحتية، والبيروقراطية الإدارية، ولا نجد الحكامة ولا المسؤولية في تسيير شؤون البلاد، فكل حزب بما لديهم فرحون، ومن المال العام يستمتعون، يهان فيها مربي الأجيال، ولا تعطى للبحث العلمي أية قيمة، بينما البعض فيها يشتغل في البحث الغنمي… فحكومة الجباية مهما اتخذت من المادة مقصدا هاما، فإنها سوف تنحرف عن الطريق الصحيح، والأصل في الفعل السياسي أن تجمع الحكومة بين الجباية بمعناها الإيجابي والهداية، وأن تكون الجباية في صالح البلاد والعباد، إضافة إلى الاهتمام ببناء الانسان ثم بناء العمران، جباية تراعي حقوق الأغلبية..

وبهذا يكون هذا الوطن حرا يشترك فيه كل الناس بجميع توجهاتهم وأطيافهم.

والله تعالى أسأل التوفيق والسداد، وأن يجعل المغرب بلد استقرار وأمان أمين.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

فرنسا تزيل مساحيق الأنوار

ناغورنو كاراباخ: ساحة صراع جديدة

إطلاق النار في إقليم قره باغ

ناغورني قره باغ: جذور الصراع وعوائق التسوية

تابعنا على