وجهة نظر

وداعا حشاد.. آخر الطيور التي لم تنكسر أجنحتها

أحمد المرزوقي

قبل سنتين، وأنا في مقهى أطالع كتابا، رن هاتفي، فلما أجبت، سمعت صوت صديق يقول لي بصوت حزين، وما كانت عادته كذلك، إذ كان ميالا بطبعه إلى الضحك والتنكيت:

ـ عزاؤنا واحد صديقي..

انقبض قلبي فجأة، ولمعت قائمة المرشحين للموت أمام عيني لمعان البرق الخاطف. ذلك أنه منذ تلقيحنا بمختلف السموم في أيام كوفيد المشؤومة، صار المغاربة – علاوة على تهديدهم كل يوم بالسكتة القلبية بسبب سعار الغلاء الذي أشعلته حكومة المربي الكفء والحنون السيد أخنوش في ثمن المواد الغذائية وغيرها ـ صاروا جميعهم مهددين بالموت الفجائي..

فلا يمر يوم أو ليلة إلا ونسمع أن هذا الكهل خرج للتسوق وحالته الصحية أحسن من حصان السباق، فإذا به يسقط فجأة على هرم صغير من الخضر.. وأن تلك المرأة الطيبة التي لم تكن تشكو من أية علة، انطفأت منها الحياة على حين غرة وهي جالسة تذكر الله والسبحة في يدها .. وأن ذاك الشاب الوسيم والنشيط سكت قلبه بغتة وهو في خضم لعب مباراة في كرة القدم..

هذا بدون أخبار الشباب والقاصرين الذين ركبوا البحر إسوة بوالد يمين جمال فصاروا للحيتان طعاما شهيا.

قلت لصاحبي مستفسرا وحدسي يتوقع صفعة قوية ستهوي لا محالة على أذني ثم قلبي:

– الله أكبر.. من يكون الفقيد؟

أجاب باقتضاب شديد:

– صاحبك في المحنة.. صلاح حشاد..

أخذني نوع من الدوار، وبهت لحظة ولم أحر جوابا..

قال صوت مهاتفي بإلحاح:

– هل تسمعني؟ صديقك حشاد في ذمة الله..

انفلت لساني أخيرا من عقاله وقلت له محتجا:

– أبدا .. هذا خبر كاذب.. يستحيل أن يموت وأنا قد كلمته منذ يومين فقط..

قال لي الصديق بلهجة ساخرة:

– في يومين تنشب حروب وتضع أوزارها حروب، وتخرج من قاع البحارغواصات وتغيب أخرى..

ودعت مهاتفي، واتصلت توا برقم رفيقي حشاد وحواسي كلها متحفزة متوثبة.

اندهشت.. ثم تنفست الصعداء وأنا أسمع صوته الجهوري المتميز يجيبني من الطرف الأخر:

– أهلا بالبلبل.. كيف حالك؟

(والبلبل هو اللقب الذي كان يناديني به في معتقل العار هو ومجموعة من الرفاق، بسبب غنائي المواصل مرة وتجويدي للقرأن الكريم مرات أخرى)

قلت له مداعبا، وكان ديدني معه كذلك في كل حديث يدور بيننا:

– هل أنت حقا على قيد الحياة ؟

فأجابني ضاحكا:

– على حد علمي أنا لا زلت أتنفس.. ولكن دعني أقرص أوداجي وأطرافي كي أتأكد..

ثم سألني:

– لم هذا السؤال الغريب؟

قلت له:

ـ قبل دقيقتين، اتصل بي صديق يتكلم بجد، ولم أعهد منه سوى الصراحة والصدق، فأخبرني أنك قد فارقت الحياة..

فرد علي برنة متشائمة:

ـ العياذ بالله.. هؤلاء الغربان، ساءهم أننا لم نمت لهم، فأصبحوا يستعجلون رحيلنا وكأنهم يحملوننا فوق أكتافهم..

قلت: كيف حالك؟

قال: حي وميت، وميت وحي.. أنا ألعب مع  الموت كما يلاعب ميسي الكرة.. لم يبق لي سوى المراوغة والتمويه..

la feinte ما كاين غير  la feinte

ومضت الأيام والشهور، ثم انصرمت سنتان..

وذات صباح من هذا الشهر نادى علي صديقي في المحنة سي محمد الزموري بصوت واهن متحشرج من شدة المرض والتأثر:

– حشاد في ذمة الله..

هذه المرة، لم يكن في الأمر أدنى التباس.. مات القبطان حشاد حقا، وتمنيت لو أن الخبر كان كاذبا كالمرة الأولى..

فمن يكون هذا الرجل الذي كنا نحبه نحن أهل الكهف؟

حشاد هو واحد من أمهر الطيارين الحربيين الذين مروا في تاريخ الطيران الحربي المغربي..

رجل متواضع طيب خلوق، وهبه الله من الذكاء والمهارة والصرامة والالتزام ما جعله يبرز بشكل استثنائي منذ بداية تدربه بداية الستينات في الولايات المتحدة الأمريكية مع طياري هذا البلد وطياري إيران في عهد الشاه وكذا طياري الكيان الصهيوني الغاشم..

ولا زلت أتذكر أن  الصحفي الكبير أحمد منصور، اندهش لما ذهبت وإياه لزيارته في القنيطرة قصد إقناعه بتسجيل شهادته. انبهر حتى اتسعت عيناه من وراء نظاراته  لما عرض عليه المرحوم درعا قدم له من طرف الأمريكييين يشهد له بالبراعة والتفوق. وأعتقد – إن لم تخني ذاكرتي – أنه عرض عليه أكثر من شهادة وجائزة..

لم يكن ذنب المرحوم حشاد سوى أنه كان نائبا لرئيس القاعدة الجوية العسكرية بالقنيطرة يوم عين ضمن الخفر الذي سيستقبل البوينك الملكي العائد من فرنسا..

صعد إلى طائرته المجردة من أي سلاح بصحبة الملازم الدكالي، وأخذ الأمر كما يأخذه أي متعود على عمل يمارسه يوميا وبكيفية تلقائية..

ولما ظهرت الطائرة محلقة فوق سماء تطوان، سمع صوت الرائد كويرة يأمر بغتة ربابنة السرب  بالابتعاد عن البوينك، الشيء الذي أثار استغرابه وتعجبه، سيما وأن هذه الفرضية لم تكن مطروحة قبل الإقلاع..

بقي الرجل ملاصقا للطائرة رغم مشاهدته لهيب رشقات الرصاص وهي تانطلق بكثافة من بعض المقاتلات وتستقر في محركات البوينك الضخمة..

وهذا بالذات ما أثار حوله شبهة.. مجرد شبهة..  إذ قيل في المحكمة بأن العقيد الدليمي اقترب حينها من إحدى النوافذ وبدأ يشير إليه أن يبتعد، دون أن يكون في علمه بأن زجاج البوينك يسمح بالرؤية من الداخل ولا يسمح بها من الخارج..

ونهاية القصة يعرفها الجميع، إذ كان الدليمي هو من وراء الحكم عليه بعشرين سنة سجنا نافذة بحجة أنه لم يمتثل لأمره، وذلك بالرغم من وصف الملك في ندوته الصحفية لحشاد ب” ولد الناس” ..

إذن، كانت هذه الشبهة الوحيدة العارية من الصحة، إظافة إلى مؤاخذته من طرف الدليمي بالمهارة والتفوق، كافيتان لحجز مقعد له في سعير تزممارت..

وكما هي عادة الكبار ذوو الهمم العالية، لم يستسلم حشاد لحكم الموت البطيء وهو العسكري الصلب  العنيد..  ذلك أنه بالرغم من العزلة الرهيبة التي كانت مضروبة على المعتقل الهمجي، أخذ الرجل يعتصر لبابة عقله للبحث عن وسيلة يكسر بها ذاك الطوق الشيطاني البغيض..

وعلى امتداد عشرات السنين، لم يهدأ له بال حتى وجد منفذا يتسرب منه عبر الشقوق على غرار ما يفعل الماء الراكد المحبوس..

ولم يكن فاتحا تلك الشقوق سوى واليين من أولياء الله تعالى يتحدران من منطقنه، منطقة بني ملال المناضلة، رجلان دستهما الحكمة الربانية بين زبانية من مردة فجرة مجردين من كل آدمية لأجل تحقيق قوله تعالى: “ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض”.

لقد كان العربي لويز ومحمد الشربدوي رحمهما الله تعالى ملكين من ملائكة الأرض..

فالأول أعلن لنا منذ البداية عن تعاطفه معنا وساهم في رفع الضيم عنا بمساعدتنا لوجه الله تعالى كلما تهيأت له فرصة وعنت لحظة مواتية. أما الثاني، فعلاوة على ما كان يفعله الأول، فإليه يرجع الفضل العظيم في ربط الاتصال بين بعض المعتقلين وذويهم.

ولولا ذلك لكنا دفنا جميعا تحت ركام الجير في الصمت واللامبالاة..

وقد كانت زوجة المرحوم، الدكتورة عائدة وبنتها هدى، من خيرة السيدات اللائي ضحين بالغالي والنفيس لأجل مساعدتنا هي والسيدة الأمريكية نانسي زوجة الملازم الطويل.

إذ لم يتركن صغيرة ولا كبيرة إلا استعملنها من أجلنا.

وبطبيعة الحال، لعبت أسر أخرى دورا محوريا في الإفراج عنا، ويكفي أن ننوه بالدور العظيم الذي لعبته أسرة النقيب عبد اللطيف بلكبير وأسرة النقيب غلول، وأسرة المرشح الراحل محمد الرايس وأشخاص أخرون منهم من نعرف ومنهم من لا نعرف. هذا إظافة إلى المنطمات الحقوقية الوطنية والمتواجدة في الخارج،  وكذا المنظمات الحقوقية الأجنبية وبعض الشخصيات الإنسانية من أمثال كريستين السرفاتي وجيل بيرو والمرحوم محمد بن سعيد أيت إيدر وغيرهم وغيرهن كثير.

هؤلاء كلهم استطاعوا بالكاد، بفضل تكتيل جهودهم وإصرارهم في الضغط القوي على النظام المغربي بزعزعته عن نيته المتمثلة في طحننا جميعا في ماكينة الموت الجاهلي..

ولنرجع إلى القبطان حشاد لنعترف أنه طول مقامنا بتلك الديار السعيدة، كان فعالا في كل صغيرة وكبيرة تهم حياتنا اليومية،  إذ كان يشاركنا همومنا، ويساهم في التخفيف عنا بحكي مغامراته الأرضية والجوية، كما كان يفيدنا على غرار معتقلين آخرين من اختراعاته الثمينة، إذ هو من يرجع إليه الفضل في اختراع (كبزال)، وهو الاختراع الذي أدخل به إلينا قبسا من ضوء الشمس بعدما كنا نسبح في ظلمات ثلاث. وهو من استل سلكا من الحائط وجعل منه إبرة بعدما ثقبه من أحد طرفيه. وكنت كلما أسأله عن طريقته في ذلك، كان يضحك ويقول لي، هو سر من أسرار المهنة…

وهو من.. وهو من.. وفضائله علينا لا يمكن عدها..

ومن المؤسف جدا أن يلاحظ المرء بأن هذا الطيار البارع ذهب ضحية نزوات سادية لإنسان حقود يكره النجاح والتفوق. إذ بشيء قليل من الحكمة والتروي، كان من الممكن أن يحافظ المغرب على جوهرة من هذه الجواهر الثمينة لاستغلالها والاستفادة منها، على الأقل، بتكوين جيل كامل من الطيارين الحربيين المتفوقين.

ولكن عندما تحل الفتنة بساحة بلد ما، فإنها لا تميز بين حجر وجوهر، بل تنطلق كالسيل العرمرم الذي يجرف في طريقه الأخضر واليابس.

وأصل هذه الفتنة طبعا هما الفساد والاستبداد. إذ لولاهما لما هربت خيرة الأدمغة المغربية إلى الخارج، ولما ألقى الشباب المغربي اليانع بنفسه إلى برد البحر هربا من صهد البطالة،  ولما تصحرت المتشفيات والمدارس والمحاكم من المعدات والكفاءات، ولما صار البرلمان غرفة قيلولة لبعض الجهلة وأصحاب السوابق.. ولما كان مآل هذا الطيار الألمعي هذا المصير الرهيب..

رحم الله أخانا ورفيقنا وصديقنا حشاد، ورحم كل شهدائنا الأبرار، والعزاء الحار والصبر الجميل لذويهم ولنا.. وعند الله تجتمع الخصوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *