دور الأستاذ في تفعيل البعد القيمي للدرس العلمي.. درس علوم الأرض في المنهاج المغربي نموذجًا (الحلقة 4)
يشهد الحقل التربوي العالمي تحولات عميقة تتجه نحو تكامل المعرفة العلمية مع التربية على القيم، باعتبارها ركيزة لبناء الإنسان المتوازن القادر على التعامل مع تحديات العصر أخلاقيًا ومعرفيًا. وفي ظل هذا التحول، برزت أهمية تفعيل البعد القيمي في تدريس العلوم الحقة، خصوصًا في التخصصات المرتبطة بالبيئة والكون والحياة، ومنها مادة علوم الأرض التي تستند في جوهرها إلى دراسة النظم الطبيعية والخصائص الفيزيولوجية، وفهم ديناميكيتها، وتأمل قوانينها وضوابطها. وقد أكدت وثيقة الإطار المرجعي لعلوم الحياة والأرض على البعد القيمي باعتباره مكوّنًا تكامليًا يرافق بناء الكفايات العلمية، ويستهدف تنمية الوعي بالمسؤولية تجاه الذات والبيئة والمجتمع.
يُجمع الباحثون في التربية الحديثة على أن المعرفة العلمية، وإن كانت أداةً فعالة لفهم الكون وتسخير موارده، فإنها قد تفقد معناها الإنساني إن أفرغت من بعدها القيمي¹. لذلك أصبح تدريس العلوم مدخلًا لترسيخ قيم أخلاقية وبيئية وجمالية، تُسهم في إعداد متعلم يتحلى بالقيم الكونية، ويحترم القوانين الطبيعية ويحسن التعامل مع الطبيعة ومكوناتها.
ويُعد درس علوم الأرض نموذجًا لذلك، حيث يتناول قضايا مثل تاريخ الأرض، التوازن البيئي، المخاطر الطبيعية، الموارد المائية والمعدنية، والتغيرات المناخية؛ وهي موضوعات تتقاطع جوهريًا مع قيم الحق والمسؤولية البيئية والإحسان في استغلال الموارد والتعاون المجتمعي والتفكير النقدي.
في هذا السياق، يبرز دور الأستاذ باعتباره فاعلًا تربويًا محوريًا في نقل المعرفة وترسيخ القيم. فمهمته لا تقتصر على تقديم الدروس عبر تنظيم الأنشطة المعرفية واتمية الكفايات التواصلية البيانية والكتابية، بل تمتد إلى إكساب المتعلمين حسًا أخلاقيًا وتأمليًا تجاه العلم والكون. ويؤكد التربويون أن المدرس القيمي هو الذي يُحسن الربط بين الحقائق العلمية وسياقاتها الإنسانية؛ مثل توضيح علاقة دراسة دينامية الصفائح التكتونية بقيم الصبر العلمي والتواضع المعرفي والإيمان بالسنن الإلهية في الكون².
ويتجاوز هذا الدور الجانب العملي ليشمل الإرشاد الفكري والقيمي، مثل توجيه متعلمي علوم الأرض إلى فهم المخاطر البيئية باعتبارها نتيجة لسلوك إنساني غير راشد أحيانًا، ما يفتح المجال لمناقشات علمية ـ أخلاقية حول التغير المناخي وحماية المياه والحد من التلوث. هذا التوجه يتناغم مع توجه المنهاج المغربي الذي يدعو إلى دمج القيم ضمن الكفايات العلمية، ويؤكد كما ورد في البرنامج الوطني لتجديد منهاج العلوم على “تنمية الوعي البيئي والمسؤولية الفردية والجماعية في حماية الموارد الطبيعية”³.
كما ينسجم مع التوجه الدولي الذي رسخته وثائق اليونسكو، وخاصة إطار التربية من أجل التنمية المستدامة4. وقد أظهرت دراسات حديثة أن توظيف الاستراتيجيات النشطة في تعليم العلوم يرفع مستوى الوعي البيئي والقيمي لدى المتعلمين5.
ختامًا، يمكن القول إن تفعيل البعد القيمي داخل درس علوم الأرض ليس اختيارًا تربويًا ثانويًا، بل هو خيار استراتيجي لإعداد مواطن مسؤول، قادر على فهم الكون وإعماره بحكمة وإحسان. ولتحقيق ذلك، يجب أن يظل الأستاذ محور العملية التربوية، وأن يعزز حضوره كقدوة معرفية وقيمية في آن واحد.
* عبد الحي الصالح، باحث في علوم التربية وديداكتيك العلوم
المراجع
¹ UNESCO. (2019). Education for Sustainable Development Beyond 2019.
² Tilbury, D. (2021). Education for Sustainability: Research and Innovation Review.
³ وزارة التربية الوطنية، وثيقة الإطار المرجعي لمادة علوم الحياة والأرض.
4 UNESCO. (2020). ESD Framework for 2030.
5 Tilbury, D. (2021). Ibid.
تعليقات الزوار
مقال في المستوى، كلام في الصميم، منطقي في زمن اضمحلت فيه القيم في محيطنا سواء في المدرسة أو الشارع، إلى آخره.