صحة المرأة المغربية: قراءة سوسيولوجية في المؤشرات والتحديات

يتضح من خلال قراءة متأنية لبيانات المندوبية السامية للتخطيط حول صحة المرأة المغربية في إصدارها الأخير ” المرأة المغربية في أرقام”، أنها تكشف عن عدة مفارقات سوسيولوجية عميقة بين النجاحات الديموغرافية المحققة من جهة والهشاشات الصحية المستمرة والمستشرية من جهة ثانية. إذ لا تصح قراءة هذه المؤشرات باعتبارها أرقام محايدة، بل يجب تناولها بما هي نصوص اجتماعية ترصد قصة التحولات في علاقة المرأة مع مختلف تجلياتها الصحية: بجسدها، بالإنجاب، وبالمنظومة الصحية في سياق مجتمع انتقالي.
أولا: العمر المتوقع: مكسب ديموغرافي مقابل فجوة جنسية
أول رقم نقف عنده يرتبط بالعمر المتوقع حيث سجل تقدما لصالح النساء بمعدل 79 سنة مقابل 75.5 سنة للرجال سنة 2024، أي بفارق يقارب 3.5 سنوات لصالحهن. وقد يكون مرد هذا التفوق إلى نمط الحياة المختلف بين الجنسين، حيث تعاني النساء أقل من مخاطر التدخين (1% مقابل 21.9% للرجال) والحوادث المهنية. غير أن الفارق بشكل واضح بين الوسط القروي حيث يبلغ 4.1 سنوات مقابل ثلاث (2.9) بالوسط الحضري، وهو ما يمكن تفسيره بعدة عوامل من قبيل شروط العمل بالوسط القروي بالنسبة للرجال سواء تعلق الأمر بالفلاحة أو المناجم… ناهيك عن التفاوت في الرعاية الصحية بين الوسطين. رغم ما يمكن تسجيله من تحسن في الولوج إلى الخدمات الصحية الأساسية ما بين سنة 2004 وسنة 2024، ولعل هذا ما يفسر ارتفع العمر المتوقع للنساء القرويات من 67.9 إلى 76 سنة (2024).
ثانيا: التحول الديموغرافي من خصوبة عالية إلى إنجاب محكوم
عرف المؤشر التركيبي للخصوبة انخفاضا ملحوظا خلال العقدين الأخيرين، حيث انتقل من 2.47 طفل لكل امرأة سنة 2004 إلى 1.97 سنة 2024، علما أن عتبة التجديد السكاني تقدر ب 2.1. ولا شك أن هذا الانخفاض الحرج يترجم تحولاً في المشروع الإنجابي للمرأة المغربية، من ثقافة الكم ( الإنجاب الكثيف) إلى ثقافة النوعية على حساب الكمية. وتجدر الإشارة إلى التفاوت الحاصل على هذا المستوى بين المدن التي تسجل انخفاضاً بلغ 1.77 طفل، وهو معدل دون الاستبدال الطبيعي(2.1)، مما يطرح سؤال الشيخوخة الديموغرافية المبكرة. أما الوسط القروي ، حيث الانخفاض بلغ 2.37، فإنه يبقى أعلى من المعدل مما قد يفسر باستمرار الضغوط التقليدية لإنجاب عدد أكبر من الأطفال، من جهة وضعف الثقافة الإنجابية (تنظيم النسل…) من جهة ثانية. لكن الملفت للنظر هو أن معدلات الخصوبة قد سجلت استقراراً نسبياً منذ 2010، وأحيانا بل انتعاشاً طفيفاً في صفوف بعض الفئات العمرية، رغم استمرار الوسط الحضري والمستوى والتعليمي المرتفع. وهو ما يفسر بعض الديموغرافيين بتأثير السياسات العمومية التشجيعية (دعم الأسر، الولادة في القطاع العام) من جهة، أو التمثلات الدينية التي تشجع على الإنجاب من جهة ثانية.
ثالثا: خصوبة المراهقات، حمل مبكر يفضح الهشاشة
يسجل التقرير تراجع معدل خصوبة المراهقات ما بين سنة 2004 وسنة 2024 ، حيث انتقل وطنيا من 22.5 في الألف إلى 11.3 في الألف، أي ما يقارب تراجعا ب 50%. غير أن هذا التراجع يجب ألا يخفي التباين الصارخ بين الوسط القروي حيث مازال المعدل مرتفعا (16.8‰) في مقابل المدن ب (7.7‰). ولعل هذا الانخفاض يترجم تأخر سن الزواج وارتفاع التمدرس، لكنه يكشف من جهة أخرى استمرار الهشاشة اجتماعية. إذ أن الحمل في سن المراهقة يكون في الغالب نتاج الزواج المبكر بالرغم من القيود القانونية، أو جراء علاقات غير شرعية تنتهي بحمل غير مرغوب. في المخيال الاجتماعي المحافظ، تتحول المراهقة الحامل إلى موضوع وصم يدفعها للإخفاء أو الإجهاض السري، مع مخاطره الصحية والنفسيةمع تبرئة للطرف الآخر في ظل الهيمنة الذكورية.
وتشير الأرقام إلى تأخر متزايد في متوسط سن الأمومة، والذي بلغ سنة 2018 29.1 سنة، وهو ما يمكن ربطه بعاملين أساسين: تأخر الزواج من جهة والاستقلالية الاقتصادية من جهة ثانية. لكن ما لا يجب إغفاله هو المخاطر المصاحبة له والتي تمكن التمثيل لها ببعض النتائج من قبيل انخفاض الخصوبة والتشوهات الجينية التي تتطلب مرافقة صحية أكثر تخصصاً وتكلفة.
رابعا: تنظيم الأسرة بين الإنجاز والحاجات غير الملباة.
تبرز الإحصائيات نجاح سياسات تنظيم الأسرة التي تم نهجها منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث بلغت نسبة استخدام وسائل منع الحمل 67.4% (2018)، منها 56.7% وسائل حديثة، مع تسجيل فجوة محدودة بين الوسط الحضري والوسط القروي حيث تبلغ النسبة على التوالي (68.9%) و (65.5%)، مما يشير إلى تعميم الخدمات نسبياً. ورغم ذلك، تسجل الأرقام ارتفاع نسبة النساء اللواتي لم تلبى حاجاتهن على هذا المستوى، إذ بلغن 1.3 مليون امرأة (من 10% إلى 11.3%) لم يستفدن من خدمات تنظيم الأسرة رغم رغبتهن في تأجيل الإنجاب أوإيقافه. هذا يعكس عوائق متعددة: النفاذ الجغرافي (خاصة في القرى)، الممانعة الزوجية (رفض الزوج)، التمثلات السلبية حول الآثار الجانبية، أو الحواجز الثقافية والدينية. خصوصا في سياق يسوده الطابو الجنسي، يبقى الحديث عن تنظيم الأسرة موضوع ذا حساسية، خاصة حين يتم منعهن من الوصول للخدمات بحكم القانون والأعراف. هذا الواقع يدفع الآلاف نحو الحمل غير المرغوب والإجهاض السري.
خامسا: وفيات الأمهاتبين النجاح النسبي والفجوة المستمرة
انخفضت نسبة وفيات الأمهات بشكل بارز من 227 إلى 72.6 لكل 100 ألف ولادة حية بين 2003 و2018، أي ببنسبة بلغت 68%. مما يعكس نجاح سياسة المجانية في الولادة، وتوسيع شبكة دور الولادة والمراكز الصحية. لكن الفجوة بين المدن (44.6) والقرى (111.1) تبقى مروعة، إذ تموت امرأة قروية بمعدل 2.5 مرة أكثر من الحضرية. هذا يعكس التفاوتات المجالية في الولوج للخدمات المتخصصة، وضعف البنيات الاستشفائية في القرى. كما أن النسبة المسجلة في المدن لا تعكس حقيقة الخدمات الصحية المقدمة في ظل ميل المواطنين للمصحات الخاصة، خصوصا حين يتعلق الامر بالولادة. كما سُجل ارتفعت نسبة الولادة تحت المراقبة من 60.8% إلى 86.1%، ومن 62.6% إلى 86.6% للولادة بمساعدة كادر مؤهل. لكن استمرار 13.9% من الولادات خارج المراقبة (أغلبها في القرى: 25.8%) يعني أن عشرات آلاف النساء يلدن في ظروف محفوفة بالمخاطر. خصوصا إذا استحضرنا أن وفيات الأمهات في المغرب ترتبط أساساً بـالنزيف (30%)، ارتفاع الضغط (20%)، العدوى (10%)، والإجهاض غير الآمن (15%)، وهي أسباب قابلة للوقاية بتوفر الرعاية المناسبة. استمرار هذه الوفيات يكشف عن الإهمال الطبي وضعف جودة الخدمات.
سادسا: وفيات الأطفال التقدم والفوارق الجنسية
لقد سُجل انخفاض وفيات الأطفال الرضع (0-1 سنة) من 40‰ إلى 18‰، ووفيات الأطفال دون الخامسة من 47‰ إلى 22.2‰ ما بين 2004 و2018. ولا شك أن هذا التحسن يعكس نجاح برامج التلقيح ومتابعة النمو. لكن الفارق الجنسي في الوفيات يبقى ملحوظاً، إذ يموت الذكور أكثر من الإناث في جميع الفئات العمرية (28.8‰ مقابل 23.5‰ للرضع). هذا الفارق البيولوجي يُفسر بالهشاشة الفيزيولوجية للذكور الرضع، لكنه قد يعكس أيضاً تفضيلات جنسية في الرعاية ببعض المناطق.
سابعا: السمنة النسائية أو الوباء الصامت
تعاني 26.8% من النساء من السمنة المفرطة مقابل 8.2% فقط عند الرجال، لتشكل بذلك أزمة صحية متفاقمة، حيث تعاني من السمنة مقابل أي ثلاثة أضعاف. أما إذا أضفنا الوزن الزائد (34.7%)، فإن ثلاثة أخماس النساء (61.5%) تعانين من اختلال وزني مقابل 39% من الرجال. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذه الفجوة لا يمكن تفسيرها بيولوجيا فقط، بل يلزم استحضار العامل السوسيولوجي. ففي المجتمع المغربي التقليدي حيث يتم ربط الجسد الممتلئ بالجمال والرفاهية والخصوبة… يتشكل ضغط اجتماعي للمسارعة لاكتساب الوزن. بل في مناطق متعددة يتم التشجيع القسري على التسمين للفتيات المقبلات على الزواج (التبلاح نموذجا). وفي المقابل تجد النساء صعوبة في الولوج إلى فضاءات الرياضة والنشاط البدني بحكم الأعراف التي تحظر ولوج النساء للفضاءات المشتركة والمفتوحة من هذا القبيل، ناهيك عن حصر دور المرأة في الفضاء المنزلي والعمل المنزلي، الذي رغم المجهود المبذول به، لا يغني عن النشاط الرياضي المنظم وتأثيره البدني والنفسي على حد سواء. ومما يزيد السمنة خطورة ارتباطها الوثيق بجملة من الأمراض المزمنة، وفي مقدمتها ارتفاع الضغط وبعض السرطانات وأمراض القلب والسكري… خصوصا إذا استحضرنا التوقعات التي تشير إلى أن 24% من البالغين سيعانون مع حلول سنة 2023 من السمنة، مع تضرر نسبة أكبر من النساء تقدر بحوالي 9.94 مليون امرأة.
ثامنا: الإعاقة التوزيع المتوازن والتحديات الخفية
بُعدٌ واحد يتقاسمه الرجال والنساء بالتساوي على مستوى الصحة بالمغرب، إنه معدل الإعاقة، إذ يبلغ المعدل 4.7% للرجال و4.8% للنساء. غير أن الوسط الوسط القروي، يسجل معدلا أعلى يصل إلى 5.6%، ويعزوه بعض الدارسين إلى عوامل متداخلة في مقدمتها الحوادث المنزلية والزراعية وضعف الوقاية. ورغم التساوي على مستوى المعدل بين النساء والرجال، فإن المرأة ذات الإعاقة تواجه تمييزا مزدوجا: باعتبارها امرأة من جهة وكمعاقة من جهة ثانية، مما يؤثر بشكل كبير على فرص ولوجهن للتعليم وللتمكين الاقتصادي وبالتالي للعزلة الاجتماعية. غير أن قلة/غياب الإحصائيات التفصيلية بشأن أنواع الإعاقة وتوزيعها حسب النوع الاجتماعي يحول دون الفهم الدقيق للظاهرة.
تاسعا: التدخين والفارق الجنسي الحاد
تسجل الأرقام بشكل إيجابي النسبة الضعيفة للمدخنات في صفوف النساء والتي لا تتجاوز 1% مقابل 21.9% في صفوف الرجال. وقد لا يكون مرد هذا المعدل في صفوف النساء إلى البعد البيولوجي، بقدر ما يمكن تفسيره سوسيولوجيا بضغط اجتماعي يعتبر تدخين المرأة انتهاكا لأنوثاها ووصمة عار، في حين يعتبر معيارا للرجولة في صفوف الرجال. هذا لا يعكس حماية بيولوجية، بل ضغطاً اجتماعياً رادعاً يجعل من تدخين المرأة موضوع وصم وانتهاك للأنوثة التقليدية. غير أن هذا المعدل يمكن أن يخفي وراءه معدلات أكبر وراءها تدخيناً سرياً تمارسه بعض النسوة بعيداً عن الأنظار، خاصة في المدن.
عاشرا: الطابو المستمر، الصحة الجنسية والإنجابية
في ظل هيمنة ثقافة “الحشومة” تظل الصحة الجنسية من الطابوهات، حيث يتم اكتسابها بشكل عشوائي بعديدا عن المدرسة والقواعد العلمية والمؤسسات. مما يجعل النساء عموما والفتيات على وجه التحديد عرضة لعدة أخطار: الحمل غير المرغوب فيه والإجهاض السري والأمراض المنقولة جنسيا حيث تسجل الإحصائيات أكثر من 600 ألف حالة سنويا. خصوصا في ظل ترسانة قانونية تمنع ولوج غير المتزوجات للخدمات الصحية في تعارض صارخ مع الحق في الولوج إلى الصحة، ومخيال شعبي يربط الأمراض الجنسية بالانحراف. كل هذا يحول بين النساء وطلب الاستشارة الصحية خوف الفضيحة والعار. مما يدفعهن للصمت أو ممارسات تقليدية خطيرة، وفي كلتا الحالتين المعاناة. فيبقى الجنس ومشاكله موضوعا دا حساسية مفرطة.
خلاصة سوسيولوجية
تدل الأرقام الصحية على مجتمع في انتقال صحي، تجلى من خلال تحقيق عدة انجازات ديمغرافية، ؤغير أنه مازال يسجل هشاشة بنيوية على عدة أصعدة، في مقدمتها انخفاض الوفيات في صوفوف الأمهات والأطفال على حد سواء وكذا معدلات العمر. غير أن الفجوات المجالية تبقى صارخة بين الوسط القروي والوسط الحضري. كما أن استمرار مجموعة من التفاوتات تؤكد أن المعركة لم تحسم بعد (السمنة النسائية، استمرار وفيات الأمهات القابلة للوقاية، والطابو الذي يحيط بالصحة الجنسية والإنجابية…). كما تخبرنا الأرقام إشكالية صحة النساء لا ترتبط بالبعد الطبي فقط، بل تتداخل فيها عوامل سوسيولوجية وسياسية على حد سواء، تتفاعل فيها البنى الاجتماعية التقليدية إلى جانب التفاوتات الاقتصادية, وقبل هذا وذاك الإرادة السياسية لتشييد منظومة صحية شاملة وعادلة تحفظ كرامة الإنسان.
اترك تعليقاً