قياديون بالمعارضة يربطون أعطاب الأحزاب بالنسق السياسي ويجمعون على فشلها في الوساطة
أجمع قياديون في عدد من أحزاب المعارضة على فشل الأحزاب السياسية المغربية في عدد من أدوارها النظرية من قبيل الوساطة والتمثيل، ورصدوا التحولات التي شهدها الحقل الحزبي المغربي، وأوضحوا أن الأعطاب التي تعانيها الأحزاب وليدة النسق السياسي المغربي.
جاء ذلك في ندوة حول “تحولات الحقل الحزبي المغربي”، احتضنتها كلية الحقوق السويسي بالرباط اليوم الأربعاء، نظمها فريق البحث في الأداء السياسي والدستوري، وماستر الدراسات الدستورية والسياسية والإدارية، في شعبة القانون، وشارك فيها قياديون بأحزاب سياسية وباحثون أكاديميون.
“برلمانيو الهرولة”
وقال عضو المكتب السياسي لحزب الحركة الشعبية، ادريس السنتيسي، في كلمته، إن الأحزاب السياسية اليوم لم تعد تقوم بدور الوساطة، منبها إلى أن هناك تدافع زعامات، وولاءات، واستمالة الناخبين بالمال، وانتقد طبيعة النخب التي ترشحهم للبرلمان، مشبها بعض البرلمانيين بمحامي الأبكم أو الأصم.
وانتقد رئيس الفريق النيابي الحركي ضعف التمويل العمومي للأحزاب السياسية، معتبرا أن هذه الأخيرة تحتاج إلى تمويل أكبر لتنظيمها، مشيرا إلى أنها تحتاج إلى استقبال المواطنين والراغبين في الانخراط، بدل اعتماد أساليب أخرى في الانخراط عبر الأنترنت، حيث “تلغي دور الحزب في الوساطة والتأطير”.
وانتقد السنتيسي استمرار نفس الوجوه في زعامة عدد من الأحزاب والنقابات، معتبرا أن الأوزان الحالية للأحزاب “انتخابية” فقط. كما انتقد “التواطؤ بالسكوت” على نوع من البرلمانيين جعل البرلمان يعيش متاعب، حيث يغيبون عن مناقشة القوانين ويهرولون وراء الوزراء من أجل مآرب ومصالح.
“كتلتين من الأحزاب”
بدوره، أشار عضو المكتب السياسي لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، محمد الساسي، خلال حديثه عن أبرز التحولات التي عرفها الحقل الحزبي المغربي، إلى ظاهرة “التماهي المتبادل” أو “الحزب التدبيري”، قائلا إن هناك نزوعا نحو تقبل عام لفكرة السيادة الملكية عند الأحزاب المغربية.
وأشار إلى أن التمييز سابقا بين الأحزاب يكون بين كتلتين؛ كتلة من الأحزاب “لا يمكن أن تقدم تحليلا أو قرارا مناهضا للقرارات المزكاة ملكيا”، وتعتبر هذه المجموعة أن “الديمقراطية في المغرب لا يجب أن تكون بكامل قواعدها المعروفة بحكم خصوصيتنا الوطنية والدينية”.
وحسب هذه المجموعة، يقول الساسي، “يجب أن يترك للملك أن يحدد ما يمارسه وما يبقى للآخرين”، وأشار إلى أن المجموعة الثانية أو التي تسمى بالأحزاب التاريخية والوطنية، “كنا نلاحظ أنها تشذ عن هاتين القاعدتين”، مشيرا إلى رفضها ومعارضتها لبعض القرارات الملكية، من قبيل الاستفتاء في الصحراء.
ونبه إلى أن هناك اتجاها اليوم إلى التماهي المتبادل بين المجموعتين، حيث “سقط جدار برلين المغربي” بينهما وتلاشت الفروقات، موضحا أن هناك اتفاقا عاما على السيادة الملكية، وأن ما يجمع هذه الأحزاب “هو المشاركة الحكومية في جميع الأحوال، حكومة ائتلافية شبه دائمة، والكل مستعد للتراجع عن مطالب استراتيجية مقابل البقاء في الحكومة مثل مسألة التطبيع”.
“حقل حزبي هجين”
أما عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، عبد العالي حامي الدين، فقد وصف الحقل الحزبي في المغرب بـ”الهجين”، وأشار إلى سياق ظهور الأحزاب السياسية بالمغرب، حيث ارتبطت بالحركة الوطنية التي كانت تطالب بالاستقلال، “لكن مقومات الحزب السياسي لم تكن متوفرة منذ اليوم الأول”.
وبعد الاستقلال، يقول حامي الدين، لم يكن هناك نموذج متفق عليه لبناء الدولة، “لذلك عشنا صراعات بين تصورات مختلفة، أنتجت ممارسة وأثرت بشكل كبير على الأحزاب السياسية”، مشيرا إلى أن الدولة الحديثة العهد بالاستقلال كانت أمامها استحقاقات وتحديات، لذلك اعتمدت أسلوبا معينا للحفاظ على مكانتها.
وكانت من ضحايا هذا الأسلوب الظاهرة الحزبية، بحسب حامي الدين، فخلق التوازن بين أحزاب الحركة الوطنية والقصر نتج عنه فيما بعد نشأة غير طبيعية لأحزاب أخرى، “التي كان من أدوارها فقط الدفاع عن السلطة”.
هذا التبيان، بحسب القيادي في حزب العدالة والتنمية، أنتج حقلا حزبيا هجينا، يحتاج إلى مجهودات جبارة لإصلاحه، معتبرا أن الأعطاب التي يعانيها الحزب السياسي هي أعطاب النسق السياسي ككل، فـ”لا يجوز عزلها عن نسقها”، مشيرا إلى أن النسق محدود، فمن الناحية الديمقراطية لا يعطي مجالا للإبداع أمام الأحزاب.
واعتبر أن سؤال التخليق لا يعني المنتخبين وحدهم، متسائلا: فهل الولاة والعمال والبشوات وغيرهم من أولياء الله الصالحين أم يحتاجون أيضا إلى جرعات تخليقية؟ وانتقد المنظور التجزيئي للتخليق الذي يركز على فساد المنتخبين فقط دون غيرهم من الأطراف الأخرى المشاركة في العملية الانتخابية.
ونبه حامي الدين إلى الأزمة التي يخلقها النظام اللائحي للانتخابات بالمغرب وطريقة تطبيقه، مشددا على أنه لا يمكن أن “نحلم في بلادنا بحكومة منسجمة في ظل هذا النظام الانتخابي وهنا تضيع المسؤولية السياسية”، متسائلا: “كيف نحاسب التجربة السياسية في ائتلاف يغيب عنه الحد الأدنى من التوافق في بعض الأحيان؟”.
هذا الوضع، يقول المتحدث، أنتج ضعف الاستقلالية الفكرية والتنظيمية واستقلالية القرار لدى الأحزاب، وما يمكن أن تسميته “بالتسليم بنظرية الضبط من الأعلى”. معتبرا أنه من الطبيعي أن تفشل الأحزاب في أداء وظائفها من قبيل الوساطة بين الدولة والمجتمع والتمثيل.
“عطب التمثيل النسبي”
أما عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكي، رشيد حموني، فقد اعتبر أن قضية التمثيل النسبي من أبرز أعطاب البرلمان، قائلا: “نعاني التمثيل النسبي داخل البرلمان.. لا يعقل أن تراقب الحكومة وأنت لا تمتلك سوى 5 أو 10 في المائة من الوقت المخصص للجلسة”.
وانتقد أيضا حموني تبخيس العمل السياسي والبرلماني، وأشار إلى أن الأحزاب السياسية توجه لها الاتهامات من الجميع بأنها غير قادرة على الترافع والتأطير وغيرها من الاتهامات، “هذه الصورة النمطية أعطت انطباعا بأن الأحزاب السياسية أصبحت جزءا من المشكل وليس جزءا من الحل”.
وتحدث حموني عن “بروز منطق النجاعة التدبيرية لتفعيل المشروع الحداثي الوطني، كأن السلطة لا ترى حاجة لمشاريع سياسية منافسة، بقدر ما تبحث عن منفذين أكفاء تدبيريا”. كما اعتبر أن عددا من التحولات التي عرفها المجتمع عمقت أزمة الحقل الحزبي.
اترك تعليقاً