وجهة نظر

حين يتكلّم المنبر خارج لغته: ملاحظات من قلب المهجر

في السنوات الأخيرة، بات واضحاً أن أزمة الخطاب الديني لم تعد مجرد خلل عابر في بعض المنابر، بل تحوّلت إلى بنية كاملة يعاد إنتاجها أسبوعاً بعد أسبوع. خطب تُلقى، وأصوات ترتفع، لكن الوعي لا يتحرك. كأن المنبر فقد وظيفته الأصلية، وصار يكتفي بإعادة تدوير خطاب لا يرى الواقع ولا يخاطب الإنسان كما هو.

وأنت تستمع إلى خطبة الجمعة في سياق الجاليات، قد يخيل إليك أنك لا تسمع خطاباً، بل صدى سقوطٍ طويل. لحظة تدرك فيها أن المشكلة ليست في الناس، بل في الخطاب الذي يُفترض أن يوقظ الناس. خطاب يعلو بالصوت ولا يعلو بالفكرة، يسبح في البلاغة ولا يلمس الأرض، يثير العاطفة ويهرب من مواجهة الواقع. كأن الخطيب يخطب ليُرضي صدى صوته، لا وعي الناس. قِلّة تصغي، وكثرة مأخوذة بالنبرة غير مدركة للمعنى؛ جمهورٌ ينجذب للضجيج لا للفكرة، وللنبرة لا للوعي.

لقد صار واضحاً أن كثيراً من خطباء المهجر يكررون دروس الطهارة والصلاة كأنهم يقدمون فتحاً جديداً، في زمن أصبحت فيه أبسط المعلومات الدينية على بُعد نقرة واحدة. ومع ذلك، يصرّون على اجترارها، كأن الزمن متوقف، وكأن الناس لا تتغير. والأدهى أن كثيراً منهم عاش ثلاثين سنة أو أكثر في بلد الإقامة دون أن يتعلم لغة البلد. ثلاثون سنة من العيش خارج الزمن، خارج المجتمع، خارج الناس. فكيف لمن لا يفهم لغة الناس أن يفهم آلامهم؟ وكيف لمن لا يقرأ واقعهم أن يقدّم لهم حلولاً؟ كيف يسبر أغوار حياة لا يستطيع حتى أن ينطق مفرداتها؟

الإمام الذي لا يسأل نفسه:
هل تغيّر وعي من أخطبهم؟
هل تحرك فيهم شيء؟
أم أنني أكرر نفس الخطاب منذ عشرين سنة؟
هذا الإمام لا يمارس دوراً، بل يشارك — من حيث لا يدري — في صناعة الفراغ.

المغالطات التي يزرعها الخطاب الديني

تكمن خطورة الخطاب الديني اليوم في قدرته على إنتاج تصوّرات مضلِّلة أكثر مما تكمن في ضعف لغته أو أسلوبه. فحين يُقدَّم الدين بمنطق التبسيط المفرط، أو بمنطق التخويف، أو بمنطق التقديس غير النقدي للماضي، تتشكل في الوعي بنى ذهنية مغلقة:

تصوّرات تجعل المسلم يعتقد أن كل جديد بدعة، وأن كل اجتهاد خروج، وأن كل قراءة مختلفة تهديد.
بهذا المعنى، لا يصبح الخطاب الديني مجرد وسيلة للتوجيه، بل يصبح آلية لإنتاج وعي مشروط، وعي يكتفي بالترديد ولا يجرؤ على الفهم، ويستسلم للجاهز بدل أن يشارك في بناء المعنى.

إن المغالطات التي تُزرع في العقول — عن قصد أو عن جهل — أخطر بكثير من الأخطاء اللفظية أو البلاغية؛ لأنها تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بالدين، وتحوّل النصوص من أدوات للتحرير إلى أدوات للضبط، ومن مصادر للمعنى إلى مصادر للهيمنة الرمزية.

بين الصحابة وحديث الجيل

تمتد أزمة الخطاب الديني أيضاً إلى طريقة تقديم الصحابة. فبعض الخطباء يتعاملون معهم وكأنهم كائنات فوق بشرية، مع أنهم — بنص القرآن والسيرة — بشر غير معصومين، يجتهدون ويخطئون ويصيبون. نعم، اتفاقهم — عند أهل السنة — حجة معتبرة، لكنه ليس عصمة ولا إلغاءً للعقل.

وفي السياق نفسه، كثيراً ما يُستشهد بحديث «خيركم قرني ثم الذين يلونهم…» بطريقة تُوحي بأن جيل الصحابة بلغ ذروة العبادة والورع التي يستحيل أن يقترب منها أحد بعدهم. مع أن الحديث يتحدث عن فضل الجيل من حيث المرحلة التاريخية التي شهدت الوحي ونشأة الدين، ولا يعني أن كل فرد من ذلك الجيل أفضل من كل فرد يأتي بعده.

إنها أفضلية جيلية لا فردية، وفضيلة مرحلة لا عصمة.
لكن الخطاب الديني يحوّل هذا الحديث إلى حاجز نفسي:
إذا كان “خير الناس” قد ذهبوا، فلماذا نحاول؟
وإذا كانت القمم الروحية قد اكتملت، فما جدوى السعي؟
بهذا يتحول الحديث من دعوة للاقتداء إلى آلية لإنتاج العجز، ومن فضيلة تاريخية إلى سقف يمنع الارتقاء.

بين الاقتداء والشلل

إن احترام الصحابة شيء، وتحويلهم إلى معيار يستحيل بلوغه شيء آخر. الأول يفتح باب الاقتداء، والثاني يغلق باب الاجتهاد. الأول يحرّك الناس، والثاني يشلّهم. وما نحتاجه اليوم ليس خطيباً يرفع الصحابة إلى مقام الأسطورة، بل خطيباً يعيد للناس ثقتهم بأن الطريق إلى الله لا يزال مفتوحاً، وأن القمم الروحية ليست حكراً على جيل مضى، وأن الإنسان يُقاس بعمله لا بزمنه.

الخاتمة

إن أزمة الخطاب الديني ليست في النصوص، بل في العقول التي تتعامل معها. ليست في التراث، بل في الطريقة التي نقرأه بها. ليست في الدين، بل في من يقدّمونه للناس كأنه وصفة جاهزة لا حياة فيها.
إننا نحتاج إلى خطاب يعيد للإنسان ثقته بقدرته على الفهم، على السؤال، على الاجتهاد، على أن يكون شريكاً في بناء وعيه لا مجرد متلقٍّ صامت.
نحتاج إلى منبر يرى الإنسان قبل أن يرى الجمهور، ويرى الواقع قبل أن يرفع الشعارات، ويؤمن بأن المستقبل لا يُصنع بالترديد، بل بالعقول التي تجرؤ على التفكير.
فالدين لا يخاف من العقل؛ الذي يخاف من العقل هو الخطاب الذي لا يملك ما يقدّمه للعقل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *