وجهة نظر

أريدُ ساقًا أقفُ عليها

في إحدى رحلاته بين جبال النرويج، خرج طبيب الأعصاب والكاتب الشهير أوليفر ساكس باحثًا عن متعة المشي والتأمل في الطبيعة، لكنه عاد من تلك الرحلة بسؤال فلسفي عميق غيّر نظرته إلى الإنسان وإلى نفسه. فقد تعرض لحادث مفاجئ أصاب ساقه إصابة بالغة، ولم يكن الأمر مجرد كسر أو تمزق عضلي يمكن علاجه بالأدوية والجراحة، وإنما كان انهيارًا مؤقتًا للعلاقة التي تربط الإنسان بجسده. لقد وجد نفسه ينظر إلى ساقه كما ينظر المرء إلى شيء غريب عنه؛ يراها بعينيه، لكنه لا يشعر أنها جزء من كيانه. ومن هنا ولد عنوان كتابه الشهير: “أريد ساقًا أقف عليها”.

لكن الساق في نظر ساكس لم تعد مجرد عضو من أعضاء الجسد؛ لقد تحولت إلى رمز. رمز للحاجة إلى الثبات وسط الاضطراب، وإلى التوازن وسط السقوط، وإلى نقطة ارتكاز يعود إليها الإنسان عندما تتصدع الأرض تحت قدميه.

وهكذا خرجت الحكاية من حدود الطب والأعصاب إلى فضاء أوسع بكثير: فضاء الإنسان وهو يواجه مصادفات الحياة وتقلباتها ومحنها وأسئلتها الكبرى. فالحياة، مهما خطط لها الإنسان، لا تسير دائمًا وفق الخرائط التي يرسمها. كم من شخص استيقظ صباحًا وهو يظن أن يومه عادي كسائر الأيام، فإذا به يتلقى خبرًا يغير مجرى حياته كلها. وكم من إنسان كان يسير مطمئنًا فوق أرض مستقرة، فإذا بالأقدار تفتح أمامه فجأة حفرة لم يكن يتوقع وجودها. حادث، مرض، فقدان عزيز، خسارة عمل، فشل مشروع، خيبة صديق، أو حتى كلمة عابرة.. تقلب ميزان النفس رأسًا على عقب. عندها يكتشف المرء أن ما كان يظنه ثابتًا ليس دائم الثبات، وأن الحياة لا تمنح أحدًا ضمانة ضد المفاجآت.

والمحنة الحقيقية ليست في السقوط نفسه؛ فالسقوط جزء من التجربة الإنسانية. المحنة الحقيقية تبدأ عندما يفقد الإنسان يقينه بقدرته على الوقوف من جديد. هناك لحظة دقيقة يشعر فيها المرء وكأن العالم كله يتحرك من حوله بينما هو عاجز عن استعادة توازنه. في تلك اللحظة لا يبحث عن الانتصار، ولا عن المجد، ولا عن الثروة؛ إنه يبحث فقط عن ساق يقف عليها، عن نقطة ارتكاز تعيده إلى نفسه.

ولعل أعظم أوهام الإنسان أنه يعتقد أن قوته تكمن فيما يملك. لكنه حين يمر بتجربة قاسية يكتشف أن قوته الحقيقية تكمن فيما يبقى معه عندما يفقد كثيرًا مما يملك. فقد يضيع المال ويبقى العقل، وقد يضعف الجسد وتبقى الإرادة، وقد يغيب بعض الناس ويبقى الإيمان، وقد تنهار المشاريع وتبقى القدرة على المحاولة من جديد. وهنا تبدأ رحلة إعادة البناء.

إن الإنسان يشبه بناءً هندسيًا أكثر مما يظن. فكما أن المباني تحتاج إلى أساسات عميقة لتقاوم الزلازل والعواصف، يحتاج الإنسان إلى أساسات داخلية تقاوم صدمات الحياة. وبعض الناس يبنون حياتهم فوق أساسات هشة: شهرة عابرة، أو منصب مؤقت، أو إعجاب الآخرين، أو نجاح سريع. فإذا تغيرت الظروف اهتز البناء كله. أما من بنى نفسه على العلم والقيم والإيمان والعمل والصبر، فإن العاصفة قد تحركه لكنها لا تقتلعه فكأنه جبل لا تهزه ريح.

وهنا يظهر معنى آخر للساق التي نبحث عنها. فليست كل الأرجل من لحم وعظم. هناك من يقف على ساق المعرفة؛ كلما تعثر عاد إلى التعلم. وهناك من يقف على ساق الإيمان؛ كلما ضاقت به الدنيا وجد في يقينه فسحة للأمل. وهناك من يقف على ساق الأسرة الصالحة؛ فإذا ضعفت نفسه حملته المحبة حتى يستعيد توازنه. وهناك من يقف على ساق العمل؛ يجد في الإنجاز اليومي علاجًا للانكسار. بل إن بعض الناس يقفون على ساق الحلم نفسه؛ حلم صغير يرفض أن يموت رغم قسوة الظروف.

المثير للعجب أن الإنسان لا يعرف قيمة هذه الركائز إلا حين تهتز. فنحن لا نفكر كثيرًا في نعمة الصحة حتى يزورنا المرض، ولا في نعمة الحركة حتى يعجز الجسد، ولا في نعمة الاستقرار حتى يدخل الاضطراب إلى حياتنا، ولا في نعمة الصدقة حتى يأتي اليقين. وكأن الحياة لا تكشف كنوزها إلا عندما يوشك المرء على فقدانها. ولهذا كانت تجربة أوليفر ساكس درسًا عميقًا في الامتنان قبل أن تكون درسًا في طب الأعصاب.

إن الخروج من الأزمات لا يبدأ من الخارج دائمًا، بل يبدأ من الداخل. كثيرون من ينتظرون أن تتغير الظروف كي يتحسنوا، بينما الحقيقة أن الظروف كثيرًا ما تتغير عندما يتغير الإنسان نفسه. فالأزمة لا تسلب الإنسان كل شيء؛ إنها غالبًا تسلبه وهم السيطرة المطلقة، وتترك له فرصة اكتشاف ما هو أعمق. إنها تعلمه التواضع، والصبر، وإعادة ترتيب الأولويات، والتمييز بين ما هو ضروري وما هو زائد عن الحاجة.

ولذلك فإن السؤال ليس: لماذا نتعثر؟ فالتعثر جزء من طبيعة الطريق. السؤال الحقيقي هو: كيف ننهض بعد التعثر؟ وكيف نحول الجرح إلى معرفة، والخسارة إلى خبرة، والانكسار إلى حكمة؟

إن التاريخ البشري كله ليس سوى سجل طويل لأشخاص فقدوا شيئًا ثم اكتشفوا أنفسهم من جديد. ثم إن كثيرًا من أعظم الإنجازات قد وُلدت من رحم الأزمات، وكثيرًا من أقوى الشخصيات تشكلت تحت ضغط المحن. فالإنسان لا يحتاج إلى حياة خالية من المصاعب، لأن مثل هذه الحياة غير موجودة أصلًا. ما يحتاجه حقًا هو أن يجد في داخله ما يقف عليه عندما تأتي المصاعب. يحتاج إلى ساق معنوية قبل أن يحتاج إلى ساق جسدية؛ إلى قيمة لا تسقط، وإلى معنى لا ينهار، وإلى أمل لا ينطفئ مع أول ريح.

ولهذا فكل واحد منا، في لحظة ما من حياته، سيقف أمام امتحان يجعله يقول بطريقة أو بأخرى: أريدُ ساقًا أقفُ عليها. وقد تكون تلك الساق فكرة، أو إيمانًا، أو علمًا، أو صديقًا صادقًا، أو حلمًا مؤجلًا، أو عزيمة ترفض الاستسلام .. فالحياة لا تطلب منا ألا نتعثر، وإنما تطلب منا أن نجد دائمًا ساقًا نقف عليها بعد كل تعثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *