سيارات الأجرة بالمغرب.. حرب الكريمات بين مطرقة القانون وسندان أصحاب الشكارة

على وقع هدير المحركات في شوارع الدار البيضاء، والمنعرجات الجبلية الأطلسية بخنيفرة، وصولا إلى أزقة العاصمة الرباط، يعيش قطاع سيارات الأجرة بالمغرب اليوم على صفيح ساخن. لم تعد الأزمة مجرد خلاف عابر بين سائق وزبون حول تسعيرة الرحلة، بل تحولت إلى احتقان اجتماعي هيكلي يهدد بشلل شريان النقل الحيوي في البلاد.
في شتنبر 2026، طفت الأزمة مجددا على السطح بعد القرار الحكومي الصادم بتقليص دعم المحروقات بنسبة 40%، وهو القرار الذي كان بمثابة النقطة التي أفاضت كأس الغضب لدى السائقين المهنيين. لكن، خلف هذا الغضب الظاهر، تدور رحى حرب طاحنة وصامتة في كواليس المحاكم وعمالات الأقاليم، حرب أبطالها أصحاب المأذونيات المستضعفون، والسائقون المهنيون المنهكون، وأصحاب الشكارة الذين أحكموا قبضتهم على القطاع لعقود. في هذا المقال، نغوص في أعماق نظام الكريمة، لنكشف كيف تحايل رأس المال على القانون، وكيف تحولت رخصة إدارية بسيطة إلى إمبراطوريات مالية تتحدى إصلاحات الدولة.
ولفهم جذور الأزمة، يجب تفكيك المفهوم الخاطئ الذي ترسخ في الوعي الجمعي المغاربي لعقود بأن المأذونية ملكية خاصة. قانونيا وإداريا، مأذونية سيارة الأجرة أو ما يعرف شعبيا بالكريمة هي مجرد ترخيص إداري تمنحه الدولة لاستغلال مرفق النقل العمومي. ليست عقارا يباع، ولا أصلا تجاريا يشترى.
وبناء على الترسانة القانونية، ولا سيما الدوريات الأخيرة لوزارة الداخلية أبرزها الدورية 444 والدورية 750، تم الحسم بشكل قاطع في طبيعة هذه الرخصة. يمنع القانون منعا كليا بيع المأذونية أو تفويتها. وأي عملية تجارية من هذا القبيل تعتبر باطلة ولاغية، وتؤدي فورا إلى سحب الرخصة من طرف العمالة.
بل وحتى في حالة الوفاة، لا تدخل المأذونية ضمن الفريضة الشرعية للتركة. إذ أن القاعدة العامة هي انقضاء الرخصة بوفاة المستفيد. والاستثناء الوحيد الذي سمحت به وزارة الداخلية، لدواع اجتماعية محضة، هو تحويل الاستغلال لفئات هشة محددة بدقة كالأرامل والأمهات المعوزات، والأبناء من ذوي الإعاقة، أو الأبناء الذين كانوا يمارسون فعليا مهنة السياقة قبل وفاة المعيل. ومع ذلك، تبقى للإدارة السلطة التقديرية المطلقة في سحب الرخصة متى انتفى الغرض الاجتماعي منها.
لكن، إذا كان القانون بهذه الصرامة، فكيف أصبحت المأذونيات تكترى وتستغل بالآلاف من طرف أشخاص لا تربطهم أي صلة بالهشاشة أو بمهنة السياقة؟ والجواب يكمن في دخول صاحب الشكارة إلى المعادلة.
ففي ظل غياب قدرة تمويلية لدى أصحاب المأذونيات الأصليين الذين غالبا ما ينتمون للطبقات المعوزة أو ورثة بدون دخل، برز في القطاع فاعل جديد غير معترف به قانونيا ولكنه الحاكم الفعلي على الأرض، المستثمر غير المهني، أو ما يصطلح عليه بـصاحب الشكارة.
هذا التدخل خلق بنية هرمية ثلاثية الأبعاد تعيش على التناقضات:
• صاحب المأذونية: يملك الورقة الإدارية ولكنه لا يملك ثمن السيارة. لذلك يجد نفسه مضطرا لتسليم رخصته لمن يدفع أكثر، طمعا في مبلغ نقدي غير قانوني يدفع مسبقا يسمونه الحلاوة وقد يتجاوز عشرات الملايين من السنتيمات، بالإضافة إلى سومة كرائية شهرية.
• صاحب الشكارة: المستثمر الذي يمتلك السيولة المالية. يشتري السيارات، يدفع الحلاوة، ويحتكر عشرات بل ومئات الرخص، ويدير القطاع بمنطق ربحي بحت، حيث يفرض ضريبة يومية ثابتة على السائق يسمونها الروسيطة.
• السائق المهني: الحلقة الأضعف في السلسلة. لا يملك رأس المال للولوج إلى المهنة مستقلا، فيضطر للعمل كأجير مياوم لدى صاحب الشكارة. ويتحمل غلاء المحروقات، وأعطاب السيارة، ومخاطر الطريق، لجمع مبلغ الروسيطة اليومي، ليعود إلى بيته بفتات لا يسمن ولا يغني من جوع، وفي غياب تام لأي تغطية صحية أو حماية اجتماعية فعلية.
هذا التواطؤ القسري بين الأطراف الثلاثة خلق اقتصاد ريع موازيا، حيث تستفيد فئة رأسمالية من رخص خصصتها الدولة للطبقات الهشة، وتستعبد فئة عاملة لا حول لها ولا قوة.
وقبل التدخلات الصارمة الأخيرة لوزارة الداخلية، كانت الساحة متروكة لاجتهادات أصحاب الشكارة الذين نسجوا هندسة قانونية شيطانية لحماية استثماراتهم غير القانونية.
بما أن القانون القديم كان يشترط تطابق اسم صاحب المأذونية مع اسم مالك السيارة البطاقة الرمادية، كان صاحب الشكارة يجد نفسه مجبرا على شراء سيارة بماله الخاص وتسجيلها باسم صاحب المأذونية. ولحماية هذا الاستثمار والمبلغ الضخم المدفوع كـحلاوة، ابتكر المستثمرون أسلحة قانونية مدمرة من خارج قطاع النقل، مستعينين بقانون الالتزامات والعقود:
1. الاعتراف بدين: كان صاحب الشكارة يجبر صاحب المأذونية على توقيع اعتراف بدين مصادق عليه بقيمة خيالية توازي ثمن السيارة والحلاوة وأرباح سنوات. هذا الاعتراف لم يكن عقد كراء، بل سيف ديموقليس مسلط على رقبة صاحب المأذونية. فإذا طالب باسترجاع رخصته، يرفع المستثمر دعوى مدنية لاسترجاع الدين، فيجد صاحب الكريمة نفسه مهددا بالسجن أو الحجز على ممتلكاته.
2. الوكالة الشاملة والمفوضة: ورقة أخرى يوقعها صاحب المأذونية، تمنح المستثمر تفويضا مطلقا لا رجعة فيه للتصرف في السيارة والرخصة، بل وتمثيله أمام المحاكم والضرائب.
وبهذه الأسلحة، جرد أصحاب الشكارة أصحاب المأذونيات من أي سلطة على رخصهم، واستغلوا غياب التقنين لسنوات طويلة، مراكمين ثروات هائلة في منطقة الظل.
وأمام تصاعد الشكاوى واكتظاظ المحاكم بنزاعات الديون الوهمية، قررت الدولة التدخل لفك هذا الارتباط السام. جاءت مذكرات وزارة الداخلية، لتفرض آلية العقد النموذجي Contrat Type.
كانت الفكرة الإدارية ذكية ومباشرة تنص على:
• إلغاء كافة العقود العرفية والوكالات، واعتماد عقد وحيد وموحد يصادق عليه في العمالة.
• حصر الحق في توقيع هذا العقد بين صاحب المأذونية والسائق المهني الحامل لرخصة الثقة حصريا.
• السماح للسائق المهني المستغل بتسجيل سيارة الأجرة باسمه في البطاقة الرمادية، مما أسقط الحاجة لتسجيل سيارات المستثمرين بأسماء أصحاب المأذونيات، وبالتالي ضرب حيلة الاعتراف بدين في مقتل.
ومع صدور الدورية 444، منعت الداخلية تجديد عقود الاستغلال لغير المهنيين أصحاب الشكارة عند انتهاء مدتها، معتقدة أن هذه الخطوة ستعيد القطاع لأهله السائقين، وتخرج المستثمرين الطفيليين من اللعبة. لكن الواقع أثبت أن رأس المال لا يستسلم بسهولة.
الاعتقاد بأن العقد النموذجي أنهى عصر أصحاب الشكارة هو ضرب من السذاجة. فبمجرد أن أغلقت الإدارة بابا، فتح المستثمرون نوافذ متعددة للالتفاف على القانون الجديد، مكرسين بذلك قاعدة أن رأس المال جبان ولكنه ذكي ومراوغ.
فكيف عاد أصحاب الشكارة للسيطرة رغم العقد النموذجي؟
1. استنساخ الصفة المهنية: سارع كبار المستثمرين إلى التسجيل في دورات التكوين واستخرجوا بطاقة السائق المهني بأسمائهم الشخصية. فأصبحوا إداريا وقانونيا سائقين مهنيين يستوفون شروط العقد النموذجي، فتعاقدوا مع أصحاب المأذونيات، ثم قاموا بتسليم السيارات لسائقين آخرين للعمل بنظام الروسيطة.
2. السائق الواجهة: في حالة تعذر حصول المستثمر على البطاقة المهنية، فإنه يعمد إلى تمويل سائق مهني فقير. يسجل العقد والسيارة باسم هذا السائق، لكن الممول الحقيقي هو صاحب الشكارة. ولضمان ولائه، يجبر السائق على توقيع شيكات على بياض أو كمبيالات بقيمة السيارة، ليبقى رهن ابتزاز المستثمر، في إعادة إنتاج لسيناريو الاعتراف بدين، ولكن هذه المرة ضد السائق وليس ضد صاحب الكريمة.
3. مظلة الشركات ذات المسؤولية المحدودة: شكلت إمكانية تأسيس شركات لتدبير سيارات الأجرة الثغرة الأكبر. إذ أسس كبار المحتكرين بموجبها شركات نقل، وأبرموا العقود باسم هذه الكيانات التي يسمح لها القانون باكتراء عدد غير محدود من الرخص. فتحول السائق المهني إلى أجير لدى الشركة، واستمرت سيطرة رأس المال تحت غطاء مؤسساتي وقانوني يحميه من قرارات العمالات.
4. الجرجرة القضائية: بالنسبة للعقود القديمة التي رفضت الإدارة تجديدها، يرفض أصحاب الشكارة تسليم المأذونيات لأصحابها، متحصنين وراء دعاوى قضائية أمام المحاكم المدنية التي تنظر في العقود من زاوية قانون الالتزامات والعقود وليس الدوريات الإدارية. وتستمر المحاكمات لسنوات، وتستمر معها سيارات الأجرة في الدوران وجني الأرباح للمستثمر.
وفي محاولة منها لهيكلة القطاع وتشجيع السائقين، أطلقت الدولة برنامجا طموحا لتجديد حظيرة سيارات الأجرة، قدمت من خلاله منحة مالية ضخمة تبلغ 80.000 درهم لسيارات الأجرة الكبيرة. فظن الكثيرون أن هذا الدعم سيمكن السائق المهني من الاستقلال أخيرا وشراء سيارته الخاصة. لكن سرعان ما تبخر هذا الحلم واصطدم بحائط الواقع الاقتصادي.
لماذا فشل الدعم في تحرير السائق المهني؟
أولا: شرط التكسير La Casse. لم يكن الدعم موجها لاقتناء سيارة جديدة بالمطلق، بل كان مشروطا بتسليم سيارة قديمة متهالكة للمحجز من أجل تدميرها. وهذا يعني أن أي سائق مهني تعاقد للتو مع مأذونية جديدة، أو مأذونية ليس لها سيارة قديمة، يحرم تماما من الدعم، ويطالب بدفع الثمن الكامل للسيارة الجديدة ما بين 13 و18 مليون سنتيم.
ثانيا: الإقصاء البنكي. حتى لو استحق السائق الدعم، فإن مبلغ 80 ألف درهم يدفع مباشرة لوكيل السيارات Maison. ويبقى على السائق توفير المبلغ المتبقي عبر قرض بنكي. وهنا تصطدم أحلام السائقين بواقع المؤسسات البنكية التي ترفض بشكل قاطع تمويل مهنيي سيارات الأجرة، معتبرة إياهم فئة عالية المخاطر لغياب الدخل الثابت ولأن المأذونية ليست ملكا لهم ولا يمكن رهنها.
وفي ظل هذا الفراغ التمويلي القاتل، يجد السائق المهني وصاحب المأذونية نفسيهما أمام طريق مسدود. ليعود سؤال من سيمول شراء السيارة؟ إلى المربع الأول ليظهر صاحب الشكارة مجددا حاملا حقيبته المالية، ليقوم بدور البنك غير الرسمي. يشتري السيارة نقدا، ويمول العملية بأكملها، ويفرض شروطه المجحفة من جديد. الدعم الحكومي، الذي كان يفترض أن يحرر السائق، انتهى به المطاف ليخفف العبء المالي عن أصحاب الشكارة الذين جددوا أساطيلهم بأموال الدولة، بينما بقي السائق مجرد مياوم يطارد الروسيطة لتغطية تكاليف استثمار لم يمتلكه قط.
وتتويجا لهذا المسار الطويل من الفشل الهيكلي، جاء قرار شتنبر 2026 بتقليص دعم المحروقات بنسبة 40% ليشعل فتيل الأزمة المكتومة. بالنسبة للسائق المهني، الذي يقتطع الروسيطة للمستثمر، ومصاريف غسل السيارة، والمحروقات من مدخوله اليومي المحدود، كان هذا التقليص بمثابة رصاصة رحمة على هامش ربحه الذي لا يكاد يسد رمق عائلته.
أما الاحتجاجات التي يعرفها القطاع اليوم فهي ليست متجانسة حسب ما يبدو ظاهريا، بل هي صراعات متوازية، فمن جهة هناك غضب السائقين الذين يطالبون بتسقيف أسعار المحروقات، وتفعيل التغطية الصحية الحقيقية، وإيجاد صيغة تمويلية بنكية بضمانة الدولة تتيح لهم شراء السيارات والاستقلال عن المستثمرين.
ومن جهة أخرى يطالب أصحاب المأذونيات الدولة بتنفيذ قراراتها الإدارية بالقوة لاسترجاع رخصهم المحتجزة لدى أصحاب الشكارة، كما يطالبون برفع السقف الكرائي لضمان دخل كريم يواكب غلاء المعيشة.
أما المستثمرون أصحاب الشكارة فينتظمون في جمعيات وتنسيقيات، ويضغطون على الإدارة المركزية لحماية حقوقهم المكتسبة، رافضين تسليم الرخص ومعتبرين أنفسهم مقاولين أنقذوا القطاع من الإفلاس حين تخلت عنه الدولة.
وخلاصة القول إن أزمة سيارات الأجرة بالمغرب هي انعكاس مباشر لعجز الإدارة عن معالجة ظاهرة اقتصادية بأدوات إدارية صرفة. إذ لا يمكن القضاء على أصحاب الشكارة بمجرد إصدار دوريات أو تغيير شكل العقود، لأن هؤلاء يملأون فراغا تمويليا عجزت الدولة والأبناك عن سده.
وطالما أن السائق المهني لا يملك حق الولوج إلى تمويل بنكي ميسر بضمانات حكومية تتيح له شراء سيارته الخاصة، وطالما أن أصحاب المأذونيات الأصليين مجردون من أي قدرة مالية لتشغيل رخصهم، سيظل صاحب الشكارة هو المايسترو الحقيقي الذي يدير القطاع من خلف الستار. والهيكلة الحقيقية تتطلب قرارا سياسيا واقتصاديا شجاعا، يقطع مع اقتصاد الريع تدريجيا، ويحول السائقين من نظام الروسيطة والاستعباد اليومي، إلى نظام مقاولاتي حقيقي يحفظ كرامتهم ويضمن حقوق الدولة والمواطن على حد سواء.
اترك تعليقاً