الغش في البكالوريا… هل نعالج النتيجة أم السبب؟
مع كل موسم امتحانات، يعود النقاش حول ظاهرة الغش بقوة، وتتصدر إجراءات المراقبة والعقوبات واجهة الاهتمام باعتبارها الوسيلة الأساسية لمواجهتها. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح أولا ليس كيف نمنع الغش، بل لماذا يلجأ إليه بعض التلاميذ أصلا؟ ولماذا يشعر بعضهم بالعجز أمام امتحان يُفترض أنه يقيس ما تعلموه خلال سنوات من الدراسة؟
قد يبدو الجواب سهلا إذا اختُزل الأمر في ضعف الانضباط أو غياب المسؤولية الفردية، لكن الواقع أكثر تعقيدا. فالغش غالبا ليس بداية المشكلة، بل أحد تجلياته الظاهرة. أما جذور الإشكال فتتوزع بين عاملين رئيسيين يلتقيان عند لحظة الامتحان.
العامل الأول يتعلق بالمنظومة التعليمية نفسها. فعند بلوغ التلميذ هذه المحطة من مساره الدراسي دون القدرة على توظيف مكتسباته بثقة واستقلالية، فإن الإشكال لا يرتبط بالامتحان في حد ذاته، بل بطريقة بناء التعلمات عبر سنوات التمدرس. فجوهر التعليم لا يتمثل في نقل المعلومات فقط، بل في ترسيخ الفهم وبناء القدرة على التحليل، بينما غالبا ما يقوم النظام التعليمي على مقاربة تهدف إلى إنهاء المقررات وتقديم المعرفة بشكل سريع ومكثف، على حساب هذا البعد التكويني، فيصبح الامتحان لحظة تكشف حدود التعلم أكثر مما تقيسه.
أما العامل الثاني فيرتبط بالمكانة التي باتت تحظى بها البكالوريا داخل الأسرة والمجتمع. فقد تحولت تدريجيا من محطة دراسية مهمة إلى حدث يُحمَّل أكثر مما يحتمل، حتى أصبحت تُنظر أحيانا كأنها حكم نهائي على المستقبل. ومع هذا التضخيم، تتراكم التوقعات والضغوط، ويشعر التلميذ أن سنواته القادمة كلها معلقة بنتيجة امتحان واحد.
من هنا، فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تختزل في تشديد المراقبة، لأن الردع يعالج ما يظهر في النهاية دون أن يمس الأسباب التي تنتجه. فكل مقاربة فعالة تبدأ من إعادة الاعتبار لجودة التعلم داخل المسار الدراسي، عبر بناء فهم حقيقي يمنح التلميذ القدرة على الإنجاز بثقة، إلى جانب إعادة وضع البكالوريا في حجمها الطبيعي داخل الوعي الاجتماعي، باعتبارها مرحلة من المسار وليست حكما نهائيا على قيمة التلميذ أو مستقبله. عندها فقط تتراجع الحاجة إلى الغش، ويستعيد الامتحان وظيفته الأساسية: قياس المكتسبات، لا اختبار القدرة على تحمل الضغط.
اترك تعليقاً