الريع بين التحليل الاقتصادي والخطاب العام
الريع مفهوم اقتصادي و ليس حكما أخلاقيا
من الصعب العثور على مفهوم اقتصادي أثير حوله من الالتباس ما أثير حول الريع (Economic Rent). ففي النقاش العام تحول هذا المفهوم من أداة تحليلية تستخدم لفهم كيفية توزيع المداخيل إلى تهمة جاهزة تفسر كل امتياز، وكل ثروة، وكل دخل مرتفع. ولم يعد السؤال: كيف نشأ الريع؟ بل: كيف يمكن إدانته؟
غير أن هذه المقاربة تخلط بين وظيفتين مختلفتين. فالعلم يسعى إلى تفسير الظواهر كما هي، بينما ينشغل الخطاب العام بإصدار الأحكام. وعندما يختلط التفسير بالإدانة يفقد المفهوم دقته، ويتحول النقاش من تحليل اقتصادي إلى بحث عن مذنب.
الريع في النظرية الاقتصادية
صاغ David Ricardo النظرية الكلاسيكية للريع الأرضي عندما لاحظ أن الأراضي الزراعية تختلف في خصوبتها، وأن هذا الاختلاف يمنح بعض ملاك الأراضي دخلا إضافيا لا يرجع إلى جهد أكبر. ومن هنا أصبح الريع يعني فائضا في الدخل ينتج عن امتلاك مورد نادر أو ميزة لا تتوافر للجميع.
ومع تطور الفكر الاقتصادي اتسع المفهوم ليشمل مصادر أخرى للفائض، مثل الموارد الطبيعية، وحقوق الملكية الفكرية، وبعض أشكال الاحتكار والامتيازات القانونية. غير أن هذا التطور لم يغير طبيعة المفهوم، بل وسع نطاق تطبيقه. فالريع ظل مفهوما تحليليا يصف كيفية نشوء الدخل، لا حكما أخلاقيا على صاحبه.
ليست كل أشكال الريع واحدة
لا يفترض الاقتصاد أن الريع ظاهرة مرغوبة أو مذمومة في ذاتها، بل يميز بين الريع الذي ينشأ عن خلق قيمة أو تحقيق أهداف عامة، والريع الذي ينتج عن القيود المصطنعة على المنافسة أو استغلال الامتيازات. ولذلك فإن تقييم الريع يبدأ من مصدره وآثاره الاقتصادية والاجتماعية، لا من مجرد وجوده.
كما أن الحديث عن الريع بصيغة المفرد يوحي بوجود ظاهرة واحدة، بينما الواقع أكثر تعقيدا. فما يجمع ريع الأرض، وبراءة الاختراع، واحتكار شركة مهيمنة، ليس سوى الاسم، أما الأسباب والوظائف والنتائج فتختلف اختلافا كبيرا.
أمثلة على تنوع الريع
توضح الأمثلة هذا الاختلاف بوضوح. فالشركة الدوائية التي تطور علاجا جديدا قد تحصل على براءة اختراع تمنحها حقا حصريا في إنتاجه وبيعه لسنوات محددة، وهو شكل من الريع صمم لتعويض تكاليف البحث والتطوير وتشجيع الابتكار.
وفي المقابل قد تستخدم شركة مهيمنة قوتها الاقتصادية لإقصاء المنافسين أو رفع الأسعار دون تقديم منتجات أفضل، كما حدث في عدد من قضايا الاحتكار التي واجهتها شركات تقنية كبرى.
أما في حالة الموارد الطبيعية، فقد تحقق دولة غنية بالنفط أو الغاز مداخيل ريعية كبيرة، لكن آثارها تختلف جذريا بحسب طريقة إدارتها. فقد استخدمت النرويج جزءا كبيرا من عائدات النفط لبناء صندوق سيادي يخدم الأجيال المقبلة ويحافظ على الاستقرار المالي، بينما واجهت دول أخرى تمتلك الموارد نفسها الفساد وضعف المؤسسات وسوء إدارة الإيرادات.
فالاختلاف الحقيقي لا يكمن في وجود الريع، وإنما في مصدره، وطريقة استخدامه، والنتائج التي يحققها.
الريع ودور الدولة في اقتصاد الرفاه
لا تقتصر بعض أشكال الريع على تشجيع الاستثمار أو الابتكار، بل قد تستخدم أيضا لتحقيق أهداف اجتماعية عندما يعجز السوق عن تحقيقها بكفاءة. فقد تمنح الدولة امتيازات أو حوافز مؤقتة لتشجيع التشغيل، أو تنمية المناطق الأقل نموا، أو توفير خدمات ذات منفعة عامة.
وقد رأى Arthur Pigou أن تدخل الدولة قد يكون ضروريا لتصحيح إخفاقات السوق، بينما أكد John Maynard Keynes أهمية السياسات العامة في دعم التشغيل والاستقرار الاقتصادي.
المشكلة ليست الريع بل البحث عنه
لهذا السبب تحول اهتمام الفكر الاقتصادي الحديث من الريع نفسه إلى ما يعرف بالبحث عن الريع (Rent-Seeking). فقد بينت Anne Krueger أن المشكلة لا تكمن دائما في وجود الريع، بل في إنفاق موارد ضخمة للحصول على احتكارات أو حماية من المنافسة بدلا من توجيهها نحو الاستثمار والإنتاج والابتكار. وأضاف Gordon Tullock أن المجتمع لا يخسر بسبب الامتياز وحده، بل أيضا بسبب الوقت والمال والجهد الذي يهدر في السعي إليه.
ومن ثم لم يعد السؤال: هل يوجد ريع؟ وإنما: كيف نشأ هذا الريع؟ وهل تحقق من خلال خلق قيمة جديدة أم من خلال إغلاق السوق أمام المنافسين؟
النيوليبرالية ودور الدولة:
ينطلق جزء من سوء فهم الريع من فكرة مفادها أن الدول ينبغي أن تدار بالطريقة نفسها التي تدار بها الشركات الخاصة. وقد انتشرت هذه الرؤية مع صعود النيوليبرالية ، في أواخر القرن الماضي، التي تمنح السوق دورا أكبر وتدعو إلى تقليص تدخل الدولة في الاقتصاد، بحيث يقاس نجاح الدولة بقدرتها على تحقيق الكفاءة المالية.
ولو صح هذا التصور لأصبحت المدارس العمومية، والمستشفيات الحكومية، والتأمين ضد البطالة، ودعم المناطق الفقيرة، كلها أنشطة غير عقلانية لأن عائدها المالي محدود.
لكن الدولة ليست شركة، وليس هدفها تعظيم الأرباح، بل تحقيق المصلحة العامة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وتوفير الخدمات الأساسية، ومعالجة إخفاقات السوق حتى عندما لا تحقق هذه السياسات عائدا ماليا مباشرا.
عندما يخلق التدخل العام قيمة
يمكن ملاحظة ذلك في مؤسسات عامة معروفة حول العالم. فخدمة الصحة الوطنية البريطانية (National Health Service – NHS) لم تنشأ لتحقيق أرباح، بل لضمان حصول المواطنين على الرعاية الصحية.
كما أن وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأمريكية (Defense Advanced Research Projects Agency – DARPA) مولت أبحاثا علمية وتقنية كان القطاع الخاص مترددا في تمويلها بسبب ارتفاع المخاطر، وأسهمت لاحقا في ظهور تقنيات ذات أثر اقتصادي واسع، مثل الإنترنت ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS).
وتبين هذه الأمثلة أن تدخل الدولة قد يحقق أهدافا لا يستطيع منطق الربح القصير الأجل تحقيقها بمفرده.
متى يكون الريع مبررا؟
هنا يبرز دور الدولة في التعامل مع بعض أشكال الريع. فرفض جميع أشكال التدخل الحكومي يفترض أن السوق قادر دائما على معالجة جميع أوجه القصور، وهو افتراض لا تؤيده التجربة الاقتصادية.
وقد عبر John Maynard Keynes عن هذه الفكرة بقوله:
«”The important thing for Government is not to do things which individuals are doing already, but to do those things which at present are not done at all.”»
وانطلاقا من ذلك قد تقبل الدول بعض أشكال الريع عندما يؤدي وظيفة اقتصادية أو اجتماعية واضحة؛ كحماية الصناعات الناشئة مؤقتا، أو تقديم امتيازات استثمارية لتنمية المناطق الأقل نموا، أو منح براءات الاختراع لتحفيز الابتكار، أو توظيف عائدات الموارد الطبيعية في تمويل التعليم والصحة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية.
ولا يعني ذلك أن كل ريع مبرر، بل إن الحكم عليه ينبغي أن ينطلق من الغاية التي يؤديها والنتائج التي يحققها. فالريع الذي يخلق استثمارا، ويوفر فرص عمل، ويعزز الابتكار أو يمول خدمات عامة، يختلف جذريا عن الريع القائم على الاحتكار أو استغلال النفوذ.
ويرى Dani Rodrik أن نجاح السياسات الاقتصادية لا يقاس بمدى اقترابها من نموذج نظري مثالي، بل بقدرتها على معالجة المشكلات التي يواجهها كل مجتمع في ظل ظروفه الخاصة، ولذلك لا توجد وصفة واحدة تصلح لجميع الدول.
إن اختزال الريع في كونه فسادا أو ظلما يخلط بين التحليل والإدانة، ويجعل النقاش أسير الشعارات.
والسؤال الحقيقي ليس: كيف نقضي على الريع؟ وإنما: أي نوع من الريع نتحدث عنه؟ وكيف نشأ؟ وما الوظيفة التي يؤديها؟ وهل يشجع الاستثمار والابتكار والاستقرار الاجتماعي، أم يغلق الأسواق ويعطل المنافسة؟
عند طرح السؤال بهذه الطريقة يغادر النقاش دائرة الأحكام الأخلاقية، ويعود إلى المجال الذي ينتمي إليه أصلا: مجال التحليل الاقتصادي.
اترك تعليقاً