صندوق 23 شتنبر.. المواطنة ليست يوم الاقتراع (1)

هل تختزل علاقتنا بالانتخابات في اليوم الذي نتوجه فيه إلى صندوق الاقتراع، أم أن الانتخابات فرصة لإعادة التفكير في علاقتنا بالسياسة، والمؤسسات، والمستقبل؟
الانتخابات لا تختصر في يوم نضع فيه ورقة داخل صندوق، ولا تبدأ يوم التصويت وتنتهي بإعلان النتائج. إنها لحظة لإعادة طرح سؤال أكبر: أي مغرب نريد؟ وما نوع السياسات العمومية التي نحتاج إليها؟
منذ شهور، والمواطن يترقب ما تحمله الساحة السياسية من مفاجآت، في ما يشبه أحيانا “الميركاتو السياسي”: انتقالات، ترشيحات، تشكيلات للوائح الانتخابية، وأسماء تظهر ثم أخرى تختفي. وربما تفاجأ البعض بانتقال هذا السياسي أو ذاك، بينما كان آخرون يتوقعون بعض التحولات منذ وقت طويل.
واليوم، يجد المواطن نفسه على موعد مع شعارات وبرامج انتخابية متعددة، ومع سباق يسعى فيه كل طرف إلى إقناعه باختياره.
لكن وسط كل هذا، هناك سؤال يبدو أبسط من كل الأسئلة: ماذا يعني أن ننتخب؟
إن اختزالنا للانتخابات في: حملة – تصويت – نتائج، يحجب عنا حقيقتها الأوسع: معرفة واختيار، مشاركة ومتابعة، ثم مساءلة.
فالمشاركة السياسية لا تبدأ عند صندوق الاقتراع، كما أنها لا تنتهي عند إعلان النتائج. فقبل أن يختار المواطن، عليه أن يعرف: أن يقرأ البرامج، ويفهم الوعود، ويميز بين ما يدخل ضمن اختصاص المنتخب وما يتجاوزه، وأن يسأل عن الكفاءة والقدرة على ترجمة الخطاب إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.
لكن الاختيار نفسه يطرح سؤالا آخر: على أي أساس نختار ممثلينا بقبة البرلمان؟
هل يكون الاختيار بناء على الحزب والشعار؟ أم على الشخص والعائلة؟ أو على الوعود التي تقال في فترة الحملة؟ أم أننا بدأنا، تدريجيا، نبحث عن شيء آخر: البرنامج والكفاءة والقدرة على تمثيل المواطنين داخل المؤسسات؟
ولعل الإشكال لا يكمن فقط في طريقة اختيارنا، بل في علاقتنا بالسياسة ككل. فالعزوف عن المشاركة السياسية لا يفسر دائما بعدم الاهتمام، بقدر ما قد يكون، في بعض الحالات، تعبيرا عن فقدان الثقة أو عن شعور بأن صوت المواطن لا يتجاوز حدود يوم الاقتراع.
لكن المواطن المغربي اليوم ليس بالضرورة هو المواطن نفسه الذي كان يتابع الانتخابات بالطريقة ذاتها قبل سنوات. فالمعلومة أصبحت أقرب، والنقاش السياسي لم يعد محصورا في الفضاءات التقليدية، والمواطن، وخاصة الشباب، أصبح قادرا على المقارنة وطرح الأسئلة، ومتابعة التفاصيل، بل ومناقشة البرامج والمواقف قبل أن يصل إلى صندوق الاقتراع.
وهنا تصبح المشاركة السياسية أوسع من مجرد التصويت؛ فهي تبدأ من الاهتمام والمعرفة، مرورا بالاختيار والمشاركة، وصولا إلى المتابعة والمساءلة.
وهذا ما جاء في الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة عشرة لعيد العرش المجيد سنة 2016:
«فالمواطن هو الأهم في العملية الانتخابية وليس الأحزاب والمرشحين. وهو مصدر السلطة التي يفوضها لهم. وله أيضا سلطة محاسبتهم أو تغييرهم، بناء على ما قدموه خلال مدة انتدابهم.»
فالتصويت، بهذا المعنى، لا يمثل نهاية علاقة المواطن بالمنتخب، بل بداية علاقة تقوم على التفويض والمسؤولية والمحاسبة.
المواطن اليوم لم يعد مجرد متلق للحملة الانتخابية. بل أصبح أمامه كم أكبر من المعلومات، ومساحات أوسع لمتابعة النقاش السياسي، وفرصة أكبر للمقارنة بين البرامج والمواقف.
لكن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة وعيا سياسيا كاملا، كما أن الوصول إلى المعلومة لا يعني دائما القدرة على قراءتها أو التحقق منها. وهنا تبرز مسؤولية المواطن في أن ينتقل من متابعة الخطاب الانتخابي إلى فهمه، ومن استقبال الوعود إلى طرح الأسئلة حول إمكانية تحقيقها.
فالوعي السياسي لا يقاس فقط بمعرفة أسماء المرشحين أو الأحزاب، وإنما بالقدرة على فهم ما يطرح، ومناقشته، ومقارنته، ثم بناء موقف على أساس من المعرفة لا على أساس الانطباع وحده.
ومن هنا، فإن المشاركة السياسية لا ينبغي أن تكون موسمية، مرتبطة بالحملة الانتخابية فقط. فهي تبدأ قبل التصويت بالاهتمام والمعرفة، وتتواصل أثناءه بالاختيار، ثم تمتد بعده إلى المتابعة والمساءلة.
إن يوم 23 شتنبر ليس نهاية العلاقة بين المواطن ومن يمثله، بل بداية اختبار حقيقي لها.
بعد إعلان النتائج تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية عن مرحلة الحملة والاقتراع، إنها مرحلة المتابعة.
فالمواطنة لا تعني أن نختار ممثلينا ثم نتركهم وحدهم أمام مسؤولياتهم، كما لا تعني أن ننتظر الاستحقاق الانتخابي المقبل حتى نعود إلى الاهتمام بالشأن العام. أن نتابع ما تحقق، وأن نسأل عن الوعود، وأن نفهم القرارات والسياسات العمومية، وأن نمارس حقنا في النقد والمساءلة، كلها أشكال من المشاركة السياسية.
ولذلك، فإن يوم 23 شتنبر ليس نهاية القصة، بل بداية مرحلة جديدة؛ مرحلة يصبح فيها الاختيار مسؤولية، ويصبح التمثيل التزاما، وتصبح المتابعة جزءا من المواطنة.
ربما لا يكون السؤال الأهم هو فقط: لمن سنصوت؟
بل أيضا: ماذا سنفعل بعد أن نصوت؟
لأن الانتخابات قد تنتهي بإعلان النتائج، لكن المواطنة لا تنتهي عند صندوق الاقتراع.
اترك تعليقاً