مجتمع

من إقامة للملوك والنجوم إلى الإهمال.. فندق “مرحبا” الذي اختفت أضواؤه من شاطئ الجديدة (فيديو)

على شاطئ الجديدة، حيث تتقاطع ذاكرة البحر مع حكايات المدينة، يقف فندق “مرحبا” اليوم شاهدا صامتا على زمن آخر. بناية كانت ذات يوم عنوانا للأناقة والضيافة، تستقبل كبار الشخصيات والنجوم، وتفتح نوافذها على البحر، قبل أن تنطفئ أضواؤها تدريجيا ويغلق الفندق أبوابه، لتترك السنوات آثارها على جدرانه وأثاثه وتفاصيله.

منذ إغلاقه، تحول “مرحبا” من معلمة صنعت جانبا من التاريخ السياحي للجديدة إلى بناية مهجورة تستوطنها آثار الزمن. وبينما تغيرت المدينة وتبدلت ملامحها، ظل الفندق عالقا في مكانه، يحمل في صمته ذاكرة حقبة كاملة؛ من سنوات الازدهار السياحي إلى لحظة الأفول التي انتهت بإغلاقه نهائيا سنة 1996.

ولأن تاريخ الجديدة لا يكتمل دون استحضار “مرحبا”، تعود اليوم قصة هذا الفندق إلى الواجهة، ليس باعتباره مجرد بناية فقدت بريقها، وإنما كجزء من ذاكرة مدينة تبحث عن سبل لاستعادة بعض من معالمها التي صنعت صورتها السياحية لعقود.

وبعدما كان الفندق، منذ افتتاحه في خمسينيات القرن الماضي، أحد أبرز الواجهات السياحية بالجديدة، أصبحت بنايته اليوم في وضع متدهور، بعدما طال الإهمال تجهيزاتها وأثاثها ونوافذها ومختلف مكوناتها، وفق ما يؤكده عبد الله غيثومي، الباحث والمهتم بتاريخ المدينة، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”.

فندق شيد على أنقاض مرجة

وقال غيثومي إن فندق “مرحبا” تحول إلى بناية مهجورة منذ عام 1996، واصفا وضعه الحالي بأنه “وصمة عار على جبين المشهد السياحي بمدينة الجديدة”، بالنظر إلى المكانة التي احتلها الفندق في تاريخ المدينة.

وأوضح المتحدث أن الفندق شكل أول وحدة فندقية عصرية عرفتها الجديدة، وساهم في إدخال المدينة إلى مصاف المدن التي كانت تتوفر على بنية فندقية حديثة، مشيرا إلى أن تاريخ الفندق يرتبط بشكل وثيق بتاريخ المدينة وتطور نشاطها السياحي.

وبحسب غيثومي، تعود قصة الفندق إلى فترة تولي المرحوم موسى سعيد رئاسة المجلس البلدي للجديدة، حين جرى تبادل عقاري مع شركة “باكي” الفرنسية، كانت تتوفر على مقر بالقرب من الموقع الذي سيحتضن الفندق لاحقا.

وأشار إلى أن الموقع كان عبارة عن “مرجة” قبل أن يتم تخصيصه لبناء الفندق، الذي انتهت أشغاله سنة 1952، وفق تصميم وضعه مهندس إسباني، واختير له شكل معماري يحاكي هيئة سفينة، ما منحه طابعا مميزا في المشهد العمراني للمدينة.

ويقول غيثومي إن بناء فندق “مرحبا” ارتبط أيضا بهدم كازينو الجديدة، الذي كان قد شيد سنة 1935، بعدما اشترطت الشركة المستثمرة إزالة هذا الأخير، تفاديا لدخوله في منافسة مع الفندق الجديد.

وبالفعل، جرى هدم الكازينو سنة 1953، بعد سنة واحدة من افتتاح الفندق، لتتحول “مرحبا” إلى إحدى أبرز واجهات الاستقبال والإقامة بالمدينة.

من 30 غرفة إلى وجهة للشخصيات

بدأ الفندق نشاطه بحوالي 30 غرفة، إلى جانب مسبح وملهى ليلي ومدخل رئيسي مميز، فضلا عن غرف وإطلالات على البحر، قبل أن تطاله، مع مرور السنوات، تغييرات مست مكوناته الأصلية.

ويؤكد غيثومي أن الفندق لم يكن مجرد وحدة للإيواء السياحي، بل أصبح فضاء استقبل شخصيات سياسية وفنية ورياضية وشخصيات عامة، واحتضن عددا من اللقاءات والمؤتمرات والمناسبات الرسمية التي شهدتها مدينة الجديدة.

كما ارتبط اسم “مرحبا” بزيارات ملكية، إذ زاره الملك محمد الخامس في مناسبات عدة، فيما حل به الملك الحسن الثاني سنة 1963 خلال رحلة كانت تقوده نحو آسفي، قبل أن يقطع زيارته إثر اندلاع حرب الرمال بين المغرب والجزائر، ويعود إلى الرباط، حيث بات في فندق “مرحبا”.

ويشير غيثومي إلى أن تلك الزيارة الملكية شكلت محطة بارزة في تاريخ الفندق، خصوصا بعدما أعجب الملك بمهارة عدد من العاملين في مطبخه، من بينهم الشيف الحسن الجوهري وسعيد الشنيوي، قبل أن يلتحقوا بطاقم الطبخ في القصر الملكي.

على مدى عقود، ارتبط الفندق أيضا باستقبال أسماء وشخصيات معروفة، من بينها أحمد عصمان وإدريس البصري، إلى جانب الفنان الفرنسي الشهير شارل أزنافور، الذي أحيا سهرة بالفندق سنة 1965.

ويرى غيثومي أن هذه المعطيات تؤكد المكانة التي احتلها الفندق في الحياة السياحية والاجتماعية والثقافية للمدينة، مشيرا إلى أن مختلف المؤتمرات واللقاءات الرسمية التي كانت تحتضنها الجديدة كانت تجد في «مرحبا» فضاء رئيسيا للإقامة والاستقبال.

وبحسب المتحدث، فإن الفندق كان جزءا من سلسلة فنادق «مرحبا» التي كانت لها وحدات أخرى في مدن مغربية، وهو ما جعله في مرحلة معينة واحدا من المكونات الأساسية للعرض السياحي بالجديدة.

إغلاق ثم محاولة للإنقاذ

بدأت المشاكل التي عصفت بالفندق، وفق شهادة غيثومي، منذ سنة 1982، قبل أن يغلق أبوابه بشكل نهائي سنة 1986، في خطوة شكلت صدمة للسكان ولعدد من السياح الذين اعتادوا على ارتياده.

ويقول غيثومي إن الفندق كان يمثل “رافعة وقاطرة للسياحة في الجديدة وفي المغرب”، قبل أن تدخل بنايته في مرحلة طويلة من التراجع.

وفي سنة 1992، انتقلت ملكية الفندق إلى المستثمر المغربي زهراوي، الذي حاول، بحسب غيثومي، إعادة الحياة إلى المؤسسة واسترجاع جزء من رونقها السابق، غير أن تلك المحاولة لم تنجح في إعادة الفندق إلى نشاطه.

وبحلول سنة 1996، دخل “مرحبا” مرحلة الإغلاق النهائي، لتبدأ منذ ذلك التاريخ مرحلة أخرى عنوانها التدهور والإهمال.

دعوات لاستعادة المعلمة

اليوم، وبعد مرور نحو ثلاثة عقود على الإغلاق، يثير الوضع الذي آلت إليه بناية الفندق نقاشا حول مستقبل إحدى أبرز المعالم المرتبطة بالذاكرة السياحية لمدينة الجديدة.

ويقول عبد الله غيثومي، في تصريحه لـ”العمق المغربي”، إن “ما يمكنش نتحدثو على الجديدة وتاريخها السياحي إلا إذا استرجعنا أوطيل مرحبا”، داعيا إلى التعامل مع الفندق باعتباره جزءا من ذاكرة المدينة، وليس مجرد بناية متقادمة.

ويشدد المتحدث على أن إعادة الاعتبار للفندق لا ينبغي أن تقتصر على إعادة فتحه، وإنما يجب أن تتم “بنفس جديد” يحافظ على قيمته التاريخية والمعمارية.

وبينما تتطلع الجديدة إلى تعزيز مكانتها كوجهة سياحية، يظل مصير فندق “مرحبا” مطروحا أمام مختلف المتدخلين، في ظل الحاجة إلى تصور يعيد توظيف هذه المعلمة ويحفظ ما تبقى من عناصرها التاريخية، بما يسمح بتحويلها من بناية مهجورة إلى جزء حي من الذاكرة السياحية للمدينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *