هل نشهد تحالفا تاريخيا بين البام وأحزاب الكتلة الديمقراطية؟
بدأت معركة التحالفات ومحاولات هندسة الأغلبية المقبلة، خاصة وأن الرأي العام الوطني ينتظر ما ستسفر عنه اجتماعات الجولة الثانية مع الأحزاب المعنية بالتحالف الحكومي المنتظر. فباستثناء العدالة والتنمية واليسار الجذري، فجميع الأحزاب السياسية عبرت صراحة أو تلميحا عن رغبتها في المشاركة في التدبير الحكومي.
وبدأ تداول واسع لمختلف السيناريوهات المحتملة للأغلبية برئاسة الپام، بين من يعتقد أن الأغلبية السابقة من التي حافظت على ريادتها خلال استحقاقات 23 شتنبر مع تغيير في رئاسة الحكومة، ومن يؤكد على ترجيح سيناريو تشكيل أغلبية جديدة تقطع مع الحكومة السابقة من الناحية الشكلية.
وهذا المسار الثاني يطرح فرضية تشكيل تحالف تاريخي بين الأصالة والمعاصرة وأحزاب الكتلة الديمقراطية (الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية)، وهو ما حًرم منه حزب العدالة والتنمية عند رئاسته للحكومة عقب انتخابات 25 نونبر 2011، حيث تحالف مع الاستقلال والتقدم والاشتراكية ،ورفض الاتحاد الاشتراكي برئاسة ادريس لشكر المشاركة في حكومة بنكيران رغم المحاولات المتكررة لإقناعه بذلك، وتأجل بالتالي حلم “الكتلة التاريخية”.
وعلى الرغم من أن أحزاب الكتلة الديمقراطية نفسها لم تعد تعترف باستمرار هذه الكتلة، التي لم يعد لها وجود فعلي على الساحة الحزبية، إلا أن أي تحالف معها يكون له وقع سياسي كبير في التاريخ الحزبي المغربي، وذلك على الرغم من التناقض الإيديولوجي بين مكونات اليسار (USF وPPS) واليمين المحافظ (الاستقلال).
فالمشهد السياسي المغربي اعتاد الصراعات السياسية والانتخابية التي تسفر في نهاية المطاف عن تحالفات وتكتلات متناقضة بعد الانتخابات، بحيث تصطدم بعض الأحزاب المختلفة إيديولوجيا في الحملات الانتخابية لتجد نفسها لاحقا في أغلبية حكومية واحدة وبرنامج حكومي واحد.
لذا قد نشهد لأول مرة في التاريخ المغربي الحديث تحالفا بين الأصالة والمعاصرة وأحزاب الكتلة الديمقراطية التي عارضت بشدة قدوم حزب الپام سنتي 2008 و2009، وهو السيناريو الذي يمكن الأغلبية الحكومية المقبلة من 207 من أصل 395 مقعدا بمجلس النواب، وهي أغلبية ضئيلة وفيها مخاطرة كبيرة في المستقبل القريب في ظل شراسة المعارضة وإمكانية إسقاط المحكمة الدستورية لعدد كبير من المقاعد البرلمانية لهاته الأحزاب.
وبالتالي سيكون هذا التحالف مضطرا إما للقبول باستمرار حزب التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة (وهو ما يعارضه جزء كبير من قيادات الپام نفسه)، وبالتالي ضمان أغلبية برلمانية مريحة تصل إلى 273، مع ضمان مساندة تحالف الاتحاد الدستوري (25 مقعدا إضافيا) حتى دون المشاركة في الحكومة، لتصل الأغلبية البرلمانية حينها إلى 298 مقعدا من أصل 395 بمجلس النواب.
وهذا السيناريو سيترك العدالة والتنمية وفيدرالية اليسار وحيدين في المعارضة، مع ما يترتب عن ذلك سياسيا في المستقبل القريب، إذ ستطغى معارضة البيجيدي على الاداء الحكومي، رغم أن هذا الوضع سيعطي أغلبية جد مريحة للحكومة المقبلة ،وسيحرم المعارضة من النصاب القانوني اللازم لتشكيل لجان تقصي الحقائق أو الطعن الدستوري ،وهي آليات مهمة في العمل البرلماني على مستوى المعارضة.
وبمقابل ذلك، فإن من يدعو لخروج الأحرار من الحكومة المقبلة قد يربح سياسيا على المدى القريب، إلا أنه سيجد نفسه أمام إشكالين أساسيين على المدى المتوسط، مما سيؤثر سلبا على الأداء الحكومي: فضمان أغلبية مريحة تعني بالضرورة إضافة حزبين صغيرين آخرين للحكومة المقبلة (الحركة الشعبية وتحالف الاتحاد الدستوري) لضمان أزيد من 260 مقعدا للأغلبية بمجلس النواب، وهو ما يعني بلقنة الحكومة المقبلة وزيادة عدد الوزراء بشكل كبير؛ كما أن بقاء أزيد من 133 برلمانيا في المعارضة سيزيد من قوتها وسيمكنها من آليات مهمة للضغط على الحكومة.
وبالتالي فإن حسابات الربح والخسارة السياسية في تشكيل الأغلبية البرلمانية المقبلة ترتبط من جهة بالشكل السياسي للحكومة وإمكانات تشكيل “كتلة تاريخية” جديدة بقيادة والمعاصرة، وتصطدن من جهة ثانية بإكراهات الحساب العدد الذي تبقى أهمية قائمة لضمان استقرار الحكومة المقبلة وسيرها الطبيعي.
اترك تعليقاً