وجهة نظر

نزاع الصحراء المغربية: بين مسارات التفاوض ورهانات أفق التسوية النهائية

توطئة:

دخل النقاش بشأن قضية الصحراء مرحلة جديدة بعد إصدار القرار رقم 2797 واجراء مفاوضات بين الأطراف المعنية بالنزاع تحت إشراف الأمم المتحدة وبرعاية أمريكية وصدور مسودة تقرير الأمين العام الأخير بشأن الصحراء، فلم يعد السؤال منصبا حول هل يشكل الحكم الذاتي أساسا للتسوية، فهذا الأمر تم الحسم فيه قانونيا بمقتضى هذا القرار، بل انتقل النقاش إلى سؤال أكثر تركيبا وتعقيدا: أي حكم ذاتي يمكن أن يكون قابلا للعمل والاستمرار؟ فالصحراء المغربية لم تعد في ضوء التحولات الأخيرة التي شهدتها القضية تدار ضمن منطق المحافظة على وضع تفاوضي جامد، بل أضحت تتحرك داخل مسار جديد يتجه تدريجيا نحو ترسيخ تسوية سياسية واقعية قوامها مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

وإذا كان تتبع مسار قضية الصحراء منذ طرح مبادرة الحكم الذاتي يسمح بفهم التحولات التي عرفتها المقاربة المغربية في تدبير هذا النزاع، فإن الوقوف عند المرحلة التي أعقبت صدور القرار الأممي رقم 2797 والخطاب الملكي المؤطر لها يكتسي أهمية خاصة، باعتبارها مرحلة نوعية في تطور المرجعيات القانونية والسياسية الناظمة للملف. فالأمر لا يتعلق بمجرد قرار جديد لمجلس الأمن وإنما بلحظة مفصلية أفرزت إعادة تموقع واضحة داخل المسار الأممي، من خلال ترجيح منطق الحل السياسي الواقعي وتعزيز موقع مبادرة الحكم الذاتي ضمن الأفق التفاوضي للنزاع.

أولا: في الجذور التاريخية للحكم الذاتي

تعود الجذور التاريخية لنزاع الصحراء المغربية إلى سياق تشكل المجال الترابي للدولة المغربية في امتداح التاريخي والسياسي، حيث ظلت الصحراء، عبر قرون متعاقبة، مرتبطة بالسلطة المركزية من خلال روابط البيعة والولاء، وشبكات الانتماء القبلي، ووظائف الزوايا والقيادات المحلية التي كانت تؤدي أدوار سياسية ودينية باسم المخزن المغربي؛ فنزاع الصحراء يرتبط بسياق تاريخي وقانوني يتجاوز بكثير لحظة ظهوره داخل أجندة الأمم المتحدة، ذلك أن المجال الصحراوي ظل، عبر مدار مراحل ممتدة من تاريخ الدولة المغربية مندرجا ضمن شبكة معقدة من الروابط السياسية والدينية والاقتصادية التي ربطت المركز بأقاليم الجنوب. ولم تكن هذه الروابط مجرد صلات رمزية أو مناسباتية، بل تجلت في آليات تقليدية لممارسة السلطة، من قبيل البيعة، وتعيين القواد والعمال، والاحتكام إلى القضاء الشرعي، وضمان أمن المسالك التجارية، وتأمين امتداد الزوايا والروابط الروحية التي شكلت، في مجموعها، بنية من الاندماج السياسي والاجتماعي داخل المجال المغربي.

وقد جاء الوجود الإسباني في الصحراء في سياق التنافس الاستعماري الذي طبع أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ضمن منطق إعادة رسم الخرائط السياسية للمجالات الإفريقية والمغاربية وفق توازنات القوى الأوروبية، لا وفق الامتدادات التاريخية والاجتماعية للدول القائمة. فالاستعمار الإسباني لم ينشئ واقعا تاريخيا جديدا بقدر ما فرض، بحكم القوة الاستعمارية، وضعا قانونيا وسياسيا طارئا على مجال ظل مرتبطا بالمغرب بروابط سابقة على الاحتلال. ولم يكن الوجود الإسباني في الصحراء سوى امتداد لمنطق التوسع الاستعماري الذي عرفته نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين دون أن ينجح في قطع الصلات القانونية والتاريخية التي ربطت الإقليم بالدولة المغربية، وهو ما أكدته لاحقا محكمة العدل الدولية حين أقرت بوجود روابط قانونية وتاريخية بين المغرب وسكان الصحراء رغم أنها لم تساير منطقة السيادة بالمعنى الترابي الحديث. ومن هنا تتضح أهمية التمييز، في دراسة هذا النزاع، بين لحظة الاحتلال بوصفها واقعة استعمارية، وبين طبيعة الروابط التي كانت قائمة قبلها، والتي ظلت تشكل أساسا من أسس المرافعة المغربية في المحافل الدولية.

لكن ما بعد إصدار القرار رقم 2797 واجراء مفاوضات بين الأطراف المعنية بالنزاع تحت إشراف الأمم المتحدة وبرعاية أمريكية وصدور مسودة تقرير الأمين العام الأخير بشأن الصحراء، بدأت مرحلة جديدة في مسلسل هذا النزاع الإقليمي، الذي هو من تركة الحقبة الاستعمارية ومخلفات الحرب الباردة وإعادة رسم مناطق النفوذ بين المعسكرين الغربي والشرقي، لم تعد مبادرة الحكم الذاتي مجرد مقارح تفاوضي لتجاوز انسداد سياسي طال أمده، بل أصبحت مشروعا دستوريا وترابيا واستراتيجيا تتحدد نجاعته بمدى قدرته على التوفيق بين مقتضيات السيادة والوحدة الترابية ومتطلبات المشاركة والحكامة الجهوية. فخيار تنزيل الحكم الذاتي قد يثير أثناء تنزيله إشكالات دستورية وقانونية وسياسية تتصل بطبيعة السلطة داخل الدولة الموحدة، وبالحدود الفاصلة بين الاختصاصات السيادية والاختصاصات الجهوية، وبالشروط التي تجعل من مبادرة الحكم الذاتي أداة لعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي والمجتمعي لا مدخلا لإعادة إنتاج توترات جديدة داخل المجال الترابي الوطني.

ثانيا: قضية الصحراء في ظل المستجدات المحلية والدولية

لعل تتبع مسار قضية الصحراء منذ طرح مبادرة الحكم الذاتي يسمح بفهم التحولات التي عرفتها المقاربة المغربية في تدبير هذا النزاع، فإن الوقوف عند المرحلة التي أعقبت صدور القرار الأممي رقم 2797 والخطاب الملكي المؤطر لها يكتسي أهمية خاصة، باعتبارها مرحلة نوعية في تطور المرجعيات القانونية والسياسية الناظمة للملف. فالأمر لا يتعلق بمجرد قرار جديد لمجلس الأمن وإنما بلحظة مفصلية أفرزت إعادة تموقع واضحة داخل المسار الأممي، من خلال ترجيح منطق الحل السياسي الواقعي وتعزيز موقع مبادرة الحكم الذاتي ضمن الأفق التفاوضي للنزاع.

ولذلك فإن القيمة الحقيقية للقرار لا تكمن في رمزيته فحسب، وإنما في كونه يعكس انتقالا تدريجيا من منطق إدارة النزاع إلى منطق تهيئة شروط التسوية؛ فالقرار 2797 يندرج ضمن مسار تراكمي بدأ يتبلور بشكل أوضح منذ تقديم المغرب لمبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، وهي المبادرة التي مكنت من نقل النقاش من دائرة الجمود إلى أفق البحث عن تسوية سياسية ذات مضمون عملي. وقد جاءت الصياغة الجديدة للقرار لتؤكد أن المقاربة المغربية لم تعد تُعرض فقط باعتبارها مقترحا من بين مقترحات أخرى، بل باعتبارها إطارا يتمتع بقدر متزايد من الجدية والمصداقية والانسجام مع متطلبات الاستقرار الإقليمي.

وإذا كان المغرب، قد راكم من خلال تدبيره لنزاع الصحراء استراتيجية مركبة جمعت بين التشبث بالسند التاريخي والقانوني وتوظيف الآيات التفاوضية الأممية وتكثيف الحضور الدبلوماسي وانتهاج سياسية الصبر الاستراتيجي، وربط ذلك بمسار تنموي ومؤسساتي متواصل بالأقاليم الجنوبية، مما أفضى إلى إضعاف طروحات الأطراف الأخرى المناوئة للوحدة الترابية للمملكة، وإلى إعادة توجيه النقاش الدولي نحو حلول وبدائل أكثر قابلية للتطبيق وهو ما ينطبق على المبادرة المغربية للحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية. غير أن الأهمية القانونية والسياسية لهذا التحول لا ينبغي أن تُفهم على نحو يفيد الحسم النهائي والفوري للنزاع، لأن القرارات الأممية، مهما بلغت قوتها التوجيهية، تظل رهينة بمدى قابلية الأطراف المعنية للانخراط في مسار تفاوضي منتج. ومن ثم فإن القرار 2797 يفتح أفقا جديدا لكنه لا يغني عن الحاجة إلى بناء شروط سياسية ومؤسساتية ودبلوماسية تتيح تحويل هذا التحول المرجعي إلى مسار فعلي للتسوية.

فالنقاش، بعد صدور تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء، انتقل إلى مضمون وجوهر مبادرة الحكم الذاتي المقدمة من قبل المغرب، والتي يجري على أساسها مسلسل التفاوض، من حيث شكلها وهندستها ومدى تمتعها بصلاحيات واختصاصات فعلية ومؤسسات قادرة على ممارسة صلاحيتها بكفاءة، في إطار توزيع واضح للسلطة والمسؤولية من دون أن يؤدي ذلك إلى ازواج في السيادة أو المساس بوحدة الدولة والنظام الدستوري والخيارات الاستراتيجية للمملكة؛ فقد أضحى الرهان يتمثل حول الشروط والضمانات التي يطرحها أطراف النزاع الكفيلة بتنزيل المبادرة على أرض الواقع، وحول كيفية تحول مبدأ الحكم الذاتي إلى نظام مؤسساتي متماسك يجمع بين اتساع التدبير الذاتي ووحدة السيادة واستمرارية الدولة.

والرهان لم يعد يتمثل في تقليص السيادة لكي يتسع الحكم الذاتي، ولا في تقليص الحكم الذاتي لكي تصان السيادة؛ بل في بناء علاقة قانونية دقيقة تجعل الاختصاصات الجهوية واسعة ومحمية في نطاقها، وتجعل الاختصاصات السيادية واضحة ومحصورة في نطاقها. وعلى هذه القاعدة يصبح تعميق الحكم الذاتي ممارسة ترابية واسعة للسلطة داخل سيادة واحدة، لا تقاس متانتها بما تعد به لحظة التفاوض فحسب، بل بقدرتها على العمل والاستمرار عندما تتباين المصالح وتتغير الحكومات وتتعرض المؤسسات للاختبار. ومن ثم يصبح التساؤل مطروحا حول المسارات التي سيتخذها النزاع وحول رهانات الأطراف المتنازعة وأفق التسوية النهائية لقضية الصحراء المغربية.

ثالثا: المسارات والرهانات

إذا كانت المرحلة السابقة قد كرست انتقال المبادرة إلى مركز المرجعية التفاوضية، فإن المرحلة اللاحقة ستقاس بمدى القدرة على بناء شروط نجاحها العملي وجعلها إطارا لتعزيز الديمقراطية الترابية وتحصين الوحدة وتوسيع أفق الاندماج الوطني والإقليمي. فهناك عديد التساؤلات التي تطرح بشأن تحويل المبادرة إلى مشروع حكم ذاتي قابل للحياة وتنزيلها على أرض الواقع وفرص نجاحها والصعوبات التي قد تعترضها في ظل تبابين طروحات الأطراف المتنازعة، وحول مدى توفر الشروط الداخلية والإقليمية لتنزيل المبادرة على أرض الواقع.

فالرهان المرتبط بالحكم الذاتي لا يقتصر على بعده القانوني والمؤسساتي بل يتجاوزه إلى أفق استراتيجي أوسع، يجعل منه أداة لإعادة بناء العلاقة بين الوحدة الترابية والتنمية والاندماج الجهوي والإقليمي. فمبادرة الحكم الذاتي، إذا ما تم تنزيلها ضمن تصور متكامل يمكن أن تتحول من مجرد إطار لتسوية نزاع إقليمي إلى رافعة استراتيجية لتثبيت نموذج مغربي في تدبير التعدد داخل الدولة الموحدة، ولمراكمة موقع جديد للأقاليم الجنوبية داخل السياسات الوطنية والإفريقية والأطلسية أخذا بعين الاعتبار معطيات البيئية الدولية والإقليمية المؤثرة في النزاع.

لكن هذا الخيار قد يثير، في عمقه، إشكالات قانونية ودستورية وسياسية دقيقة تتصل بطبيعة السلطة داخل الدولة الموحدة، وبالحدود الفاصلة بين الاختصاصات السيادية والاختصاصات الجهوية، وبالشروط التي تجعل من الحكم الذاتي أداة لتعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار، لا مدخلا لإعادة إنتاج توترات جديدة داخل المجال الترابي. كما أن هذا الخيار يكتسي بعدا استراتيجيا أوسع، بالنظر إلى ما يمكن أن يتيحه من إمكانات لترسيخ وتعميق الجهوية المتقدمة، وإعادة تموقع الأقاليم الجنوبية داخل محيطها الوطني والإفريقي والأطلسي. فمبادرة الحكم الذاتي لا تمثل فقط صيغة لتسوية نزاع ممتد بل تحمل إمكانية التحول إلى مشروع دولة في بعدها الترابي، يجمع بين الشرعية الدولية والمرجعية الدستورية، وبين الوحدة الوطنية والتنوع المجالي، وبين الاستقرار السياسي والتنمية المستدامة.

فالأفق الاستراتيجي للحكم الذاتي لا ينبغي أن يقرأ بمنطق الحتمية أو التفاؤل المجرد، وإنما باعتباره مسارا تراكميًّا، يتطلب يقظة مؤسساتية وتدرجا تشريعيا ورؤية سياسية بعيدة المدى،ومصاحبة دبلوماسية وتنموية متواصلة. فالمبادرة، مهما كانت قوة سندها الدولي والسياسي، لن تكتمل نجاعتها إلا بقدرة الدولة على تحويلها إلى ممارسة مؤسساتية مستقرة، وبقدرة الفاعلين الجهويين على استيعاب منطقها، وبقدرة المجتمع على إدراكها في بعدها التنموي والاندماجي لا في بعدها الإجرائي الضيق.

فالرهان الحقيقي لمبادرة الحكم الذاتي لا يكمن في إعلانها أو في كسب الدعم السياسي لها فحسب، بل في مدى قابليتها للتحول إلى نظام دستوري ومؤسساتي فعّال، قادر على التوفيق بين السيادة والوحدة، وبين المشاركة الجهوية والتنمية، وبين متطلبات القانون وإكراهات الواقع. فإذا كان القرار الأممي رقم 2797 قد أعاد تأطير المرجعية السياسية للنزاع، فإن الحكم الذاتي يمثل الأفق العملي الذي تتحدد فيه القيمة الفعلية لذلك التحول.

غير أن هذا الأفق، على أهميته، يظل محكوما ببيئة إقليمية معقدة تتسم باستمرار التوتر في الفضاء المغاربي وبالتحولات المتسارعة في منطقة الساحل، وهو ما يجعل من التسوية المحتملة رهانا يتجاوز البعد القانوني الصرف إلى اعتبارات جيوسياسية وأمنية وتنموية أوسع. ومن ثم فإن الأفق الاستراتيجي لمبادرة الحكم الذاتي لا ينبغي أن يفهم باعتباره مجرد نهاية لنزاع إقليمي، وإنما باعتباره مدخلا لإعادة بناء التوازن بين الشرعية الدولية والمرجعية الدستورية، وبين الوحدة الوطنية والتدبير الترابي الديمقراطي، وبين الاستقرار الداخلي وإمكانات الاندماج الإقليمي.

* محمد الكيحل

 أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بمعهد الدراسات الإفريقية بالرباط، ورئيس مركز إشعاع الدراسات الاستراتيجية والأمنية وتحليل الأزمات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *