اقتصاد

الأزرق: النمو الاقتصادي بالمغرب رهين بتحسين القدرة الشرائية وخلق فرص الشغل

الأزرق: النمو الاقتصادي بالمغرب رهين بتحسين القدرة الشرائية وخلق فرص الشغل

أكد المحلل الاقتصادي والأستاذ والباحث في قانون الأعمال بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، بدر الزاهر الأزرق، أن التحدي الأساسي أمام المغرب لا يقتصر على تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، بل يتمثل في ضمان انعكاس ثمار هذا النمو على القدرة الشرائية للمواطنين وتحسين ظروف عيشهم، بما يحقق العدالة الاجتماعية والمجالية.

وأوضح الأزرق، في تصريح لـالعمق المغربي”، خلال قراءته لمضامين الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الجديدة، أن تقييم الأداء الاقتصادي ينبغي أن يستند إلى أثر السياسات العمومية على الدخل والتشغيل وجودة الخدمات وتكافؤ الفرص، مشددا على أهمية خلق وظائف مستقرة بأجور مناسبة، وتعزيز المنافسة، وتحسين خدمات التعليم والصحة والنقل، بما يخفف الأعباء المالية عن الأسر.

وأضاف أن تحقيق العدالة المجالية يقتضي ربط التنمية المندمجة بالجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، بالنظر إلى ارتباط الفوارق الاجتماعية بالتفاوت في توزيع فرص الشغل والخدمات بين الجهات،واعتبر أن تقريب القرار والموارد من الجهات والأقاليم من شأنه أن يجعل الاستثمار أكثر استجابة لحاجات السكان، مؤكدا أن الاختبار الحقيقي للسياسات المقبلة يكمن في قدرتها على تحويل الاستثمار إلى دخل وفرص شغل وخدمات ملموسة، مع الحفاظ على استدامة المالية العمومية.

القطاع الخاص.. رافعة للتحول التنموي وخلق فرص الشغل

وفي ما يتعلق بدعوة الملك إلى الارتقاء بالقطاع الخاص الوطني إلى فاعل استراتيجي، سجل الأزرق أن هذا التوجه يضع المقاولة في صلب التحول التنموي، من خلال تعزيز قدرتها على المبادرة والابتكار والاستثمار والتصدير وخلق فرص الشغل. غير أن تفعيل هذا الدور يظل رهينا بتوفير بيئة استثمارية قائمة على استقرار القواعد القانونية، ووضوح الإجراءات، وتقليص آجال الترخيص، وضمان الأمن التعاقدي، وتيسير الولوج إلى التمويل والعقار.

وشدد المتحدث على أهمية تفعيل اللاتمركز الإداري لتجاوز العراقيل التي تواجه المشاريع الاستثمارية، موضحا أن تأخر القرارات المركزية قد ينعكس سلبا على انطلاق المشاريع والإنتاج والتشغيل. وفي المقابل، دعا المقاولات إلى الاستثمار في التكوين والتكنولوجيا واحترام الحقوق الاجتماعية وآجال أداء مستحقات الموردين، مع ربط الدعم العمومي بنتائج قابلة للقياس، من قبيل إحداث مناصب شغل مستدامة وتحسين التكوين وتعزيز القيمة المضافة المحلية.

المقاولات الصغيرة والمتوسطة.. التمويل وتبسيط المساطر لتجاوز عوائق النمو

وبخصوص المقاولات الصغيرة والمتوسطة، اعتبر الأزرق أن إشراكها في الدينامية الاستثمارية والصناعية يشكل مدخلا أساسيا لتوسيع قاعدة الإنتاج وتوزيع فرص الشغل على مختلف الجهات، إلى جانب تطوير منتجات وخدمات تستجيب لحاجات الأسواق المحلية والخارجية، لكنه نبه إلى أن هذه المقاولات تواجه صعوبات تعيق انتقالها من مرحلة الحفاظ على نشاطها إلى مرحلة النمو، خصوصا بسبب تأخر الأداء، وصعوبة الحصول على التمويل، وارتفاع تكاليف العقار والتجهيز واستيفاء معايير التصدير.

وفي هذا السياق، دعا إلى إرساء مواكبة عملية للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، تشمل توفير تمويل يتلاءم مع مراحل تطورها، وتبسيط المساطر الإدارية، واحترام آجال الأداء، وتقديم الدعم التقني لتحسين الجودة والتدبير والرقمنة، كما أكد أهمية ربط هذه المقاولات بالمشاريع والصناعات الكبرى من خلال علاقات توريد مستدامة ونقل المعرفة، مع تطوير المهارات التي يحتاجها الشباب للاندماج في سوق الشغل.

الأمن المائي والطاقي والغذائي.. رهان على استباق الأزمات

وفي ما يتعلق بالأمن المائي والطاقي والغذائي، أوضح الأزرق أن هذه المجالات مترابطة بشكل مباشر، بالنظر إلى تأثير الماء على الإنتاج الغذائي، وانعكاس كلفة الطاقة على الإنتاج والتحلية والنقل، فضلا عن أثر استقرار الموارد على الأسعار والقدرة الشرائية.

واعتبر أن تعزيز الأمن الغذائي يستدعي تحسين الإنتاجية والتخزين والتصنيع وتقليص ضياع المنتجات، مع مراعاة الكلفة المائية للأنشطة الزراعية، فيما يتطلب الأمن الطاقي تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة والشبكات والتخزين والنجاعة الطاقية. كما شدد على ضرورة تنويع الموردين وتأمين مخزونات استراتيجية من المواد الحساسة، بما يتيح للمغرب مواجهة الصدمات الخارجية وضمان استمرارية التموين.

الإقلاع الصناعي.. تعزيز المحتوى المحلي ورفع القيمة المضافة

وبخصوص الإقلاع الصناعي، أبرز المتحدث أن تطوير السياسة الصناعية ينبغي أن يتجاوز رفع الصادرات إلى تعزيز المحتوى المحلي للإنتاج وتوسيع شبكة الموردين المغاربة، بما يضمن استفادة الاقتصاد الوطني بصورة أكبر من الأنشطة الصناعية الموجهة إلى الأسواق الخارجية.

وأوضح أن تحقيق هذا الهدف يستدعي الانتقال التدريجي إلى أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى، تشمل الهندسة والتصميم وتطوير المنتجات، إلى جانب التصنيع، كما أشار إلى فرص توسيع الإنتاج الوطني في مجالات الصناعات الغذائية والدوائية والكيميائية، ومكونات الصناعات القائمة، وتجهيزات الماء والطاقة، شريطة إخضاع هذه الاختيارات لدراسات دقيقة تراعي حجم الطلب والكلفة وتوفر المهارات والقدرة التنافسية.

وشدد الأزرق على أهمية توفير التمويل والتكوين والبحث التطبيقي والبنية اللوجستية اللازمة لدعم هذا التحول، داعيا إلى التمييز بين واردات الاستهلاك وواردات التجهيز التي قد تسهم في رفع الإنتاجية والصادرات مستقبلا. واعتبر أن تقييم السياسة الصناعية ينبغي أن يستند إلى ما تحققه من قيمة مضافة ووظائف مستدامة وقدرة تنافسية، مع إخضاع الدعم العمومي لأهداف واضحة وآجال محددة وتقييم منتظم.

الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.. مدخل لرفع الإنتاجية وتطوير الخدمات

وفي ما يخص الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، أكد الأزرق أن الرهان يتمثل في تعميم استخدام التكنولوجيا داخل القطاعات الإنتاجية والإدارة والمقاولات بمختلف أحجامها، بما يساهم في تحسين الأداء وخفض التكاليف وتطوير الخدمات.

وأوضح أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد المصانع على توقع الأعطال، والمقاولات على تحسين تدبير المخزون، والقطاع الفلاحي على ترشيد استعمال المياه، والإدارات على تسريع معالجة الملفات، غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب توفير بنية رقمية ملائمة، وضمان جودة البيانات وحمايتها، وتعزيز الأمن السيبراني، وتأهيل الكفاءات القادرة على تطوير الحلول التكنولوجية واستعمالها.

كما أبرز أهمية ملاءمة التكوين مع التحولات التي يعرفها سوق الشغل، وإتاحة فرص إعادة التأهيل للعاملين الذين تتغير مهامهم بفعل التكنولوجيا، مشيرا إلى أن الطلب العمومي والشراكات مع الجامعات يمكن أن يسهما في فتح آفاق جديدة أمام الشركات المغربية المتخصصة في تطوير الحلول الرقمية.

وخلص الأزرق إلى أن نجاح التوجهات الاقتصادية الواردة في الخطاب الملكي يظل مرتبطا بمدى قدرة السياسات العمومية على تحويل الاستثمار والابتكار والتطور التكنولوجي إلى نتائج ملموسة، تشمل رفع الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات، وإحداث فرص شغل مستدامة، وتعزيز القدرة التنافسية للمقاولات المغربية، بما يجعل النمو الاقتصادي رافعة لتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *