منتدى العمق

الهداية والضلال وفق نظرية المشيئة في القدر

الهداية والضلال وفق نظرية المشيئة في القدر

في المقال السابق المنشور في هذه المنصة المباركة تحدثنا عن كتابة القدر وفق “نظرية المشيئة”، وحاولنا بسط أنواع الكتابة وبيان أوقاتها وتعدد وظائفها. وهو تقسيم يخالف ما استقر عليه الأمر عند “نظرية العلم” التي تجعل تعدد الكتابات مجرد استنساخ لما كتب في اللوح المحفوظ من علم أزلي. وفي هذه المقالة سنقف عند مسألة الهداية والضلال لنبين مصدرها وأساس استثمارها واستمرارها، وإذا كانت تقسم في نظرية العلم إلى أربعة أنواع فإنها بالنسبة لنظرية المشيئة تقسم إلى خمسة أنواع. والموضوعان يشكلان معيارا فكريا أساسيا لمعرفة حقيقة القضاء والقدر.

من رحمة الله بالإنسان أن زوّده بالعقل، وأنزل لأجله الوحي، وأرسل إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام، ودعاه إلى الحقّ، وحذّره من الباطل، ثمّ ترك له الأمر بعد ذلك ليختار ما يريد، طريق الفلاح أو طريق الضلال. وقد أمر الله -عز وجل- نبيّه ﷺ أن يبيّن للناس الحقّ، ثمّ يترك لهم الخيار؛ فمن أطاع فلنفسه، ومن عصى فعليها، قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (الزمر، الآية: 41) وقال سبحانه: ﴿ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (ق، الآية: 45).

الهداية في حقيقتها جوهر ومظهر، الجوهر بدوره له أصل أو منشأ وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهذا الأصل يحتاج إلى تغذية مستمرة ليبقى طريا نديا، وهذه التغذية هي الذكرى والموعظة الحسنة ومجاهدة النفس. أما المظهر فهو التزام الإسلام وفعل الخير.

يقسم العلماء الهداية إلى أربع مراتب كلها من الله عز وجل. لكن إذا تأملنا القرآن الكريم نجده يقسم الهداية إلى خمس مراتب: اثنتان قبليتان من الله عز وجل، واثنتان بعديتان منه تعالى، وتتوسطهما واحدة من العبد.

أولا: هداية الخلق والفطرة

هداية الخلق والفطرة أو ما يسميه العلماء بـ “الهداية العامة”. هي هداية كل مخلوق لما يصلح أمور معاشه، وهي أعم المراتب، يستوي فيها المؤمن والكافر، بل تستوي فيها المخلوقات بصفة عامة، ودليلها قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (طه، الآية: 50). وهذه الهداية “تعم سائر أمور المعاش من نكاح، وطعام وشراب، وجميع السلوكيات التي يهدي الله تعالى مخلوقاته لعملها من غير تعليم سابق كهداية النمل إلى تنظيم طرق المعاش وخزن الطعام وغير ذلك مما يحار العقل البشري فيه. فسبحان من خلق فسوى ثم قدر فهدى”[1].

لا بد من الإشارة هنا إلى بعض الآيات التي تحمل على غير مقصدها، منها قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأنعام، ج. الآية: 35) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (الأنعام، الآية: 107) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأنعام، الآية: 149)، وقوله جل جلاله: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس، الآية: 99). فالملاحظ أن جل الآيات التي جاءت فيها هذه الصيغة “لو شاء” تدخل في باب هداية الخلق. خلاصتها أن الذي صدر من العبد أمر متوقع بحكم طبيعة خلقه المبنية على الحرية والاختيار وليس على الأمر والإجبار.

الذي يميز آيات الخلق والفطرة التي تشتمل على “لو شاء” أنها:

أولا: تتحدث عن الفعل الرباني لأن الضمير يعود على الله “لو شاء الله”. وتتحدث عن الماضي الذي لا يعود.

ثانيا: تتحدث عن الطبيعة البشرية، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (البقرة، ج. الآية: 253)، وقال جل وعلا: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة، ج. الآية: 48)، وقال سبحانه: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل، الآية: 93). وذلك كما خلقها سبحانه حرة مختارة بين الطاعة والعصيان. ولو أرادها سبحانه مؤمنة كلها وغير مختلفة ولا متقاتلة فإنّه لا يُعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، لكان خلقها الله عز وجل كما خلق الأجرام والجبال غير متنازعة ولا متناطحة، ومحل ذلك التقدير في الخلق.

ثالثا: تؤكد الاختيار البشري، فما دام الناس أحرارا فلا شك أن حريتهم ستذهب بهم مذاهب شتى، فحكمة الله اقتضت أن يخلق البشر مختارين، ثم ينزل إليهم الهدى والفرقان، فمن أطاعه وأطاع رسوله ﷺ دخل الجنة، ومن عصاه وعصى رسوله ﷺ دخل النار، وليس لرسول الله من الهداية شيءٌ، وإنّما عليه وعلى المسلمين البلاغ والبيان والنصيحة دون إكراه، قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس، الآية: 99).

رابعا: لم يأت فيها إنكار للحقيقة التي تحملها، ولا لوم للذي يقولها. وكيف وهي حقيقة كونية ربانية؟ اللوم موجه لمن يتخذها مبررا لانحرافه وضلاله متناسيا أنها تصلح دليلا على قدرته على مدافعة المنكر وإصلاح الفساد.

خامسا: أما الآيات التي جاء فيها (لو شاء … وقالوا) فإن القائلين بقولها يستندون إلى هداية الخلق والفطرة للاحتجاج بها على هداية الاستجابة والانقياد. وبذلك فهي تنكر على القائلين بها الذين يحاولون التنكر لحريتهم في الاختيار. فإذا كان الله خلق الناس مختارين؛ فهذا لا يعني أن يختاروا هم الضلال وينسبوه لربهم.

سادسا: وهذا ما يفسر أن الناس يسهل اجتماعهم على الغواية والضلال والتقليد الأعمى لكن يفترقون على الهدى والعزيمة على الرشد. ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ ﴾ (الشورى، ج. الآية: 14)، وقال سبحانه: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم، ج. الآية: 30).

وبقدر ما يوجد فينا من العقل والضمير، والرأفة والشفقة، والقدرة على استحضار المواعظ … بقدر ما فينا من الغرائز وحب الشهوات، ونسيان العظات … فميزان الخلق متعادل بين كفة الهداية التي عليها داعي الرحمن وكفة الضلال التي يرأسها الشيطان: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس، 7-8)، والذي يجعله يميل هو ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس، 9-10)، وهذا أساسه هداية الإرشاد والبيان، وأسه هداية الاستجابة والانقياد، وثمرته هداية التثبيت والتوطين ثم هداية الفلاح.

ثانيا: هداية الإرشاد والدعوة والبيان

هداية الإرشاد والدعوة والبيان هي هداية مكملة للفطرة التي فطر الله الناس عليها. فهي موجهة لهم باعتبارهم مكلفين، يتميزون بالعقل، ويتمتعون بالاستطاعة، ويمتلكون الحرية والإرادة. وبذلك فهي “أخص من التي قبلها حيث إنها مختصة بالمكلفين من الخلق. والمراد بها دعوة الخلق وبيان الحق لهم. وهي حجة الله على عباده، فلا يعذب أحداً إلا بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب. قال تعالى: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء، الآية: 165). وقال تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (يونس، الآية: 47). وقال تعالى: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد، الآية: 10). وقال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ (الإسراء، الآية: 15)” [2]. وقال تعالى: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ (سورة الملك، 8-9).

وهذه الهداية هي التي أثبتها الله عز وجل للكتب السماوية عامة وللقرآن خاصة، قال تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ۚ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَمِنْ هَٰؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ (العنكبوت، الآية: 47) وقوله تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص، الآية: 29). كما أثبتها سبحانه للأنبياء عامة ولنبيه ﷺ خاصة، يقول تعالى: ﴿ رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء، الآية: 165) وقال سبحانه: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى، الآية: 52). “وهي ثابتة من بعده للعلماء، والدعاة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وهي مرتبة عامة يشترك فيها المسلمون جميعاً، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة، الآية: 122). (…) وحجة الله قائمة بهذه الهداية بعدة أمور وهي:

– إرسال الرسل.

– إنزال الكتب، بما فيها من الحق والبيان.

– البيان بالآيات الكونية والنظر في الآفاق، قال تعالى: ﴿ قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس، الآية: 101).

– بيان الصراط المستقيم، وإقامة أسباب الهداية، باطناً وظاهراً، ومن لم تكتمل عنده هذه الأسباب لصغر أو لزوال عقل أو نحو ذلك فهؤلاء رفع عنهم التكليف، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما في وسعهم”[3].

ثالثا: هداية الاستجابة والانقياد

وهذا النوع من نصيب الإنسان، بحيث لما كانت الهداية العامة فطرة جُبِل عليها الإنسان، ولما كانت هداية الدعوة والبيان رسالة توصل بها الإنسان، فقد جاء دور الإنسان، بما أعطاه الله من قدرة على التطبيق وحرية في الاختيار، ليبدي عزيمة في الخير ورغبة في الصلاح. يقول تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ (يونس، الآية: 108) وقوله تعالى: ﴿ مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء، الآية: 15) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾ (طه، الآية: 82)، وقوله عز من قائل: ﴿ ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ﴾(النجم، الآية: 30).

وربنا عز وجل لما أنعم على الإنسان بالعقل والرسالة فقد هداه، ولزم من ذلك أن يستعمل الإنسان عقله فيما ينفعه، ويتفكر به في ملكوت الله؛ وفي الأمم السابقة ليأخذ العبر ويعرف الحق من الضلال، والمعروف من المنكر. فأفعال الله منزهة عن العبث، قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (البقرة، الآية: 119) وقال سبحانه: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۗ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران، الآية: 108).

ولكي يتحقق ذلك يلزم:

1- التواضع والاستسلام، قال جل شأنه: ﴿ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴾ (الحج، ج. الآية: 34). “قال قتادة بن دعامة رحمه الله: “﴿ المخبتين ﴾: المتواضعين”؛ (تفسير الطبري، جـ16، صـ 551). وقال الإمام القرطبي رحمه الله: المخبت: المتواضع الخاشع من المؤمنين؛ (تفسير القرطبي؛ جـ12، صـ 58)” [4].

2- التعلم وعدم الاستحياء من الحق، للحكمة المأثورة القائلة (اثنان لا يتعلمان: المستحيي والمتكبر) لذلك قيل (لا حياء في الدين)، بمعنى أن الحياء لا يمنع من التعلم والتفقه في الدين. وإذا كان يمنع فما هو إلا عقدة نفسية، لأن الحياء يمنع صاحبه من الوقوع في المنكر. أما إذا منعه من المعروف فهذا ليس بحياء، يقول تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ ﴾ (الأحزاب، ج. الآية: 53) وكما قالت عائشة رضي الله عنها: ” نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الحَيَاءُ أنْ يَتَفَقَّهْنَ في الدِّينِ”[5]. ومعلوم أن الله لا يعبد بجهل ولا بهوى بل باتباع الأوامر الربانية والسنن النبوية.

3- الدعاء والطلب، يقول تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ (سورة الفاتحة: 6-7)، كما أن طلب الهداية كان حاضراً في أدعية النبي ﷺ، فقد روى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه كان يقول: ” اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الهُدى والتُّقى والعَفافَ والغِنى”[6]. حدَّثَني أَبُو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ، قالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ، بأَيِّ شيءٍ كانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قالَتْ: كانَ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وإسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بيْنَ عِبَادِكَ فِيما كَانُوا فيه يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فيه مِنَ الحَقِّ بإذْنِكَ، إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ”[7].

والمقصود بالطلب ليس مجرد الدعاء، وإنما ترصد الحق وابتغاؤه سواء في الكتب المنزلة أو الحكم المأثورة أو القصص المتداولة أو بالرجوع إلى أهل القضاء والفتوى أو باعتماد الشورى….

4- التطبيق، لأن طلب الهداية ليس المقصود بذاته، وإنما تحقيق ذلك في الواقع. إن مداومة العبد على طلب الهداية تعلما ودعاء من جهة، والمواظبة عليها سلوكا من جهة أخرى، هو السبيل الوحيد لاستجلاب النوعين المتبقيين من الهداية. كما أن هداية الاستجابة والانقياد -التي أغفلها العلماء- متميزة عن غيرها بنسبتها للمخلوق وليس للخالق، وثابتة بصريح الكتاب والسنة، كما توافق الفطرة وتنسجم مع مفهوم الخلافة وحقيقة التنزيل؛ وغاية الخلق؛ والحكمة من الحساب والعقاب.

رابعا: هداية التثبيت والتوطين

إذا نجح العبد في هداية الاستجابة والانقياد وكابد من أجلها وقتا معتبرا، فإنه يُكافأ من الله عز وجل بهداية أخرى هي اطمئنان القلب للحق وسعادته بفعل الخير. فيصبح ذلك مصدرا للراحة بعد أن كان مصدرا للتعب، وجالبا للتسلية بعد أن كان بدافع التضحية، يقول تعالى: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة، الآية: 16). وواضح من الآية – كما في غيرها من الآيات- أن الذين يهديهم الله تعالى هم الذين اتبعوا رضوانه، وبما أنهم قد اتبعوا رضوانه فهم مهتدون، ولكن يهديهم هنا بمعنى يسعدهم بما يفعلون ويثبتهم عليه.

لا يمكن أن نسمي هداية التثبيت والتوطين بهداية التوفيق، بحيث أن التوفيق فعل رباني يتعلق بالأعمال، في حين هداية التثبيت والتوطين فعل رباني يتعلق بقلب العبد ونفسه. بالإضافة إلى أن هذه الهداية لا ترتبط بفعل انتهى العبد من أسبابه، ولكنها تنتج عن مجموعة أفعال انتهت بذاتها، وليس فقط انتهت أسبابها، وغايتها الأفعال المستقبلية بحيث تقوم بدور المثير والمحفز والمثبت. والسنة الجارية في هذا الباب أن فعل الخيرات مجلبة للزيادة في الخير والثبات عليه والسعادة به، وفعل المنكرات مقدمة للإصرار عليها وغرور النفس بها. يقول تعالى: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام، الآية: 125).

خامسا: هداية الفلاح

تكون هذه الهداية في الآخرة بعد الحساب والجزاء ودليلها قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (يونس، الآية: 9). فربنا هداهم للجنة بإيمانهم. وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ (سورة محمد، 4-5). وهذه الهداية “حاصلة لهم بعد قتلهم، فدل على أن المراد بها هداية إلى طريق الجنة على القول الراجح”[8].

إن هداية الفلاح ناتجة عن عمل الإنسان ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ (الأنبياء، الآية: 94) وقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (سورة العصر، 1-3). وقوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (سورة الزلزلة، 6-8).

لكن هذه الهداية تقف أمامها عقبات كثيرة، لخصها رسول الله ﷺ بقوله: “كُلُّ أُمَّتي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَن أَبَى، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَن يَأْبَى؟ قالَ: مَن أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَن عَصَانِي فقَدْ أَبَى”[9]. ولذلك وجب أن نقف عند أهم الموانع في طريق الهداية. ومردها جميعا لفساد في هداية الاستجابة والانقياد.

سادسا: مانع الفسق والهوى

يمكننا أن نصنف تحت هذا العنوان أنواعا كثيرة منها:

1: غرور النفس

وهذا الصنف يشمل الملحدين الذين لا يؤمنون باليوم الآخر، أو الذين يظنون أنهم ضامنون لمرحلتين: مرحلة الفتوة والتمتع بملذات الدنيا، ومرحلة الضعف والتوبة إلى الله.

فعن الصنف الأول قال تعالى: ﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾ (الجاثية، 22-24). فهذا المقطع القرآني بدأ بآية كونية وأعقبه بآية كونية وذكر فيه العلم والظن، وأحال على الجدال والتحدي الذي يعتمده الملحدون وهم المبطلون بالتعبير القرآني.

أما عن الصنف الثاني: فهم أهل التسويف. يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المنافقون، 9-11)، بل إن بعض الكفار ما أهلكهم إلا التأخير والتسويف. وسواء تعلق الأمر بمؤمن أو بكافر فإن خطر التسويف شديد، قال سبحانه: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون، 99-100).

2: هوى النفس

يقول تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (سورة الأعراف، 175-177). فالرجل كان من العلماء الربانيين وأصبح من طلاب الدنيا الشهوانيين. بخلاف امرأة العزيز التي بعد أن ﴿ قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (يوسف، الآية 32) مد الله في عمرها حتى ﴿ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ (سورة يوسف، 51-52).

3- الإدمان:

يشكل الإدمان الصورة المقابلة لهداية التثبيت والتوطين، لأن الذي يقصد إلى الذنوب والمعاصي يسبب لنفسه نكتة سوداء. جاء في الحديث الشريف: “إنَّ المؤمنَ إذا أذنب ذنبًا كانت نُكتةٌ سوداءُ في قلبِه، فإن تاب، ونزع، واستغفر صقَل منها، وإن زاد زادت حتَّى يُغلَّفَ بها قلبُه، فذلك الرَّانُ الَّذي ذكر اللهُ في كتابِه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (سورة المطففين، 14)”[10]. وفي رواية أخرى: “إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتت في قلبِهِ نُكْتةٌ سوداءُ، فإذا هوَ نزعَ واستَغفرَ وتابَ سُقِلَ قلبُهُ، وإن عادَ زيدَ فيها حتَّى تعلوَ قلبَهُ، وَهوَ الرَّانُ الَّذي ذَكَرَ اللَّه ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾”[11].

سابعا: مانع الوسوسة والغواية

الشيطان:

لقد بين لنا ربنا أن إبليس أخذ على نفسه عهدا بأن ينتقم من هذا الذي سبقه لشرف الأمانة والاستخلاف، وهو يخاطب رب العزة ﴿ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا﴾ (سورة الإسراء، 61-63) وقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ (سورة المائدة: 90 -91).

رفقاء السوء:

إن الابتعاد عن رفقاء السوء نجاة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ (الزخرف، الآية: 67). في مقابل الأخيار الأطهار الذين ينفعون في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ (الكهف، الآية: 28). وعليه وجب أن نعمل بوصية ربنا: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام، الآية: 68) قبل أن ينطبق علينا تحذيره والعياذ بالله: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ (سورة الفرقان، 27-29).

ونظرا لرحمته بالناس عامة، وبالمؤمنين خاصة، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ”[12]. وقال كذلك: “مثَلُ الجليسِ الصالحِ ومثلُ جليسِ السوءِ كحاملِ المسكِ ونافخِ الكيرِ، فحاملُ المسكِ إما أن تبتاعَ منه، وإما أن تجدَ منه ريحًا طيبةً، ونافخُ الكيرِ إما أن يُحرِقَ ثيابَك، وإما أن تجدَ منه ريحًا خبيثةً”[13].

قال الشاعر:

أنت في الناس تقـاس — بالذي اختـرت خليـلاً

فاصحب الأخيار تعلو — وتنل ذكــراً جميــلاً

وقال آخر:

واحذر مؤاخاة الدنيء لأنه يعدي — كما يعدي الصحيحَ الأجربُ

واختر صديقك واصطفيه تفاخراً — إن القرين إلى المقارن ينسب

ثامنا: مانع البيئة الفاسدة

المؤمن كيس فطن، لا تغويه الموضة، ولا تجره الموجة، ولا يخنع للمألوف ولا يختبئ وسط الجماعة، وإنما عنده عقل ومنطق ومنهاج يحتكم إليه، ويعلم أن لا أحد سيحاسب مكانه، ولا أحد سيقبل منه تقصيره وذنوبه. بينما عامة الناس ينخدعون في الدنيا وفي الآخرة. وقد نبهنا الله لمآل هذا الاختيار: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (سورة الأعراف، 172-174).

والإسلام جاء ليزرع فينا روح الإصلاح لمجتمعنا ومقاومة الفساد والمفسدين، فإذا عجزنا يمكننا هجر ذلك الوسط إلى ما هو أفضل منه، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء، الآية: 97).

والأمر بواجب الإصلاح والتغيير ومقاومة الجهل والكفر والفساد في ديننا أكبر من أن يحصى، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنبياء 51-54)، كما أن الإسلام يقر بتأثير المجتمع على الفرد، فإن كان خيرا فقد سماه عرفا ومعروفا ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف، الآية: 199) وإذا كان غير ذلك فإن الهلاك لا يصيب المفسدين وحدهم وإنما قد يصيب كذلك الصالحين غير المصلحين ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال، الآية 25).

تاسعا: استشكال مصدر الهداية والضلال

إن الذي لم يستوعبه كثير من الناس هو أن الله عز وجل أجمل في بعض الآيات ما فصله في غيرها، فجعل الهداية للمؤمنين والمتقين والمجاهدين والصادقين … وجعل الضلالة للكافرين والمنافقين والفاسقين… وتلك مشيئته وإرادته كسنة تنطبق على جميع البشر، والمرجع في تطبيقها هو اختيارهم وعملهم. فالواضح أن هداية التثبيت والتوطين للنفس والهوى من الله عز وجل هي النتيجة الطبيعية لهداية التطبيق والسلوك من قبل العبد. ويشكل ذلك سنة كونية لا تتبدل ولا تتغير. يقول تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام، الآية: 88) . فهؤلاء هم ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الأنعام، الآية: 82) وكانوا محسنين: ﴿ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (الأنعام، ج. الآية: 84) في مقابل ﴿ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف، ج. الآية: 40).

وانظر لقوله تعالى: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران، الآية: 86) وقوله تعالى: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة، الآية: 16).

مشكلة الضلال في هذا المقام هي مشكلة وعي، ثم مشكلة خطة علاجية تصحيحية، بمعنى أن الذي على ضلال لابد أن يعي أنه على ضلال، أما إن كان من الأخسرين أعمالا ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف، الآية: 104)، وما أكثرهم في الأمر القليل أو الكثير، في الصغائر أو الكبائر، في الفكر أو في الممارسة، فهؤلاء ميؤوس منهم، وهنا تأتي قيمة التواضع وطلب الحق.

بعد ذلك تأتي الحركة التصحيحية بحيث ينطلق العبد في ابتغاء الخير واتباع الحق وهو شاق عليه، فإذا برهن أنه صادق النية، قوي العزيمة، أتته هداية الله وشملته رحمته التي وسعت كل شيء.

فالهداية والضلال عندما تنسب للعبد فهي سلوكيات ملموسة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة، الآية: 105)، وقال سبحانه: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ (يونس، الآية: 108)، وقال جل جلاله: ﴿ مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء، الآية: 15)، وقال جل وعلا: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾ (طه، الآية: 82)، وقال عز من قائل: ﴿ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ (النمل، الآية: 92)، وقال كذلك: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ﴾ (النجم، ج. الآية: 30).

أما إذا نسبت لله عز وجل فهي تعبر عن النفس المطمئنة في حالة الهداية، أو عن عمى البصيرة وضيق النفس في حالة الضلال، يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ (محمد، الآية: 2)، ويقول سبحانه: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام، الآية: 125). ولا شك أن الناس لا يملكون دائما مزاجهم ولا حالتهم النفسية، فقد نحس براحة لا نعرف مصدرها، وفي بعض الحالات نتعرض لعياء نفسي بدون سبب ظاهر.

وقد يستشكل البعض قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(النحل، الآية: 93)، فهذه الآية الكريمة يتم فصلها عن سياقها، فقد جاء قبلها قوله تعالى للمؤمنين ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (سورة النحل، 91-92)، وقد جاء فيها قوله تعالى: ﴿ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وجاء بعدها قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة النحل، 94-95). وبالتالي فهي جملة اعتراضية في سياق الوفاء بالبيعة، والصبر على الأذى، والثبات على العهد، مما يعطي الأهلية لنيل الهداية من الله تعالى.

إن استشكال الهداية من الله أم من العبد في هذا المقام لا أساس له، وذلك للاعتبارات التالية:

1- سياق الآيات

إن السياق القرآني، وهو يتحدث عن هداية التثبيت والتوطين، يحرص على أن يذكر عمل الإنسان واختيار الإنسان. بل يجعله السبب الوحيد في هذه الهداية خصوصا في حالة السلب، أي انعدام الهداية لانعدام العمل الصالح. أو بتعبير آخر، إن إضلال العبد يتم بسبب فساد عمله. وهو أمر مطرد في جميع الآيات التي تندرج في هذا الباب. أي علاقة الهداية الاستجابة والانقياد بهداية التثبيت والتوطين، أي منهما تكون سببا؟ وأيهما تكون نتيجة؟، هل تتأسس هذه العلاقة على مشيئة ربانية اعتباطية؟ أم تتأسس على اختيار بشري مسؤول؟ والجواب أنه لا يخلو السياق من جعل الهداية الربانية في هذا المقام (هداية التثبيت والتوطين) مبنية على اختيار بشري حر ومسؤول (أي هداية الاستجابة والانقياد).

2- العدل الرباني

إذا لم ننتبه للسياق القرآني، وأخذنا المبنى على ما هو عليه فإننا نكون أمام قضيتين متناقضتين لكنهما غير متوازنتين، قضية الهداية، والتي يجوز، بل يجب، نسبتها لله عز وجل على سبيل الإكرام والإنعام منه تعالى على خلقه، وعلى سبيل الافتقار والشكر له سبحانه، وقضية الضلال التي تبرأ منها عز وجل ونسبها للنفس والهوى والشيطان لأنها تنافي عدله ورحمته بخلقه. قال تعالى: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (سبأ، الآية: 50)، وقوله تعالى: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (فصلت، الآية: 46). وقد جاء في الحديث القدسي عن أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه- ” يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، (…)، يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ “[14].

3- تفصيل العام وبيان المجمل

بعد ما سبقت الإشارة لمسألة السياق القرآني ومسألة العدل الرباني، نشير هنا إلى مسألة تفصيل العام وبيان المجمل، فالتعبير القرآني (يهدي من يشاء) و (يضل من يشاء) تعطي احتمالين، إما أن “من يشاء” تعود على “الله” وإما أنها تعود على “العبد”. فيكون التقدير في الأولى “من يشاء الله أن يهديه” ويكون التقدير في الثانية “من يشاء الهداية”.

فإذا اخترنا أن الله تعالى “يهدي من يشاء الهداية” فإن هذا المعنى موجود في كتاب الله وسنة رسوله، وهو الأقرب للمنطق. لأن مشيئة الله تعالى تحققت باعتباره هو الفاعل في مثل هذه الآيات، والأصل أن الفاعل يفعل ما يشاء، لكن فعله تعالى معلق كذلك على استجابة العبد ومشيئته. وبالتالي وجب أن تشمل الآية توافق إرادتين: إرادة الله التي تجلت في كونه هو الفاعل، وإرادة العبد التي تجلت في “من يشاء الهداية”. ولا تتحقق واحدة إلا بالأخرى. ويكفيك هنا قوله تعالى: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء، الآية: 18)، وقوله عز من قائل: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران، الآية: 86)، وقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت، الآية: 17).

أما إذا اخترنا “يهدي الله من يشاء هدايته” فإن هذا المعنى موجود في كتاب الله. وإن كانت العبارة تحمل نوعا من التأكيد أو نوعا من التكرار على اعتبار أن عبارة “يهدي الله” تشتمل ضمنا على معنى “من يرد الله هدايته” لأن الله لا يمكن أن يفعل شيئا إلا بإرادته. ومع ذلك إذا اخترنا هذا المعنى (مشيئة الله في هداية من يشاء) فإن الآيات في هذا الصدد تكون بالضرورة مجملة، وقد جاء ما يبينها في آيات أخرى ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام، ج. الآية: 144)، ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة، ج. الآية: 24)، ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (التوبة، ج. الآية: 37). وقد سبق ذكر الآيات التي تبين الذين يستحقون الهداية من خلال أعمالهم وليس من خلال انتقاء جيني أزلي.

خاتمة:

وتبقى الحقيقة الساطعة أن الهداية مصدرها من الله تعالى الذي وهب العقل وسوى الفطرة، والذي أرسل الرسل وأنزل الكتب، والذي دعانا للاعتبار من الذين مضوا، والنظر في سنن الكون، وهذا كله فضل من الله ونعمة. لكن عمل الإنسان يصدق ذلك أو يكذبه، فمن صلحت نيته، رزقه الله هداية التثبيت والتوطين لنفسه على الراحة والسعادة بفعل الخير من حيث لا يحتسب، ومن فسدت نيته كانت مصدر شقاوته في الدنيا والآخرة.

والخلاصة أن هداية الاستجابة والانقياد مبنية على هداية الخلق من جهة، وهداية الإرشاد والبيان من جهة أخرى. كما أن هداية التثبيت والتوطين مبنية على هداية الاستجابة والانقياد، وهي مصدر الراحة بالطاعة والسعادة بالإيمان، قال تعالى: ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ (سورة طه، 123-124). وقد اشتملت الآية على هداية الإرشاد والدعوة والبيان: ﴿ يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾، وعلى هداية الاستجابة والانقياد: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ ﴾ في مقابل ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي ﴾ وعلى هداية التثبيت والتوطين ﴿ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ في مقابل ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾، بل إن الآية الكريمة زادت عليها الهداية الأخروية ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾. وإذا ما استفسر صاحبها ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ (طه، الآية: 125) أتاه الجواب بأن السبب هو فساد في هداية الاستجابة والانقياد، ﴿ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ * وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ * أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ﴾ (سورة طه، 126-128).

وأخيرا فما كان من توفيق فمن الله صاحب الفضل والمنة، وما كان من خطأ فمن نفسي، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

[1]- علي الصلابي، الهداية ومراتبها في كتاب الله عز وجل، مدونات، الجزيرة.نت.

[2]- علي الصلابي، الهداية ومراتبها في كتاب الله عز وجل، نفسه.

[3]- علي الصلابي، نفسه.

[4]- صلاح نجيب الدق، “التواضع في الإسلام”، مقالة في موقع الأولوكة نت.

[5]- رواه مسلم (332).

[6]- الترمذي (3489)، ومسلم (2721).

[7]- صحيح مسلم (770).

[8]- علي الصلابي، الهداية ومراتبها في كتاب الله عز وجل، م.س.

[9]- صحيح البخاري (7280).

[10]- المنذري، الترغيب والترهيب،4/120 .

[11]- الترمذي (3334).

[12]- أخرجه أبو داود (4833 )، والترمذي (2378 )، وأحمد (8398 ).

[13]- ابن حبان (561) واللفظ له، والبخاري (2101)، ومسلم (2628) باختلاف يسير.

[14]- صحيح مسلم (2577).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *