وجهة نظر

سقوط الرواية الصهيونية.. غزة تفضح الأكذوبة الكبرى

محمد الحرش

لم تتراجع الرواية الصهيونية لأن خصومها امتلكوا فجأة أدوات إعلامية أكثر تأثيراً، ولا لأن العالم استيقظ ذات صباح على خطاب دعائي مضاد، بل لأنها اصطدمت بوقائع لم تعد آلة الدعاية قادرة على احتوائها، وبحقائق ميدانية وقانونية وإنسانية أخذت تنسف، واحدة بعد أخرى، الأسس التي قام عليها خطاب الكيان المحتل عن الديمقراطية والأمن وحقوق الإنسان.

لقد كشفت غزة، على نحو غير مسبوق، المسافة الشاسعة بين الصورة التي حرص الكيان المحتل على تسويقها لنفسه، والواقع الذي عاشه الفلسطينيون تحت القصف والدمار والنزوح والحرمان من مقومات الحياة، وعندما تصبح الوقائع المرئية أبلغ من البيانات الرسمية، وتتقدم الشهادات الميدانية على التبريرات السياسية، تتحول الأزمة من أزمة تواصل أو علاقات عامة، إلى أزمة مصداقية تضرب الرواية في جوهرها.

ولم يعد هذا الانكشاف مجرد انطباع تصنعه الصور أو تغذيه الحملات الرقمية، فقد انتقل إلى المؤسسات الدولية، وإلى ساحات القضاء، وإلى مؤشرات الرأي العام في المجتمعات الغربية نفسها، ففي 19 يوليوز 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً خلص إلى أن استمرار وجود الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وربطت ذلك بانتهاك حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، ودعت إلى إنهاء هذا الوجود في أسرع وقت ممكن ووقف الأنشطة الاستيطانية الجديدة، لم يكن ذلك حكماً نهائياً في كل جوانب الصراع، ولا قراراً قضائياً بشأن المسؤولية الجنائية عن كل واقعة في غزة، لكنه مثّل موقفاً قانونياً دولياً بالغ الأهمية، أسقط عن الاحتلال غطاء الاستمرار في الادعاء بأنه مجرد وضع سياسي قابل للتبرير بلا نهاية.

ثم جاءت محطة أكثر خطورة في 16 شتنبر 2025، حين خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، المكلفة بالتحقيق في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وفي الكيان المحتل، إلى أن السلطات والقوات الصهيونية ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، واستندت اللجنة إلى تحليل أفعال شملها تعريف الإبادة الجماعية في اتفاقية 1948.

وتكشف الأرقام بدورها عن اتساع الهوة بين الرواية الصهيونية والاتجاهات المتنامية في الرأي العام العالمي، ففي استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث بين 8 فبراير و13 ماي 2026، وشمل 36 بلداً، عبّر نحو 67 في المائة من البالغين في البلدان المشمولة عن نظرة سلبية تجاه الكيان المحتل، مقابل 25 في المائة عبّروا عن نظرة إيجابية، وفي الولايات المتحدة بلغت النظرة السلبية 60 في المائة، وارتفعت إلى 78 في المائة في كل من إسبانيا والسويد، و76 في المائة في هولندا، و75 في المائة في إيطاليا، كما سجل الاستطلاع تزايد النظرة السلبية في 13 بلداً من أصل 24 بلداً توافرت بشأنها بيانات مقارنة مع العام السابق.

لقد راهن الكيان المحتل طويلاً على احتكار تعريف الصراع: هو من يحدد من يستحق التعاطف، ومن يُقدَّم بوصفه ضحية، ومن يُختزل في صورة التهديد. واستند في ذلك إلى ذاكرة المحرقة النازية، والتحالفات الغربية، والنفوذ السياسي والإعلامي، وإلى سردية «الديمقراطية المحاصرة» التي طالما وظفت لتقديم الاحتلال بوصفه ضرورة أمنية لا بنية سياسية تستوجب المساءلة، لكن غزة كسرت جانباً أساسياً من هذه المعادلة، لأنها أعادت الفلسطيني إلى مركز المشهد بوصفه إنساناً وصاحب حق وشاهداً على ما يتعرض له، ولأنها جعلت التناقض بين الخطاب والممارسة مرئياً أمام جمهور عابر للحدود واللغات.

أولاً: انهيار احتكار الحقيقة.. حين أصبحت الصورة شاهداً على الجريمة

استندت الرواية الصهيونية لعقود إلى معادلة إعلامية تمنح الكيان المحتل قدرة واسعة على تحديد إطار النقاش وتوجيه تفسير الأحداث. فكان يُقدَّم باعتباره الطرف الذي يدافع عن نفسه، فيما يُدفع الفلسطيني إلى موقع المتهم الذي يتعين عليه إثبات براءته قبل أن يُعترف بحقه في الأرض وفي الحرية والكرامة.

لكن الثورة الرقمية قلبت جانباً أساسياً من هذه المعادلة، فقد أتاح انتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي للفلسطينيين والصحفيين والشهود الميدانيين توثيق الوقائع ونقلها إلى العالم من دون انتظار إذن المؤسسات الإعلامية الكبرى أو المرور حصراً عبر القنوات الرسمية.

وهكذا، لم تعد الرواية الرسمية المصدر الوحيد للمعلومات، ولم تعد البيانات العسكرية قادرة وحدها على تحديد كيفية فهم ما يجري. فبينما يتحدث المسؤولون عن الأهداف العسكرية وضرورات الأمن، كانت الصور القادمة من غزة تكشف حجم الدمار الذي طال الأحياء السكنية، ومعاناة المدنيين، وانهيار المرافق الصحية، واتساع موجات النزوح.

تكمن قوة هذه الصور في أنها أعادت الإنسان الفلسطيني إلى مركز الحكاية، بعدما عملت الدعاية الصهيونية طويلاً على اختزاله في أرقام أو تصنيفات أمنية أو صور نمطية تُجرّده من سياقه الإنساني والسياسي، لقد أصبح الفلسطيني يتحدث عن نفسه، ويوثق مأساته، ويقدم شهادته، بدلاً من أن يظل موضوعاً لروايات يصوغها الآخرون نيابة عنه.

ولذلك، لم تعد المشكلة التي تواجه الكيان المحتل مجرد وجود خطاب معارض، بل انهيار قدرته على احتكار تفسير الوقائع، فالصورة التي توثق الدمار لا تُبطلها عبارة دبلوماسية، وشهادة الضحية لا تمحوها حملة إعلامية، وتكرار الوقائع الموثقة يجعل الإنكار أكثر كلفة وأقل إقناعاً.

ومع ذلك، لا تعني هذه الثورة الإعلامية أن كل ما يُنشر صحيح أو أن المنصات الرقمية محايدة، بل إن قيمتها الحقيقية تكمن في توسيع مصادر المعلومات، وتمكين الشهود من الكلام، وإخضاع الروايات المختلفة للتحقق والمساءلة.

لقد فقدت الدعاية الصهيونية جزءاً مهماً من امتيازها التاريخي: لم يعد بإمكانها أن تطلب من العالم تصديقها لمجرد أنها تتحدث باسم الأمن أو الديمقراطية، بعدما أصبح العالم قادراً على مقارنة خطابها بالوقائع الميدانية.

ثانياً: سقوط الحصانة الأخلاقية.. الذاكرة التاريخية ليست صكاً لتبرير الاحتلال

اعتمد الكيان المحتل على الذاكرة التاريخية للمحرقة النازية بوصفها أحد أهم مرتكزات شرعيته الأخلاقية في قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي، لكن ما يصطلح عليه ب “الجريمة التاريخية” لا تمنح أي دولة حق ارتكاب انتهاكات بحق شعب آخر، ولا تحوّل المأساة السابقة إلى إعفاء من المساءلة.

هنا يظهر أحد أكثر تناقضات الرواية الصهيونية وضوحاً: تحويل الذاكرة التاريخية من دعوة إلى منع تكرار المآسي الإنسانية إلى أداة سياسية يُستند إليها لتبرير سياسات تنتهك حقوق الفلسطينيين، فالحق في الأمن لا يلغي الحق في الحرية، ومواجهة التهديدات لا تبيح العقاب الجماعي، ومأساة اليهود في أوروبا لا تمنح الكيان المحتل حق مصادرة الأراضي الفلسطينية أو توسيع المستوطنات أو إخضاع شعب كامل للاحتلال.

لقد أخذت قطاعات من الرأي العام العالمي، ولا سيما بين الشباب، تنظر إلى القضية الفلسطينية من زاوية حقوق الإنسان والعدالة والمساواة، بدلاً من الاكتفاء بالإطار التاريخي الذي طالما هيمن على النقاش، وأصبح من الصعب تجاهل التناقض بين الخطاب الذي يطالب العالم بالتضامن مع ضحايا الاضطهاد، والممارسات التي تضع حقوق الفلسطينيين وحياتهم ووجودهم تحت ضغط الاحتلال والعنف والتهجير والمحو من الوجود.

كما ساهمت التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية دولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، في توسيع النقاش بشأن نظام السيطرة المفروض على الفلسطينيين، وطبيعة التمييز والانتهاكات المرتبطة به، وأثارت هذه التقارير، إلى جانب النقاشات والخلاصات القانونية الدولية، مساءلة متزايدة بشأن الفصل العنصري والجرائم المحتملة بموجب القانون الدولي، مع ضرورة التمييز بين التوصيفات الحقوقية والتقديرات القانونية والأحكام القضائية.

إن الادعاء بأن الكيان المحتل يمتلك جيشاً «أكثر أخلاقية» لا يمكن أن يكون دليلاً على صحته، فالأخلاق لا تُمنح بقرار سياسي ولا تُثبتها الشعارات، وإنما تُقاس باحترام حياة المدنيين، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، والتحقيق في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها.

لقد بدأت الحصانة الأخلاقية تتآكل لأن الذاكرة التاريخية لم تعد قادرة وحدها على حجب الحاضر، فالتاريخ ليس ملكية سياسية حصرية، والضحايا لا يُمنحون الحق في إخضاع ضحايا آخرين، ومن يطالب العالم بألا ينسى المأساة التي تعرض لها شعبه، لا يستطيع أن يطالبه في الوقت نفسه بتجاهل مأساة شعب آخر.

ثالثاً: الجامعات والشارع الغربي.. تصدع الإجماع الذي حمى الكيان المحتل

لم يعد التضامن مع فلسطين محصوراً في الأوساط العربية والإسلامية، ولا في الحركات السياسية التقليدية التي اعتادت الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، فقد شهدت جامعات وعواصم غربية احتجاجات واسعة شارك فيها طلاب وأكاديميون وناشطون حقوقيون ومواطنون من خلفيات مختلفة، مطالبين بوقف الحرب على غزة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومراجعة أشكال الدعم السياسي والعسكري المقدمة للكيان المحتل.

تكشف هذه التحركات عن تحول مهم في طبيعة النقاش العام داخل المجتمعات الغربية، فالقضية الفلسطينية لم تعد تُناقش حصراً من زاوية الأمن والتحالفات والمصالح الاستراتيجية، بل أصبحت ترتبط على نحو متزايد بأسئلة الاستعمار والتمييز العنصري وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.

لقد اصطدمت الرواية الصهيونية بجيل يستطيع الوصول إلى مصادر متنوعة، ومقارنة الخطاب الرسمي بالشهادات الميدانية، ومناقشة سياسات الحكومات بعيداً عن الأطر التقليدية التي ظلت تتحكم في النقاش، كما اتسعت دوائر الاعتراض لتشمل أصواتاً يهودية ترفض الاحتلال وتنتقد سياسات الكيان المحتل، وهو ما يضعف الادعاء بأن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين موقف معادٍ لليهود بطبيعته.

كل ذلك لا يعني أن الدعم الغربي للكيان المحتل قد انهار، أو أن التحولات الشعبية تحولت بالضرورة إلى سياسات حكومية، فما تزال المصالح الاستراتيجية والتحالفات العسكرية والضغوط السياسية عوامل مؤثرة في مواقف عدد من الدول الغربية، غير أن الفجوة بين مواقف قطاعات من الرأي العام ومواقف بعض الحكومات أصبحت أكثر وضوحاً، وهو تطور لا يمكن تجاهله عند تقييم مستقبل شرعية سياسات الاحتلال في الخارج.

لقد أصبحت القضية الفلسطينية اختباراً لمصداقية الديمقراطيات الغربية نفسها، فكيف يمكن لحكومات أن تجعل من القانون الدولي وحقوق الإنسان أساساً لخطابها السياسي، ثم تتعامل مع انتهاكات الحقوق الفلسطينية بمعايير مختلفة؟ وكيف يمكن إقناع الشباب بأن حقوق الإنسان عالمية إذا كانت الحماية السياسية تتقدم أحياناً على مبدأ المساواة أمام القانون؟

هنا لا يخسر الكيان المحتل جزءاً من تعاطف الرأي العام فحسب، بل يجد حلفاءه أيضاً أمام أزمة مصداقية، فحين تتعارض الشعارات المعلنة مع المواقف العملية، تصبح ازدواجية المعايير جزءاً من المشكلة، ويغدو الدفاع عن السياسات الصهيونية عبئاً سياسياً وأخلاقياً متزايداً.

رابعاً: تسييس تهمة معاداة السامية.. الاتهام يستخدم للهروب من المساءلة

من الأدوات التي اعتمدت عليها بعض الدوائر الرسمية والسياسية المؤيدة للكيان المحتل مواجهة الانتقادات عبر ربطها بمعاداة السامية. الخطورة تبدأ عندما يتم الخلط بين اليهودية والصهيونية، وبين اليهود باعتبارهم جماعات بشرية متنوعة والكيان المحتل باعتباره كياناً سياسياً يمارس سلطته وقراراته، لا يخدم مكافحة العنصرية، بل يخلط بين الهوية الدينية والموقف السياسي، ويحوّل النقاش من مساءلة السياسات إلى محاولة إسكات منتقديها.

فانتقاد الاستيطان ليس معاداة للسامية، والمطالبة بإنهاء الاحتلال ليست كراهية لليهود، والدعوة إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ليست تحريضاً عرقياً.

المعيار هنا واضح: يجب تقييم الخطاب وفق مضمونه وسياقه، لا وفق ما إذا كان يزعج حكومة الكيان المحتل أو يحرج حلفاءها. فالمحاسبة السياسية والحقوقية لا تتحول إلى عنصرية لمجرد أنها تستهدف سياسات صهيونية، مثلما لا تصبح الكراهية مشروعة لمجرد أن صاحبها يرفع شعار التضامن مع فلسطين.

وقد أدى الإفراط في توظيف الاتهام في بعض الحالات إلى إثارة الشكوك بشأن دوافع استخدامه، خصوصاً عندما يُوجَّه إلى صحفيين وأكاديميين وناشطين ومنظمات يهودية تنتقد الاحتلال، فكلما استُخدمت تهمة خطيرة خارج حدودها الحقيقية، تراجعت قدرتها على أداء وظيفتها المشروعة في مواجهة العنصرية.

إن تحويل معاداة السامية إلى درع سياسي يحمي السياسات الصهيونية من النقد لا يسيء إلى المدافعين عن الحقوق الفلسطينية وحدهم، بل يضر كذلك بجهود مكافحة معاداة السامية نفسها، فالخلط بين النقد المشروع والكراهية الحقيقية يبدد وضوح المعايير، ويضعف الثقة في المؤسسات التي يفترض أن تدافع عن حرية التعبير والمساواة.

وبذلك، تتحول الأداة التي يُراد منها حماية الرواية الصهيونية إلى مصدر إضافي لأزمتها، لأنها تكشف عجزاً عن مواجهة الحجة بالحجة، والوقائع بالتفسير، والانتقادات بالمساءلة.

خامساً: الإعلام الرقمي.. من احتكار الرواية إلى صراع مفتوح على الحقيقة

لم تكن الثورة الرقمية مجرد تطور في وسائل نقل المعلومات، بل كانت تحولاً في توزيع سلطة إنتاج الرواية وتداولها، فقد أصبح بإمكان الفلسطينيين والصحفيين المستقلين والباحثين والناشطين نشر الشهادات والتقارير والصور التي لا تحظى دائماً بمساحة كافية في الإعلام التقليدي، كما بات الجمهور قادراً على مقارنة مصادر مختلفة ومراجعة التصريحات الرسمية بدلاً من الاكتفاء برواية واحدة.

وفي الحالة الفلسطينية، اكتسبت الشهادات القادمة من غزة قدرة استثنائية على تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية والسياسية، فمشاهد فقدان الأسر، وتدمير المنازل، ونزوح المدنيين، ومعاناة الأطفال، أعادت القضية إلى بعدها الإنساني المباشر، بعيداً عن محاولات اختزالها في معادلات أمنية أو صراعات جيوسياسية مجردة.

لقد أعادت المنصات الرقمية توزيع الأدوار: لم يعد المسؤول السياسي وحده من يروي الحدث، ولم يعد الصحفي القادم من الخارج المصدر الوحيد للشهادة، ولم يعد الفلسطيني مضطراً إلى انتظار من يتحدث باسمه، أصبح قادراً على نقل تجربته وتوثيق معاناته ومساءلة الروايات التي تتجاهل حقوقه.

غير أن هذا التحول لا يبرر التعامل مع المحتوى الرقمي باعتباره حقيقة مطلقة، فالمنصات نفسها فضاء للتضليل والمعلومات غير الدقيقة، كما أن الخوارزميات وسياسات الإشراف قد تؤثر في ظهور المحتوى وانتشاره، ولذلك فإن معيار المصداقية يظل قائماً على التحقق من الأدلة، ومقارنة المصادر، وفحص السياقات، وعدم تحويل التضامن الإنساني إلى مبرر لقبول معلومات غير موثقة.

لكن هذه التحفظات لا تلغي الأثر الجوهري للثورة الرقمية: فقد أصبح من الصعب على الكيان المحتل أن يفرض تفسيراً واحداً للوقائع أو أن يضمن أن تصل روايته إلى الجمهور من دون منازعة، فكل بيان رسمي أصبح قابلاً للمقارنة، وكل ادعاء أصبح عرضة للفحص، وكل محاولة لتهميش الشهادة الفلسطينية تواجه احتمال ظهور أدلة وشهادات جديدة.

لقد انتقلت المعركة من مرحلة كان فيها التحكم في تدفق المعلومات يمنح أفضلية حاسمة، إلى مرحلة أصبح فيها التحكم في تفسير الوقائع أكثر صعوبة، وهذه ليست نهاية التضليل أو انتصاراً آلياً للحقيقة، لكنها نهاية نسبية لاحتكار الرواية، وبداية مرحلة تتزايد فيها كلفة التناقض بين الخطاب والواقع.

سادساً: أصل الأزمة هو الاحتلال.. لا خلل العلاقات العامة

قد يلجأ الكيان المحتل إلى حملات إعلامية جديدة، وتكثيف نشاطه الدبلوماسي، واستقطاب المؤثرين، ومواجهة المحتوى المنتقد لسياساته، لكن هذه الأدوات، مهما بلغت احترافيتها، لن تعالج أصل الأزمة ما دامت الممارسات التي تغذيها مستمرة.

فالمشكلة ليست أن العالم لم يفهم الرواية الصهيونية على نحو كافٍ، بل أن قطاعات متزايدة من الرأي العام لم تعد تقبلها باعتبارها مبرراً لتجاهل حقوق الفلسطينيين. وليست المشكلة في عجز الخطاب الرسمي عن شرح العمليات العسكرية، بل في أن الشرح لا يمحو آثار الدمار، ولا يعيد الحياة إلى الضحايا، ولا يلغي حقائق الاحتلال والاستيطان والتهجير.

إن الأزمة التي تواجه الكيان المحتل تتجاوز المجال الإعلامي إلى بنية سياسية وأخلاقية تتصل باستمرار الاحتلال، وغياب المساواة، وإنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية، والإفلات من المساءلة. ولهذا، فإن أي محاولة لاستعادة المصداقية ستظل محدودة الأثر ما لم تقترن بتغيير حقيقي في السياسات والممارسات.

ويقتضي ذلك إنهاء الاحتلال، ووقف التوسع الاستيطاني، واحترام حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، والالتزام بالقانون الدولي، وإخضاع الانتهاكات للتحقيق والمحاسبة.

أما محاولة معالجة الأزمة بتجميل الصورة، مع الإبقاء على أسبابها، فلا تعني سوى إدارة التناقض وتأجيل انفجاره، فالعلاقات العامة تستطيع تحسين الانطباع مؤقتاً، لكنها لا تستطيع تحويل الاحتلال إلى عدالة، ولا القوة العسكرية إلى شرعية أخلاقية مطلقة، ولا حرمان شعب من حقوقه إلى وضع مقبول لمجرد أن الخطاب السياسي أحسن صياغته.

إن الرواية الصهيونية لا تواجه أزمة تعبير فحسب، بل أزمة مضمون، ولا تعاني من نقص في المتحدثين باسمها، بل من اتساع المسافة بين ما تعلنه وما تكشفه الوقائع، وهذه المسافة لا تُردم بإنتاج خطاب أكثر براعة، وإنما بمعالجة الأسباب السياسية والحقوقية التي جعلت الرواية نفسها موضع مساءلة.

خاتمة: غزة لم تُسقط القوة.. لكنها أسقطت قدراً كبيراً من قدرتها على تبرير نفسها

إن تراجع الرواية الصهيونية لا يعني اختفاء نفوذ الكيان المحتل، ولا انهيار دعم حلفائه، ولا انتصار العدالة بصورة نهائية، فما يزال الاحتلال يمتلك أدوات عسكرية ودبلوماسية وإعلامية واسعة، وما تزال المصالح الاستراتيجية تؤثر في قرارات عدد من الحكومات. كما أن تحول الرأي العام لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير فوري في السياسات الرسمية.

لكن ما تغير بعمق هو أن الكيان المحتل لم يعد قادراً على احتكار تعريف الضحية، أو فرض تفسير واحد للصراع، أو الاستناد إلى الذاكرة التاريخية باعتبارها إعفاءً دائماً من المساءلة، لقد أصبحت روايته موضوعاً للنقد والتدقيق، وأصبح التناقض بين شعاراته وممارساته جزءاً أساسياً من النقاش العالمي بشأن شرعيته وسياساته.

لقد كشفت غزة حدود الدعاية حين وضعت العالم أمام مشاهد لا تستطيع البلاغة السياسية إلغاءها، وأعادت إلى الواجهة السؤال الذي حاولت الرواية الصهيونية طويلاً تأجيله: كيف يمكن تبرير استمرار الاحتلال وانتهاك الحقوق الفلسطينية بخطاب يتحدث عن الحرية والديمقراطية والعدالة؟

لم تتراجع الرواية الصهيونية لأن العالم أصبح موحداً حول فلسطين، ولا لأن موازين القوة انقلبت فجأة، بل لأن قطاعات واسعة من الرأي العام بدأت ترفض أن تكون الذاكرة التاريخية بديلاً عن العدالة، أو أن يتحول الأمن إلى ذريعة مفتوحة لتبرير معاناة شعب آخر، أو أن تُمنح قوة الاحتلال امتياز تحديد المعايير التي يُحاسَب بها الآخرون ويُستثنى منها.

إن المأزق الحقيقي الذي يواجه الكيان المحتل اليوم هو أن أدوات القوة التي كانت تضمن له التفوق الميداني لم تعد تضمن له التفوق الأخلاقي، وأن النفوذ السياسي الذي كان يساعده على احتواء الانتقادات لم يعد قادراً على إسكاتها، وأن الرواية التي احتكرت طويلاً موقع الضحية باتت تواجه أسئلة الضحايا الذين حاولت تهشيمهم وتهميشهم.

لقد استطاعت الدعاية الصهيونية، لعقود، أن تؤخر مواجهة الحقيقة، لكنها لم تستطع إلغاءها، وحين أصبحت الصورة أقوى من البيان، والشهادة أكثر إقناعاً من التبرير، والواقع أكثر بلاغة من الخطاب، بدأت الأسطورة تفقد سلطتها على العقول والضمائر.

غزة لم تُسقط القوة العسكرية للكيان المحتل، لكنها كشفت حدود قدرتها على صناعة الشرعية، ولم تُنهِ التحالفات التي تحميه، لكنها عرّت التناقض بين المصالح المعلنة والقيم المرفوعة، والأهم أنها أعادت الفلسطيني إلى موقعه الطبيعي: إنساناً مكافحا وصاحب حق وشاهداً على مظلوميته، لا مجرد تفصيل في رواية يكتبها المحتل ويطلب من العالم أن يصدقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *