أما بعد

أما بعد.. عندما تصبح مطالب “جيل زد” ثابتا في الرؤية الملكية للتنمية

الملك في البرلمان

لم يكن تزامن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية في 10 أكتوبر 2025 مع احتجاجات الشباب التي ارتبطت بما عُرف بحركة “جيل زد” مجرد تفصيل عابر في سياق سياسي واجتماعي مشحون، لقد شكلت تلك اللحظة مناسبة لإعادة التأكيد على أن المطالب الاجتماعية، وفي مقدمتها التشغيل والصحة والتعليم، ليست قضايا طارئة تفرضها حرارة الشارع، بل اختبارات حقيقية لنجاعة السياسات العمومية وقدرة المؤسسات على الاستجابة لانتظارات المواطنين.

فإذا كان الملك محمد السادس قد اختار يومها أن يتفاعل مع نبض الشارع من خلال 3 إشارات كبرى تحمل في طياتها جملة من التدابير والإجراءات، فإنه بعد عام، وفي سياق سياسي واجتماعي مختلف، عاد في خطابه في افتتاح البرلمان يوم الجمعة الماضي، إلى الرسائل ذاتها والتعليمات نفسها، ليؤكد لشباب شعبه أنه لا ينتظر الاحتجاج للتفاعل مع قضاياهم، ولا يجعل من حرارة الشارع محركا لوضع مطالبهم نصب عينه، بل إن طموحاتهم هي ذاتها طموحات الملك الذي تولى العرش شابا وحمل معه قضايا الشباب إلى المشور السعيد.

في خطاب العام الماضي، برزت ثلاث رسائل أساسية تتصل بطبيعة العمل السياسي والتنموي، وترتيب الأولويات، وتوزيع المسؤوليات، وهي رسائل لم تكن منفصلة عن سياقها الاجتماعي، حتى من دون تسمية حركة “جيل زد” أو الإحالة المباشرة إلى احتجاجاتها. فقد انصبت على مكامن الخلل التي تجعل المطالب الاجتماعية قائمة، وعلى الشروط اللازمة للانتقال من إعلان النوايا إلى تحقيق النتائج.

أولى هذه الرسائل تعلقت بـ”عقلية الفاعل السياسي”، حين شدد الملك على أن “التحول الكبير، الذي نسعى إلى تحقيقه على مستوى التنمية الترابية، يتطلب تغييرا ملموسا في العقليات، وفي طريقة العمل، وترسيخا حقيقيا لثقافة النتائج؛ وذلك بناء على معطيات ميدانية دقيقة، وباستعمال التكنولوجيات الرقمية”.

ولم يكن التشديد على تغيير العقليات تفصيلاً إجرائياً، بل إقراراً بأن اختلالات التنمية لا ترتبط دائماً بنقص الموارد أو غياب البرامج، وإنما قد تكون مرتبطة أيضاً بطرائق التدبير، وضعف التقييم، وانفصال بعض القرارات عن الواقع الميداني. فحين تصبح النتائج معياراً للمساءلة، لا يكفي المسؤول أن يستعرض المشاريع المبرمجة أو الاعتمادات المرصودة، بل يصبح مطالباً بإثبات أثرها الفعلي على حياة المواطنين.

أما الرسالة الثانية، فحددت الأولويات التنموية بوضوح، من خلال إعطاء الأولوية لـ”توفير فرص الشغل للشباب والنهوض بقطاعي الصحة والتعليم”، إلى جانب “تأهيل المجال الترابي، وإعطاء الأولوية للمناطق الأكثر هشاشة خاصة الواحات والجبل ومواصلة تنمية الساحل”، ثم أكد الملك على ضرورة التكامل بين البرامج الاجتماعية والمشاريع الوطنية الكبرى، التي “يجب ألا يكون بينها تعارض أو تنافس وان تصب كلها في وادي تنمية البلاد وتحسين عيش المواطنين”.

أما الرسالة الثالثة، فتمحورت حول “المسؤولية المشتركة”، من خلال الدعوة إلى “العناية بتأطير المواطنين وتعريفهم بالمبادرات والقوانين وحقوقهم”، وعدم حصر مسؤولية التواصل في الحكومة وحدها، بل إشتراك البرلمان والأحزاب والمجالس المنتخبة والإعلام والمجتمع المدني ومختلف القوى الحية في هذه المسؤولية.

وبعد عام، عاد الملك إلى من هذه القضايا والرسائل في خطاب افتتاح الدورة التشريعية الجديدة، في سياق تغيرت فيه رئاسة الحكومة، وتجددت فيه عضوية مجلس النواب، بينما تقترب الولاية الحالية لمجلس المستشارين من نهايتها. ومن ثم، فإن استعادة الأولويات نفسها تطرح سؤال الاستمرارية في السياسات العمومية، ومدى قدرة المؤسسات المتعاقبة على تحويل التوجيهات المعلنة إلى التزامات قابلة للتنفيذ والتقييم.

فكان الملك هذه المرة أكثر قصدا وأشد تأكيدا على أن قضايا الشباب “يتعين أن توضع في صدارة السياسات العمومية، واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال وضع تصور متكامل، يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي”.

والأهم أن الملك ربط هذه السياسات بأثرها في الحياة اليومية للشباب وقناعاتهم الشخصية، “وذلك بما يعزز الثقة في قدرتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم، لبناء مستقبل أفضل، في ظل الحرية والكرامة والاستقرار”.

وفي امتداد لهذا التصور، عاد الملك إلى سرد الأولويات التنموية والتأكيد على العدالة المجالية باعتبارها مدخلاً أساسياً لتحقيق التنمية المندمجة، مشددا على أن “الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة، هو العمل الميداني، على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها. فالنهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، يرتبط ارتباطا وثيقا بمسار الجهوية المتقدمة، وتفعيل اللاتمركز الإداري”.

وأيضا بالتذكير بأن المغرب انخرط “برؤية واضحة في دينامية جديدة من الإصلاحات والمشاريع الكبرى”، إذا كان المغرب في حاجة إلى “تسريع المشاريع المبرمجة، في البنيات التحتية”، فإنه يتعين عليه أيضا “إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، لاسيما في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي” إضافة إلى “التعجيل بتطوير قدرات المملكة، في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية”، وهي القضايا التي سبق أن تعليمات ملكية في خطب سابقة.

أما على مستوى تغيير “عقليات المسؤولين” (كما أسميناها العام الماضي)، فقد اختار الملك هذه المرة وضع الأصبع على جرح “التأخير والاختلالات، التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية واللا تمركز الإداري”، والتي “تنعكس سلبا على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعيق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين”، كما جاء في منطوق الخطاب الملكي.

وكان الخطاب الملكي في هذه النقطة بالذات، أشد لهجة وأكثر حزما، إذ الخطاب موجه أساسا إلى الإدارة، حين خاطبها بعتاب واضح: “لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل، في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يقتضيه من نقل للصلاحيات، والموارد البشرية والمالية الضرورية، من المركز إلى الأقاليم والجهات”.

ووسع الملك باب “المسؤولية المشتركة” لتشمل أيضا القطاع الخاص، الذي أهاب به “أن يرتقي إلى فاعل استراتيجي، في التحول التنموي ببلادنا، وأن يكون أكثر مبادرة وابتكارا، وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل، وعلى الاستثمار والتصدير”، وليست المرة الأولى التي يوجه فيها الملك الخطاب إلى القطاع الخاص بأن يكون قطاعا مواطنا، ومساهما في التنمية وتحسين مناخ الأعمال وتمويل المبادرات المبتكرة والإسهام في تقليص الفوارق المجالية وتعزيز الاندماج الاقتصادي… الخ.

إن اختيار الملك محمد السادس المستوى السياسي ذاته (افتتاح الدورة التشريعية)، من أجل العودة إلى القضايا نفسها في سياقين سياسيين واجتماعيين وجيو استراتيجيين مختلفين، تأكيدٌ على أن مطالب الشباب دائمة التواجد فوق طاولة الدولة، وأنها نصب عيني الملك في جميع سياساته وتوجيهاته، وأنها الغاية والهدف والمحرك والدافع في الآن ذاته للطموح الذي اشتغل عليه الملك لما يزيد عن ربع قرن، من رهانات: حسم القضية الوطنية والتحديث الاقتصادي وتطوير البنيات التحتية وتعزيز حضور المملكة إقليمياً ودولياً، والذي بات مؤهلا ليشكل “منعطفا حقيقيا” نحو تحول المغرب إلى “قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، في توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية”، كما قال الملك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *