حينما تحيي تغطية الإنترنيت جغرافية هامش الجماعات الترابية

حين يرخي المساء سدوله الثقيلة على ذلك الدوار المترامي على أطراف المركز لا يحمل الليل معه سكون الراحة كما يتوقع العابرون بل يعلن عن بداية فصل جديد من فصول المكابدة اليومية حيث تتوارى التفاصيل البسيطة خلف جدران الصمت وتستحيل أبسط مقومات العصر حكايات كفاح تروى بمرارة.
على قمة التلة المشرفة على البيوت المتراصة تقف أميمة تلك الزهرة البرية التي تتحدى عواصف الثانوي التأهيلي لم تصعد لتتأمل شفق الغروب البديع ولا لتوثق بعدسة هاتفها لحظة عابرة للذكرى بل جاءت تخوض معركتها الشرسة مع الهواء والرياح الباردة بخطوات حثيثة وأصابع متجمدة ترفع جهازها الذكي نحو السماء كمن ينقب عن قطرة ماء في صحراء قاحلة بحثا عن تلك الإشارة الضالة للإنترنت التي تقيها برد الفراغ الأكاديمي تقف هناك تصارع صقيع الشتاء ووعورة المكان لتنزيل درس مسجل يمثل الجسر الوحيد نحو أحلامها البعيدة التي تسبق عتبة البكالوريا.
وعلى مسافة خطوات قليلة في الأسفل داخل مقر التعاونية النسوية تقاوم لالة يطو خيبة من نوع آخر أشد مرارة وأعمق أثرا تقف بشموخ أمام زوايا الغرفة المليئة بعبق الأرض حارسة لكنوز حقيقية نقتها بعناية فائقة من أوراق عطرية تروي حكايات الحقول وزيوت طبية صافية صنعتها كفاها المخضبتان بتجربة السنين وبقايا الأمل غير أن هذه التحف الحية تظل حبيسة الجدران مغمورة في ظل النسيان لا يعلم بوجودها أحد خارج حدود هذا الدوار القصي.
تحاول لالة يطو كسر هذا الطوق الرقمي لترفع صورة واحدة لمنتجها نحو منصة البيع الإلكتروني معلقة عليها آمالا عريضة تمضي عشرون دقيقة كاملة من الانتظار المضني وعينها المتبصرة تترقب مؤشر التحميل البطيء وقبل أن تكتمل الفرحة المنشودة ببرعم البيع القادم تتبخر الشبكة في جزء من الثانية لتتلاشى جهود ساعات طويلة وتنسكب في اللاشيء تاركة خلفها صمتا أثقل من الجبال.
على الورق يبدو المغرب دولة متصلة بامتياز حيث يمارس أكثر من واحد وتسعين بالمائة من المغاربة حيازة العالم الرقمي وتتجاوز تغطية الجيل الرابع سبعة وتسعين بالمائة من التراب الوطني لكن هذه المعدلات البراقة تخفي حقيقتين مريرتين الأولى أن الربط داخل المنازل ما زال شبه منعدم في الوسط القروي بنسبة لا تتجاوز ثمانية وأربعين بالمائة من الأسر القروية مقابل قرابة تسعين بالمائة في المدن والثانية أن مجرد وجود الشبكة لا يعني جودتها ولا قدرة الجيب على تحمل تكاليفها فالأعمدة المرتفعة على الأطراف لا تضمن تدفقا مستقرا إذ تنهار سرعة الولوج كلما ابتعدنا عن المركز الحضري وتبدو الاشتراكات التجارية باهظة بالنسبة إلى أسر تعيش على مداخيل موسمية متذبذبة والتقارير الحديثة تكشف أن قرابة أربعين بالمائة من الجماعات الترابية القروية كانت لا تزال محرومة من اتصال مستقر في وقت تصنف فيه الاتحادية الدولية للاتصالات فجوة المدينة والقرية بالمغرب ضمن الأوسع في أفريقيا بنسبة وصلت إلى ضعفين ونصف الضعف.
وهنا يتجلى الوجه الإنساني القاسي للفجوة الرقمية الذي تتجاهله الأرقام السطحية فالتلميذ في الوسط القروي لا يبحث عن الإنترنت كمفهوم مجرد بل عن مسار تعليمي عادل يمر عبر منصات الدروس المسجلة والامتحانات الوطنية التي أصبحت مرتبطة بلا مفر بمحيط رقمي وصولا إلى منصات التسجيل الجامعي التي تفتح أبوابها وتغلقها في مواعيد صارمة لا ترحم من يفتقر إلى الاتصال ومن يظن أن الهاتف الذكي يحل المشكلة فليتأمل حال أسرة ذات ثلاثة أبناء تتقاسم رصيد جيغابايت واحد لمتابعة المحاضرات والملفات الدراسية فينفذ الرصيد في منتصف الشهر ويتحول كل درس إلى عبء إضافي يثقل كاهل البيت وفي زوايا بلادنا وخلف صخب المدن الكبرى يعيش نحو مليون ونصف المليون شاب في مساحة معتمة فلا هم في مقاعد الدراسة ولا هم في ميادين الشغل أو التكوين ويتوزع أكثر من نصفهم على جغرافيا الهامش القروي يحلمون بفرصة للانعتاق.
هؤلاء الشباب لا ينتظرون شعارات براقة ولا منصات رقمية وهمية تبيعهم السراب بل يطمحون إلى واقع ملموس يفتح لهم نافذة نحو عالم الأعمال الحرة أو المهن عن بعد غير أن هذا الطموح المتقد يصطدم بالواقع الراكد الذي يرفض أن يتغير لأن العبور إلى هذا العالم الأثيري يستلزم شريانا حيويا مفقودا يتمثل في اتصال بالإنترنت مستقر وميسور التكلفة وبدونه يبقى العالم الرقمي قلعة محصنة لا يملكون مفاتيحها.
وليس التمكين الاقتصادي للنساء داخل التعاونيات المحلية بأحسن حال إذ يقف على أرض أكثر هشاشة ففي أعمق أرجاء الدوار تسهر أيد ناعمة على غزل منتجات محلية تزخر بقيمة اقتصادية وثقافية عالية لكنها تظل سجينة جدران الطين والنسيان وفي غياب شبكة اتصال مرنة وتكوين رقمي يفك عزلتها تبقى تلك المنتجات حبيسة مكانها عاجزة عن بلوغ الأسواق التي تنتظرها.
تكتمل هذه الدراما الرقمية بحقيقة صادمة يوثقها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تتمثل في كون أقل من عشرين بالمائة فقط من الشباب القروي يستفيدون من المنصات الرقمية للخدمات العمومية والمأساة هنا لا تكمن في غياب الخدمة ذاتها بل في كون الطريق إليها غير ممهد أساسا وهو طريق يملؤه الحرمان وتفتقر حافاته لأبسط مقومات الوصول
وعند التساؤل عن سبب غياب الشبكة عن الأماكن التي تحتاجها بشدة يبرز الجواب البسيط والمزعج المتمثل في منطق السوق حيث تستثمر الشركات التجارية الكبرى في المناطق ذات الكثافة السكانية والقدرة الشرائية العالية لا حيث توجد الحاجة الماسة وهذه المعادلة لا تقتصر على الدوار البعيد فحسب بل تمتد أيضا إلى الأحياء الهامشية وأطرافها المتفرعة حيث يكفي التجوال مسافة كيلومترات قليلة عن المركز لتتراجع الجودة وتضعف الخيارات.
هذا الطرح ليس اتهاما أخلاقيا بل قراءة واضحة في اقتصاد البنيات التحتية حيث تبدو التمديدات مكلفة والعائد في الجماعات القروية المتناثرة بطيئا وقد أكدت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن الفجوة في جودة الاتصال بين المدن والقرى لا تتقلص رغم التقدم بل تتسع لتبقى السرعات الثابتة في المدن الكبرى أعلى بنسبة أربعة وأربعين بالمائة مقارنة بالمناطق النائية.
إن المشكلة عالمية في بنيتها لكن لكل مجتمع مفاتيحه في حلها وبينما ننتظر أن يصحح السوق نفسه يعبر جيل كامل من أبناء الجماعات الترابية القروية نحو الجامعة وعقد التشغيل الأول دون أن يمسكوا بأداة العصر الأساسية ومن يتأمل المشهد عن قرب يدرك حجم الحلقة المفرغة فلا استثمار تجاري بلا كثافة ومردودية ولا مردودية لمنطقة يقصي سكانها غياب الشبكة عن اقتصاد المعرفة.
وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه هل ننتظر تحول منطق السوق أم نبني الشبكة بأيدينا إن تنزيل الإرادة الملكية بخصوص برامج التنمية الترابية المندمجة يفتح بابا ثالثا حيا وقابلا للقياس يتمثل في بناء الشبكات المجتمعية اللاسلكية وهي فكرة ليست تقنية معقدة بل مسارا تنمويا مكتمل الأركان جربته جماعات في عدة بلدان بنجاح بدءا من شبكات الأحياء المفتوحة في أوروبا وصولا إلى شبكات القرى التعاونية في أمريكا اللاتينية حيث تعتمد هذه التجربة على شبكات مترابطة مفتوحة المصدر تنصب عقدها على المباني العمومية ودور الشباب والمراكز السوسيو ثقافية ومقرات الجماعات وتدار محليا من قبل شباب ونساء يجري تدريبهم على تركيبها وصيانتها لتوفير اتصال أساسي بالإنترنت وموارد رقمية محلية بأسعار رمزية أو مجانية للفئات الهشة.
المنطق في هذا الخيار يبدو بسيطا ومباشرا فالملكية المجتمعية وتقنيات المصدر المفتوح يخفضان الكلفة التشغيلية والشراكة مع المجلس الجماعي توفر البنية التحتية المتاحة أصلا بينما يحول التدريب مشكلة البطالة إلى طاقة تشغيل للشبكة نفسها ولا تبدو الفكرة خيالية في بلد نجح برنامجه الرقمي الموجه للجيل الجديد في تدريب عشرات الآلاف من الشباب في العالم القروي والحضري الهامشي مع التطلع لتوسيع نطاق الاستفادة ليطال أعدادا مضاعفة.
لا شك أن هذا المسار يحمل التزامات قانونية تنظيمية لكنها ليست مستحيلة فالقطاع خاضع للتنظيم وتدبره الجهات المختصة وإقامة الشبكات العامة تستلزم تراخيص صارمة غير أن مبادرات المجتمع المدني غير الربحية التي تعتمد تقنيات محلية النطاق في إطار تعاوني جمعوي يمكن تكييفها قانونيا عبر اتفاقيات شراكة واضحة مع الجماعات الترابية تؤطر النشاط في جانبه التنموي والاجتماعي لا التجاري وفي مقابل التحفظ المفهوم لدى بعض المتدخلين إذا فهمت المبادرة كمنافسة تجارية فإن التوضيح المسبق للطبيعة الجمعوية المشروع يحصن الشراكة من البداية.
يتطلب هذا الخيار جرأة مؤسساتية محلية تبدأ بفتح الجماعة الترابية لأماكنها العمومية لإجراء تشخيص تشاركي مع الساكنة لرصد النقاط السوداء ثم تنظيم ورشات تدريبية للشباب والنساء يليها محطة تجريبية تغطي ساحة عمومية كمرحلة لإثبات المفهوم قبل التوسع مع إدراج التوعية الرقمية والاستعمال الآمن للإنترنت لأن الربط دون وعي يعادل بناء طريق لا يعرف مستخدموه قواعد السير ومن المفيد أن تلزم الجماعة نفسها بمسح ميداني سريع يعتمد المعطيات الرسمية لتحديد معدلات التغطية بدقة لأن الإصلاح الذي لا يقاس لا يتحقق.
وعند إغلاق هذه السطور وعلى هامة تلك التلة القصية ما تزال أميمة تتطلع بعينين ملؤهما الأمل نحو أفق بعيد تطارد طيف إشارة هاتف لا تجيء وعلى الجانب الآخر من الدوار تقرفص لالة يطو داخل تعاونيتها تحت ثقل الصمت تنتظر زبائنا يحول بينهم وبينها جدار من العزلة.
إنها ليست مجرد قضية تقنية أو أرقام صماء تدرس في المكاتب المكيفة على بعد مئات الكيلومترات بل هي قضية مواطنة حية وكرامة تنتزع ففي هذا العصر الرقمي العاتي توجد حقيقة واحدة تكتب بالضوء أن من يملك الشبكة يملك المعرفة ومن يملك المعرفة ينسج خيوط المستقبل.
وحين تقف قوانين السوق عاجزة أو زاهدة عن الوصول إلى حيث ينبغي أن تكون فإن الخيار الأجرأ والأكثر عدلا في هذه الجماعات الترابية ليس الانتظار بل تسليم المقود لأهله من شباب يملكون الشغف والقدرة على التعلم وجماعة ترابية توفر الإطار والسند وتقنية حرة مفتوحة لا تحيز لأحد ولا تترك أحدا خلف الركاب لتبدأ من تلك الساحات المنسية ملحمة جديدة ينسج فيها أبناء الأرض شبكتهم بأيديهم ويصنعون غدهم برؤيتهم الخاصة.
اترك تعليقاً