من أجل استراتيجية وطنية تمنح جميع الرياضات وسائل النجاح

رسالة مفتوحة إلى السيد محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والرياضة
السيد الوزير المحترم،
بمناسبة تعيينكم من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، ضمن الحكومة التي تترأسها السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، أتقدم إليكم بأحر التهاني، متمنيًا لكم التوفيق في مسؤولياتكم الجديدة.
وبصفتي فاعلًا في الحركة الرياضية، أود أن أضع بين أيديكم مجموعة من المقترحات لبناء سياسة وطنية قادرة على تحويل كفاءاتنا ومواهبنا وطموحاتنا إلى إنجازات رياضية مستدامة.
تعيش كرة القدم المغربية دينامية متميزة، بفضل البنيات التحتية والموارد المالية والكفاءات واللاعبين الممارسين في أعلى المستويات الدولية، إلى جانب الهيكلة التدريجية للأندية. ومن شأن هذا الطموح أن يشكل مصدر إلهام لتطوير مختلف الرياضات الوطنية.
فالرياضة المغربية أوسع من كرة القدم والغولف والتنس. وهناك رياضات عديدة، خاصة الفردية منها، ما تزال تنتظر الشروط الضرورية لتكوين أطرها، ومواكبة شبابها، وإعداد أبطالها.
ويُذكّرنا تاريخنا الأولمبي بالدور الأساسي لألعاب القوى والملاكمة في إشعاع المغرب دوليًا. وقد جاءت الميدالية البرونزية التاريخية لكرة القدم في أولمبياد باريس 2024 لتُغني هذا الرصيد، وتدفعنا إلى توسيع فرص النجاح لتشمل رياضات أخرى.
1. إعادة الاعتبار إلى المعهد الملكي لتكوين الأطر مولاي رشيد ووضعه في صلب المنظومة الرياضية الوطنية
السيد الوزير، إن بناء سياسة رياضية طموحة يبدأ بتكوين الأشخاص الذين سيتولون تنفيذها.
يجب أن يستعيد المعهد الملكي لتكوين الأطر مولاي رشيد الإمكانات والمكانة والإشعاع الذي يتناسب مع رسالته. فالصعوبات التي تواجهها هذه المؤسسة تستدعي تشخيصًا جادًا وبرنامجًا للنهوض بها، قائمًا على التزامات عملية واضحة.
يجب أن يضطلع المعهد بدوره الكامل باعتباره العقل العلمي والبيداغوجي للرياضة الوطنية؛ فضاءً للتكوين والبحث والتفكير وإنتاج المعرفة القابلة للتطبيق في الميدان.
ويقتضي ذلك تعزيز التكوين الأساسي والمستمر للمدربين والمعدين البدنيين والمسؤولين التقنيين والمسيرين الرياضيين، وتطوير البحث في علوم الرياضة، وتوثيق الصلة بين المعهد والجامعات والجامعات الرياضية ومراكز الأداء.
كما يقتضي حسن توظيف كفاءات خريجيه. فالأطر التي تكوّنت لتأطير الرياضة يجب أن تتاح لها فرصة ممارسة تخصصها إلى جانب الرياضيين وداخل المؤسسات الرياضية. وينبغي أن يستجيب تعيينها ومسارها المهني للحاجات الفعلية للميدان.
إن تكوين أطر مؤهلة استثمار وطني، وتمكينها من ممارسة اختصاصها هو الامتداد الطبيعي لهذا الاستثمار.
2. إطلاق برنامج لإحداث اثني عشر مركزًا جهويًا للرياضة والأداء العالي
يستعد المغرب لإنجاز بنيات تحتية كبرى في أفق كأس العالم 2030. وينبغي أن يفتح هذا المجهود أيضًا آفاقًا مستدامة أمام باقي الرياضات.
وأقترح إطلاق برنامج، بمبادرة من الدولة وبشراكة مع الجهات، لإحداث اثني عشر مركزًا جهويًا للرياضة والأداء العالي: مركز واحد في كل جهة.
يجب أن تتوفر هذه المراكز على مرافق ملائمة لعدة رياضات: مسبح، وفضاءات للإعداد البدني، وقاعات للجودو والملاكمة وغيرها، إلى جانب خدمات التتبع الطبي والاستشفاء والمواكبة العلمية.
ويمكن تكييف تصميمها مع خصوصيات كل جهة، من خلال بناء التجهيزات الضرورية وإدماج المنشآت القائمة متى استوفت متطلبات المشروع.
لكن يجب أن يتوفر كل مركز، منذ مرحلة برمجته، على ميزانية للتسيير، وخطة للصيانة، وفريق مهني مؤهل. كما يجب أن يستند اختيار الأطر التقنية والإدارية إلى مؤهلات مثبتة وخبرة وكفاءة.
وبالتعاون مع الجامعات الرياضية والعصب والأندية والرياضة المدرسية، ستتيح هذه المراكز اكتشاف المواهب، وإعداد النخب الجهوية، وتكوين المدربين والحكام.
لا ننتظر أن تُنتج الجهة أبطالًا حتى نوفر لها وسائل تكوينهم. فلنبنِ شروط إعداد الخلف في جهات المملكة الاثنتي عشرة.
3. تمكين الجامعات الرياضية والعصب من الوسائل اللازمة لأداء مهامها
تؤدي العصب الجهوية دورًا أساسيًا في العمل الميداني: تطوير الأندية، وتكوين الشباب، وإعداد المنتخبات الجهوية، وتنظيم المنافسات، والرفع من كفاءة الأطر.
غير أن الإمكانات المتاحة تظل، في كثير من الأحيان، بعيدة عن حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها.
فاللجنة لا يمكن أن تشتغل بمجرد اسم على الورق وبعض النوايا الحسنة. إنها تحتاج إلى تمويل المؤطرين والتنقلات والتداريب والمعدات وتتبع الأنشطة.
واستنادًا إلى تقدير ميداني تقريبي، قد يتطلب برنامج سنوي جاد لتكوين الحكام ما لا يقل عن 100 ألف درهم للجنة واحدة، بحسب عدد الدورات والمستفيدين والمسافات الواجب قطعها. ولذلك، يجب أن تتوفر كل عصبة على ميزانية مبنية على برنامج عملها الفعلي.
وأقترح اعتماد تمويل متعدد السنوات، يُصرف وفق جدول زمني معلوم، مع تخصيص حصة واضحة للأنشطة الجهوية. ويجب أن يخضع استعماله للشفافية والتقييم، بناءً على التكوينات المنجزة، والشباب المستفيدين، والتقدم المحقق.
يجب أن تتناسب النتائج المنتظرة مع الإمكانات الممنوحة والمسؤوليات المسندة.
4. جعل الكفاءة والمسؤولية أساسًا للحكامة
تؤتي البنيات التحتية والميزانيات ثمارها عندما تكون المسؤوليات واضحة.
يجب أن تتوفر كل جامعة رياضية وكل عصبة وكل مركز على مشروع عمل، وتوزيع فعلي للمهام، ولجان تشتغل على أرض الواقع.
كما يجب الاعتراف بالكفاءات التقنية، ووضع ضوابط لتضارب المصالح، وفحص حصيلة العمل بانتظام. وينبغي أن يتيح العمل الجماعي لكل مسؤول ممارسة اختصاصه وتقديم الحساب عن نتائجه.
ويجب أيضًا ضمان استمرارية البرامج، حتى تستمر استراتيجية التكوين أو الإعداد الأولمبي رغم تغيّر الأشخاص.
5. بناء طموح أولمبي من الآن في أفق 2032 و2036
إن أولمبياد لوس أنجلوس 2028 قريب. ويجب توفير أفضل مواكبة ممكنة للرياضيين المنخرطين بالفعل في مسار التأهل وتحقيق الأداء.
وبالتوازي، يحتاج المغرب إلى استراتيجية تمتد من ثماني سنوات إلى اثنتي عشرة سنة، تكون فيها سنة 2032 محطة رئيسية للتقدم نحو منصات التتويج، وسنة 2036 أفقًا لترسيخ المكاسب وتنويع الرياضات المتوجة بالميداليات.
ويجب أن يقوم هذا الطموح على الاكتشاف المبكر للمواهب، ومدربين مؤهلين يتقاضون أجورًا مناسبة، ومنافسات منتظمة، وتتبع علمي وطبي، ومواكبة دراسية وجامعية واجتماعية للرياضيين.
يظل التأهل إلى الألعاب الأولمبية إنجازًا صعبًا يستحق الاحترام. لكن سياسة رياضة المستوى العالي يجب أن تطمح إلى أبعد من ذلك: تحديد الرياضيين القادرين على بلوغ الأدوار النهائية والمنافسة على الميداليات، وتوفير إعداد ملائم لهم، وتقييم تقدمهم في كل مرحلة.
علينا أن نحدد أهدافًا واقعية لكل رياضة، وأن نموّل مسارات بلوغها، وأن نستخلص الدروس من كل استحقاق.
السيد الوزير،
تستدعي هذه المقترحات قرارًا عمليًا أولًا: جمع الفاعلين المعنيين حول خارطة طريق وطنية، تتضمن جدولًا زمنيًا، ومسؤوليات محددة، وميزانيات، ومؤشرات معلنة لتتبع التنفيذ.
يزخر بلدنا بالمواهب والأطر ذات الخبرة، وبشباب يتطلع إلى النجاح. ويتوقف مستقبلهم الرياضي على الشروط التي نقرر بناءها اليوم.
فلنُعِد للمعهد الملكي مولاي رشيد قوته وإشعاعه. ولنُطلق المراكز الجهوية الاثني عشر. ولنُموّل عمل العصب. ولنُعِدّ أبطالنا على المدى الطويل.
ولنجعل من دينامية 2030 إرثًا لجميع الرياضات ولكل جهات المملكة.
وتفضلوا، السيد الوزير، بقبول فائق التقدير والاحترام، مع تأكيد التزامي بخدمة الرياضة الوطنية.
اترك تعليقاً