حتى يموتوا لي يعرفوكم عاد توليو قُياد… الوصم الاجتماعي

مباشرة بعد واقعة إعفاء وزيرة الـ 24 ساعة، قفز إلى ذهني المثل المغربي “حتى يموتوا لي يعرفوكم عاد توليو قياد”، فوجدت فيه تفسير ما حدث. فالمثل لا يتحدث عن الكفاءة وانعدامها، بل عن ذاكرة جماعية لا ترحم ولا تنسى. قد تبلغ أعلى المناصب، لكن من عرفوا بدايتك سيظلون يشدونك إليها شدا، فالناس لا تقبل أن تقودها وذاكرتها لا تزال تحتفظ بصورة ضعفك القديم.
هذا السلوك يفسره عالم الاجتماع إرفينغ غوفمان Erving Goffman في نظريته عن الوصم الاجتماعي La théorie de la stigmatisation. فكرته بسيطة ومؤلمة في نفس الوقت، المجتمع يلصق بك إتيكيت أو وصمة قديمة، وحتى لو غيرت حياتك وأصبحت وزيرة، يبقى الناس يرون فيك ذلك الإتيكيت ولا يرون منصبك الجديد. الوصمة تكون دائما أقوى من التعيين.
ويعز ذلك ما يسمى في علم النفس بالأثر الأول L’effet de primauté، أي أن دماغ الإنسان يحتفظ بأول معلومة سمعها عنك ولا ينساها. المشكلة أن تعارف الناس على الوزيرة لم يكن عبر برنامجها الوزاري أو مسارها المهني، بل كان عبر صورة مسربة انتشرت في الفايسبوك. فتبرمجت صورتها في الأذهان منذ اللحظة الأولى كـ “صاحبة فضيحة”، ورفض العقل بعد ذلك تقبل أي صورة جديدة لها كمسؤولة.
أما سر تلك الشراسة في التعليقات والهجوم الجماعي، فيفسره ما يسمى بالاستعراض الأخلاقي Le Moral Grandstanding. الناس لا تهاجم دفاعا عن الفضيلة كما تدعي، بل تهاجم لتشعر أنها أفضل منك أخلاقيا. فالهجوم يمنحها نشوة التفوق. قديما كان النرجم بالحجر في الساحة العمومية، واليوم أصبحنا نرجم بالبارطاج والتعليق، والغريزة واحدة.
لكن الشق الإنساني لا يجب أن ينسينا الشق السياسي، وهو الأهم.
بعيدا عن تحليل سلوك المجتمع، فإن إعفاء وزيرة بعد 24 ساعة ليس انتصارا للأخلاق كما يظن البعض، بل هو فشل ذريع لمنظومة الاقتراح والتدقيق.
الأسئلة الحقيقية هي:
- هل أخبرت الوزيرة حزبها بماضيها؟
- وهل فحص الحزب ملفها؟
- وهل قامت الأجهزة المكلفة بالبحث الإداري بعملها قبل الاقتراح؟
- وهل رئاسة الحكومة تدقق في الأسماء قبل رفعها؟
كان يجب أن يظهر هذا الملف قبل البلاغ الملكي، لا بعده. ما حدث يسيء لمسار تعيين الوزراء أكثر مما يسيء للسيدة نفسها التي تُركت عزلاء، بلا حزب يدافع، ولا حكومة توضح، في مواجهة محكمة فيسبوكية قاسية .
والقانون نفسه يمنح الإنسان بعد قضاء عقوبته حق رد الاعتبار La réhabilitation judiciaire، فلماذا يرفض المجتمع أن يمنحه نفس الحق؟ إذا كنا نطالب الإنسان بأن يتغير، فكيف نرفض الاعتراف بتغيره؟ ما جدوى التوبة إذا كنا قد قررنا سلفا ألا نغفر لأحد؟
الدولة القوية لا تحتاج أن يموت من يعرفك حتى تصبح قائدا، بل هي التي تختار قادتها وهي تعرف ماضيهم، وتقتنع أنهم تجاوزوه، وتدافع عن حقهم في بداية ثانية، وهو ما يسمى في القانون بالحق في النسيان Le droit à l’oubli.
وإلا فإننا سنظل نطبق الشطر الثاني من المثل الذي اخترعناه نحن: “حتى توليو قياد، عاد نجيبو لي كيعرفوكم يحاكموكم”
اترك تعليقاً