8 ملايين درهم سنويا بلا أثر ملموس.. شكوك الشفافية تلاحق حملات “تحسيس النظافة” بالبيضاء

أعادت الميزانيات المخصصة لحملات التحسيس والتوعية المرتبطة بقطاع النظافة بمدينة الدار البيضاء فتح النقاش بشأن شفافية تدبير الموارد المالية المرصودة لهذا المجال، ومدى انعكاسها على تحسين المشهد الحضري والارتقاء بمستوى نظافة الأحياء والشوارع.
وأثار عدد من أعضاء مجلس جماعة الدار البيضاء، الذين فضلوا عدم الكشف عن هويتهم، تساؤلات حول حجم الاعتمادات المالية المخصصة لهذه الحملات، مقارنة بالنتائج المحققة على أرض الواقع، وذلك في تصريحات متفرقة لجريدة “العمق المغربي”.
وتتمحور هذه التساؤلات حول طبيعة الالتزامات المالية التي كانت تتضمنها دفاتر التحملات السابقة المرتبطة بتدبير قطاع النظافة، والتي كانت تتيح تخصيص اعتمادات مالية من طرف شركات النظافة لفائدة شركة “كازا بيئة”، بهدف تنظيم حملات تحسيسية تستهدف المواطنين، وتحفيزهم على احترام قواعد النظافة والمحافظة على البيئة، والحد من السلوكيات التي تساهم في تدهور الوضع البيئي داخل العاصمة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، اعتبر عدد من المنتخبين أن المبالغ المرصودة لهذه الحملات تستدعي الوقوف عند كيفية تحديدها وتدبيرها، مشيرين إلى أن الاعتمادات المالية المخصصة للتحسيس تصل، وفق تصريحاتهم، إلى حوالي 8 ملايين درهم سنويا.
وأثار هذا الرقم نقاشا داخل الأوساط الجماعية بشأن مدى التناسب بين حجم الإنفاق والنتائج المحققة، خصوصا في ظل استمرار شكاوى المواطنين من مظاهر تراكم النفايات واختلالات النظافة بعدد من الأحياء والمناطق الحضرية.
وسجل المتحدثون أن الإشكال، من وجهة نظرهم، لا يرتبط فقط بحجم الميزانيات المرصودة، وإنما أيضا بمدى وضوح البرامج المعتمدة لتنفيذ الحملات التحسيسية، وطبيعة الفئات المستهدفة، والوسائل التواصلية المستخدمة، فضلا عن الآليات المعتمدة لتقييم أثر هذه المبادرات على سلوك المواطنين.
واعتبروا أن أي برنامج ممول من المال العام أو من الاعتمادات المرتبطة بتدبير مرفق عمومي ينبغي أن يكون قابلا للتقييم، من خلال مؤشرات دقيقة تبرز حجم الأنشطة المنجزة والنتائج المترتبة عنها.
وفي خضم هذا النقاش، كشفت مصادر أخرى أن شركة “كازا بيئة” وقعت، يوم الجمعة الماضي، وثائق تتعلق بإرجاع مبلغ يقارب 10 ملايين درهم إلى جماعة الدار البيضاء، يرتبط بميزانية التحسيس، وفق المعطيات التي توصلت بها الجريدة، حيث تعيد هذه الخطوة طرح تساؤلات بشأن طريقة تدبير الاعتمادات المرصودة لهذا الغرض، وأسباب استرجاع هذه الأموال، وطبيعة المبالغ التي لم يتم صرفها أو التي تقرر إعادتها إلى ميزانية الجماعة.
وأضافت المصادر ذاتها أن عملية استرجاع الاعتمادات المالية ليست الأولى من نوعها، مشيرة إلى أنه سبق إعادة مبلغ يناهز 20 مليون درهم خلال فترة جائحة كورونا. حيث أن مجموع المبالغ المسترجعة يعادل، بحسب تقديرات هذه المصادر، حوالي 50 في المائة من الميزانيات المخصصة للتحسيس، وهو ما يفتح المجال أمام ضرورة تقديم توضيحات بشأن القيمة الإجمالية للاعتمادات المرصودة، وكيفية صرفها، والأسس المعتمدة في احتساب المبالغ التي جرى إرجاعها إلى الجماعة.
وفي المقابل، أكدت المصادر ذاتها أن الشركة سبق أن أشرفت على تنفيذ مجموعة من الحملات والبرامج التحسيسية التي استهدفت تحسين سلوك المواطنين تجاه النظافة والبيئة، من بينها برامج “صيف نظيف” و”رمضان نظيف” و”خميس نظيف” و”عيد أضحى نظيف”، إلى جانب برنامج “مدارس خضراء” الموجه إلى الوسط المدرسي، بهدف ترسيخ ثقافة المحافظة على البيئة لدى الناشئة وتعزيز الوعي بأهمية النظافة في الفضاءات العامة.
وتطرح هذه البرامج بدورها سؤالا حول مدى استمراريتها وانتشارها داخل مختلف أحياء المدينة، ومدى قدرتها على إحداث تغيير ملموس في سلوك المواطنين، خصوصا أن فعالية حملات التحسيس لا تقاس فقط بعدد المبادرات المنجزة أو المواد التواصلية التي يتم إنتاجها، بل أيضا بمدى وصول رسائلها إلى الفئات المستهدفة، وانعكاسها على الممارسات اليومية المرتبطة بإخراج النفايات واحترام أوقات جمعها والمحافظة على نظافة الشوارع والساحات العمومية.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن تقييم هذه الميزانيات يقتضي التمييز بين الأموال التي جرى الالتزام بصرفها، والمبالغ التي تم إنفاقها فعليا، والاعتمادات التي أعيدت إلى الجماعة، مع الكشف عن طبيعة الخدمات التي تم تقديمها مقابل كل مبلغ. كما أن نشر حصيلة مفصلة للحملات المنجزة، تتضمن تكلفتها المالية ومجالات تدخلها والفئات المستهدفة والنتائج المحققة، من شأنه أن يساهم في تبديد الغموض وتعزيز الثقة في طريقة تدبير هذا الجانب من مرفق النظافة.
وبين مطالب أعضاء بالمجلس الجماعي بفتح تحقيق إداري لتوضيح أوجه تدبير هذه الاعتمادات، وتأكيد مصادر أخرى تنفيذ برامج تحسيسية واسترجاع مبالغ مالية مهمة، يظل الرهان الأساسي هو ضمان الشفافية وربط الإنفاق العمومي بالنتائج الملموسة، لأن مدينة الدار البيضاء، التي تواجه تحديات متواصلة في تدبير النفايات وتحسين جودة الفضاءات العامة، تحتاج إلى منظومة تحسيسية واضحة الأهداف، مدعومة بتقييم دوري وشفاف، يحدد المسؤوليات ويقيس الأثر الفعلي للبرامج، بما يضمن توجيه الموارد المالية نحو مبادرات أكثر نجاعة واستدامة.
اترك تعليقاً