الريسوني يحذر من تحول العلوم الشرعية إلى “علوم متحفية” ويدعو إلى عدم الارتهان للماضي

حذر المفكر المقاصدي أحمد الريسوني من تحول العلوم الشرعية إلى “علوم متحفية”، بسبب انشغال بعض المؤلفات المعاصرة باستحضار أقوال الفقهاء واجتهاداتهم التاريخية، دون الانخراط في معالجة القضايا والإشكالات التي يطرحها الواقع الراهن، داعيا الباحثين إلى عدم الارتهان للماضي وربط الدراسات الشرعية بقضايا العصر.
جاء ذلك في كلمة ألقاها الريسوني خلال ملتقى علمي نظمه مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط، بتنسيق مع مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بلندن، أول أمس الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، وخصص لمناقشة أحدث مؤلفاته العلمية، الموسوم بـ”مقاصد الشريعة تحصيلا وتكميلا”، بمشاركة عدد من العلماء والباحثين، حضوريا وعن بعد.
وانتقد الريسوني، خلال تعقيبه على المناقشات العلمية التي شهدها اللقاء، ما اعتبره انفصال بعض الكتابات الشرعية عن سياقها الزمني والاجتماعي، مشيرا إلى أن مؤلفات معاصرة أصبحت “خارج الزمان والمكان”، بعدما اكتفت بنقل أقوال الفقهاء دون معالجة القضايا التي يعيشها الناس اليوم، الأمر الذي يجعل العلوم الشرعية أقرب إلى معارف تاريخية جامدة منها إلى علوم قادرة على مواكبة التحولات المجتمعية.
ودعا المفكر المغربي الباحثين إلى عدم الانغماس في الماضي على حساب الحاضر، مستعملا عبارة “لا تهاجر إلى التاريخ”، ومستحضرا في هذا السياق تجربة المفكر علال الفاسي، الذي كان يستدعي المعطيات التاريخية ويمزجها بالواقع، بما يسمح بتوظيف التراث في فهم القضايا المعاصرة.
وأوضح الريسوني أنه حرص في مؤلفه الجديد على استحضار أمثلة معاصرة وحية لكل قاعدة أصولية، خصوصا في الفصلين السادس والسابع، حتى لا تبقى الأحكام الشرعية حبيسة سياقاتها التاريخية، وإنما تتحول إلى أدوات معرفية قادرة على التفاعل مع مستجدات الحياة.
وفي سياق حديثه عن آفاق تجديد الفكر المقاصدي، اعتبر الريسوني أن حصيلة هذا الفكر ظلت، إلى حد كبير، أسيرة المنظومة الفقهية والأصولية، بحكم نشأتها داخل الحقل الفقهي، رغم أن الشريعة ومقاصدها أوسع من نطاق الأحكام التشريعية العملية.
وأشار إلى أنه خصص الفصلين الأخيرين من كتابه للبحث في المقاصد التي تتجاوز المجال الفقهي التقليدي، وفي مقدمتها المقاصد العقدية والأخلاقية، مستشهدا بالراغب الأصفهاني في كتابه “الذريعة إلى مكارم الشريعة”، الذي تناول الغايات الكبرى من وجود الإنسان.
ولخص الريسوني المقاصد التأسيسية العليا في ثلاثة مرتكزات، هي “الخلافة والعبادة والعمارة”، معتبرا أنها تشكل أسسا ينبغي أن يقوم عليها البناء المقاصدي، بما يوسع مجال البحث في مقاصد الشريعة إلى ما يتجاوز الأحكام الفقهية التفصيلية.
باحثون يناقشون تجديد الفكر المقاصدي
وكان الملتقى قد شهد مداخلات علمية تناولت القيمة المعرفية والمنهجية لمؤلف الريسوني الجديد، وما يطرحه من إمكانات لتطوير علم المقاصد، والانتقال به من مرحلة التأصيل النظري إلى التفعيل العملي في مختلف مجالات الحياة.
وفي هذا الإطار، اعتبر الناجي لمين، أستاذ التعليم العالي بدار الحديث الحسنية، أن كتاب “مقاصد الشريعة تحصيلا وتكميلا” يجمع بين الطابع التعليمي والعمق الأكاديمي، بما يجعله صالحا للتدريس الجامعي والبحث العلمي المتخصص في الوقت نفسه.
وأشاد لمين بالمسار العلمي للريسوني، الممتد لأكثر من أربعة عقود في مجال الدراسات المقاصدية، منذ مؤلفه “نظرية المقاصد عند الشاطبي”، معتبرا أن إصداره الجديد يمثل حصيلة لهذا التراكم العلمي، ويجمع بين استيعاب التراث المقاصدي والعمل على استكمال جوانبه التي لم تحظ بالبحث الكافي.
وأوضح المتدخل أن المنهج الذي اعتمده الريسوني يقوم على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، من خلال التحصيل الدقيق لما قدمه الإمام الشاطبي وغيره من أعلام المقاصد، إلى جانب تطوير المباحث التي تحتاج إلى مزيد من الدراسة والاجتهاد، بما يسمح بالانتقال من مرحلة شرح التراث إلى مرحلة تفعيله.
من جانبه، توقف مصطفى قرطاح، نائب مدير مركز المقاصد، عند المنهجية التي اعتمدها المؤلف، مميزا بين مستويين أساسيين من التكميل؛ أولهما نظري، يتمثل في إضافة مباحث لم يتناولها الشاطبي وتوسيع بعض القضايا المقاصدية، وثانيهما عملي وتطبيقي، يروم نقل المقاصد من المجال النظري إلى الممارسة.
واعتبر قرطاح أن استكمال البناء المقاصدي لا ينبغي أن يتوقف عند حدود اجتهاد فردي أو مؤلف بعينه، وإنما يتعين أن يتحول إلى مسار علمي جماعي ومتجدد، تشارك فيه الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات العلمية.
انتقادات لحصر مقاصد الشريعة في الأحكام الفقهية
وأثار قرطاح، خلال مناقشته للكتاب، إشكالية حصر البحث المقاصدي في الأحكام الفقهية المرتبطة بالحلال والحرام، متسائلا عن موقع مقاصد العقائد والأخلاق ضمن هذا الحقل المعرفي، ومبرزا أهمية التمييز بين “مقاصد الشريعة” بمعناها الواسع، الذي يشمل مختلف أبعاد الدين، و”المقاصد التشريعية” المرتبطة بالأحكام الفقهية العملية.
كما ناقش المتدخل ما أورده الريسوني في كتابه بشأن الوازعات الثلاثة التي تسهم في تنزيل المقاصد، وهي الوازع الديني الفردي، والوازع المجتمعي، والوازع السلطاني، مقدما ملاحظة منهجية حول ترتيبها، إذ رأى أن تقديم الوازع السلطاني ليس موفقا، وأن الأولى تقديم الوازع المجتمعي لقربه من الوازع الديني.
وشدد في هذا السياق على ضرورة انفتاح الباحثين في علم المقاصد على محيطهم الاجتماعي، وعدم الاكتفاء بالتدريس والتنظير داخل القاعات الجامعية، بما يتيح الإسهام في نشر ثقافة المصلحة الشرعية لدى الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والإداريين.
ومن بين القضايا التي استأثرت باهتمام المشاركين في الملتقى، إفراد الريسوني في مؤلفه مبحثا مستقلا لما سماه “حفظ المصالح المعنوية”، في محاولة لإعادة الاعتبار للأبعاد الأخلاقية والروحية والنفسية ضمن النظرية المقاصدية.
وبحسب العرض المقدم خلال اللقاء، فإن هذا المبحث ينطلق من ملاحظة مفادها أن بعض الكتابات المقاصدية، القديمة والحديثة، قد توحي بأن الغاية من الشريعة تنحصر في حفظ المصالح المادية، في حين أن المصالح المعنوية والقلبية والروحية، وفي مقدمتها الكرامة والأخلاق والطمأنينة، تحتل مرتبة عليا في سلم المصالح الإنسانية.
ويطرح هذا التصور، وفق ما جرى تداوله خلال المناقشة، إشكالية قيمة المكتسبات المادية إذا لم تكن مصحوبة بتحقيق السكينة والكرامة والسعادة الإنسانية، بما يستدعي إعادة الاعتبار للمصالح المعنوية ضمن البحث في مقاصد الشريعة.
ثلاثية علمية في مقاصد الشريعة
من جهته، أشاد صالح شهسواري، المدير التنفيذي لمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، بالإسهامات العلمية للريسوني في تطوير الدراسات المقاصدية، معتبرا أن مؤلفه الجديد يمثل إضافة إلى المسار العلمي الذي راكمه على امتداد عقود.
واستحضر شهسواري ثلاثة من أبرز الإصدارات المرتبطة بهذا المسار، وهي “معجم المصطلحات المقاصدية”، الذي صدرت طبعته الأولى سنة 2017، و”قواعد المقاصد”، الصادر سنة 2019، و”مقاصد الشريعة تحصيلا وتكميلا”، الصادر سنة 2026.
واعتبر أن هذه المؤلفات تشكل ثلاثية علمية مرجعية في مجال الدراسات المقاصدية، لما تتضمنه من تأصيل للمفاهيم والقواعد ومحاولات لاستكمال البناء النظري لهذا العلم.
وخلصت المداخلات العلمية التي شهدها الملتقى إلى إبراز أهمية الانتقال بعلم مقاصد الشريعة من مجرد استيعاب التراث الفقهي والأصولي إلى تطوير أدواته ومناهجه، بما يتيح توظيفه في معالجة القضايا المستجدة، وهو التوجه الذي عاد الريسوني للتأكيد عليه في كلمته الختامية، من خلال دعوته إلى تجاوز الانشغال بالتاريخ نحو ربط العلوم الشرعية بالواقع المعاصر.
اترك تعليقاً