منتدى العمق

تعثر اللغة وضياع المضمون .. كيف قرأ المغاربة خطاب فاطمة الزهراء المنصوري؟

إبراهيم الخياطي

لم يكن النقاش الذي أعقب تقديم فاطمة الزهراء المنصوري للبرنامج الحكومي أمام البرلمان محصوراً في الوعود المتعلقة بتقليص الفوارق بين الأحياء، ودعم الذكاء الاصطناعي الآمن والمسؤول، وتشجيع إجراءات الكراء، ومحاربة السكن العشوائي، وإصلاح قضايا البيع والشراء، ومواكبة الشباب اجتماعياً، ووضع مخطط وطني للماء، والوفاء بالالتزامات الحكومية. فقد خطف أسلوب الإلقاء وطريقة نطق الكلمات وبناء الجمل جزءاً مهماً من اهتمام المتابعين، إلى درجة أن بعض التعليقات اختزلت المشهد في عبارة ساخرة مفادها أن رئيسة الحكومة تقرأ البرنامج الحكومي بلكنة مراكشية.

وراء هذه التعليقات، التي تراوحت بين الانتقاد اللغوي والسخرية الحادة، يبرز سؤال يتجاوز شخص فاطمة الزهراء المنصوري: لماذا يحظى أسلوب كلام المسؤول السياسي بكل هذه الأهمية في تشكيل صورته لدى الجمهور؟ ولماذا يمكن لطريقة النطق أن تتحول، في لحظة واحدة، إلى موضوع ينافس مضمون برنامج حكومي يفترض أنه يرسم ملامح السياسات العمومية للسنوات المقبلة؟

الجواب أن الجمهور لا يستقبل الخطاب السياسي باعتباره مجموعة من الأفكار المكتوبة فقط، بل يتلقاه باعتباره عرضاً متكاملاً يجمع بين الكلمات والصوت والإيقاع والثقة وطريقة ترتيب الأفكار. فالمسؤول لا يقول شيئاً فحسب، بل يقدمه أيضاً بطريقة تؤثر في كيفية فهمه وتقييمه. وحين يواجه المتلقي صعوبة في متابعة الجمل أو فهم المقصود منها، قد ينصرف اهتمامه من مضمون الرسالة إلى شكل تقديمها، حتى لو كان النص المكتوب يتضمن التزامات تستحق النقاش.

في حالة المنصوري، لم يكن من السهل رد كل الانتقادات إلى رهبة الوقوف أمام البرلمان أو إلى كونها تخوض تجربة جديدة في السياسة. فالمنصوري راكمت تجربة سياسية امتدت لسنوات، وتولت مسؤوليات وزارية وانتُخبت عمدة لمراكش، قبل أن تصل إلى رئاسة الحكومة. لذلك، فإن النقاش لا يتعلق بأول احتكاك لها بالعمل المؤسساتي، بل بمدى ملاءمة أدائها في هذه المناسبة لحجم المسؤولية التي أصبحت تتحملها. ومع ذلك، فإن التجربة السياسية الطويلة لا تعني بالضرورة أن صاحبها يمتلك المهارات نفسها في التدبير والخطابة والإلقاء؛ فلكل مجال أدواته التي تحتاج إلى إعداد وتطوير.

ومن المهم هنا التمييز بين اللكنة واللغة. فاللكنة المراكشية، مثل غيرها من اللهجات المغربية، ليست عيباً في ذاتها، ولا ينبغي أن تكون سبباً للانتقاص من صاحبها. كما أن اختلاف النطق بين جهات المغرب يعكس تنوعاً لغوياً وثقافياً لا يجوز تحويله إلى معيار للحكم على قيمة الأشخاص أو مستوى تكوينهم. لكن الخطاب الرسمي له مقتضياته التواصلية؛ إذ يحتاج إلى وضوح في النطق، وتماسك في بناء الجمل، وقدرة على الانتقال من فكرة إلى أخرى من دون أن يفقد المتلقي خيط الرسالة. وبالتالي، فإن موضوع النقد ليس الانتماء إلى لهجة معينة، وإنما مدى نجاح الأداء في إيصال خطاب سياسي موجّه إلى جمهور وطني واسع.

وهنا يكمن الفرق بين أن يتحدث السياسي بلهجته في لقاء عفوي، وبين أن يقدم برنامجاً حكومياً أمام ممثلي الأمة. في الحالة الأولى، قد تمنح اللهجة الخطاب طابعاً تلقائياً وقريباً من الناس، أما في الحالة الثانية، فتُصبح الأولوية لتمكين الجمهور من فهم الالتزامات والقرارات بوضوح. ولا يعني ذلك فرض لغة متكلفة أو إقصاء اللهجات المحلية، بل يعني أن يكون المسؤول قادراً على اختيار أسلوب تواصل يتناسب مع طبيعة المناسبة، من دون أن يفقد عفويته أو هويته اللغوية.

إن ردود فعل المتابعين تكشف، في جانب منها، عن توقع اجتماعي يتعلق بصورة القيادة. فكثير من الناس يربطون بين الكلام المنظم والقدرة على التفكير المنظم، وبين سلامة التعبير والثقة في المتحدث، وبين التحكم في الخطاب والتحكم في الملفات التي يتحدث عنها. وهذه الروابط ليست دائماً دقيقة؛ فقد يكون الإنسان فصيحاً من دون أن يكون ناجحاً في التدبير، وقد يكون صاحب كفاءة عالية لكنه لا يمتلك مهارات إلقاء متقدمة. غير أن الصورة الذهنية لا تتشكل دائماً وفق تقييم موضوعي شامل، بل تتأثر بما يراه الجمهور ويسمعه في اللحظة التي يظهر فيها المسؤول أمامه.

في علم التواصل السياسي، لا يقتصر تأثير الخطاب على مضمون الرسالة، بل يشمل أيضاً طريقة تقديمها. فالنبرة، والإيقاع، والوقفات، ووضوح الكلمات، والقدرة على إبراز الأفكار الأساسية، كلها عناصر تساعد على بناء الانطباع الأول. وعندما تتعثر هذه العناصر، يمكن أن ينشأ تناقض بين أهمية المنصب والصورة التي يتركها الأداء لدى الجمهور. وقد تصبح لقطة قصيرة أو جملة متعثرة أكثر تداولاً من صفحات البرنامج الحكومي، لأن المحتوى المثير للسخرية ينتشر بسهولة أكبر من النقاش التفصيلي للسياسات.

لكن هذا لا يعني أن التعليقات المتداولة تمثل بالضرورة رأي جميع المغاربة، أو أن حجم التفاعل الرقمي يكفي وحده للحكم على تقييم الجمهور لرئيسة الحكومة. فوسائل التواصل الاجتماعي تميل إلى تضخيم اللحظات اللافتة، وتعيد تداول المقاطع التي تحمل طابعاً ساخراً أو صادماً، بينما قد يظل جزء من النقاش المتعلق بمضمون البرنامج أقل انتشاراً. لذلك، ينبغي التعامل مع هذه الردود باعتبارها مؤشراً على جانب من التلقي العام، لا باعتبارها استطلاعاً للرأي أو حكماً نهائياً على الكفاءة السياسية.

ومن جهة أخرى، فإن اختزال الانتقاد في المطالبة بـ«محو الأمية» يضعف الحجة بدل أن يقويها؛ لأن الأمية مفهوم يتعلق بالقراءة والكتابة، ولا يمكن استنتاجها من طريقة إلقاء خطاب أو من وجود تعثر في تركيب الجمل. النقد الأكثر دقة هو الذي يحدد موضع الخلل في الأداء: هل يتعلق بوضوح النطق؟ أم بسرعة القراءة؟ أم ببناء الجمل؟ أم بغياب التنغيم الذي يساعد على إبراز المعنى؟ أم بطريقة إعداد النص وإلقائه؟ فكلما كان النقد محدداً، ابتعد عن الإهانة واقترب من تقييم مهني يمكن الاستفادة منه.

وتثير الواقعة أيضاً سؤالاً يتعلق بالأحزاب السياسية ومعايير إعداد القيادات. فاختيار المسؤولين لا ينبغي أن يتوقف عند الشهادات الجامعية أو المسار الحزبي أو القدرة على الفوز بالانتخابات، بل يحتاج كذلك إلى الاهتمام بمهارات التواصل العام، والقدرة على عرض البرامج، وتبسيط القرارات، ومواجهة الأسئلة الصعبة. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن كل من ينتمي إلى حزب معين يمتلك مستوى لغوياً أو تكوينياً واحداً، أو أن ضعف الأداء في مناسبة واحدة يثبت ضعف تكوين حزب كامل. فالكفاءة السياسية متعددة الأبعاد، والخطابة إحدى أدواتها وليست معيارها الوحيد.

أما مضمون البرنامج الحكومي نفسه، فلا ينبغي أن يختفي خلف الجدل حول طريقة الإلقاء. فتقليص الفوارق بين الأحياء، وتدبير السكن العشوائي، وتشجيع الذكاء الاصطناعي الآمن والمسؤول، ودعم الشباب، وتدبير الموارد المائية، والوفاء بالالتزامات الحكومية، كلها ملفات تستحق نقاشاً مستقلاً يقوم على تحديد الأهداف والآجال والميزانيات ومؤشرات الإنجاز. فالسؤال الحقيقي ليس فقط كيف نطقت رئيسة الحكومة عناوين هذه الملفات، بل ماذا ستفعل الحكومة بشأنها؟ وكيف سيُقاس تقدمها؟ ومن سيحاسبها إذا لم تتحقق الوعود؟

ومع ذلك، لا يمكن فصل المضمون عن طريقة تقديمه بشكل كامل. فالبرنامج الحكومي يمثل نوعاً من التعاقد السياسي مع المواطنين، والتعاقد يحتاج إلى لغة واضحة حتى يستطيع الناس معرفة ما الذي وُعدوا به، وما الذي يمكنهم المطالبة به لاحقاً. وكلما كان الخطاب مباشراً ومفهوماً، سهل على الجمهور تتبع الالتزامات ومساءلة أصحاب القرار. أما حين تصبح طريقة العرض نفسها موضع جدل واسع، فإن جزءاً من الرسالة قد يضيع قبل أن يصل إلى مضمونه.

لهذا، فإن المطلوب من رئيسة الحكومة ليس التخلي عن لهجتها المحلية، ولا تقليد أسلوب خطابي مصطنع، بل تطوير أدوات التواصل بما يتناسب مع مسؤوليتها. ويشمل ذلك إعداد النصوص بطريقة تراعي سهولة الإلقاء، والتدرب على المصطلحات والجمل الأساسية، والتحكم في الإيقاع، واستخدام الوقفات التي تمنح الأفكار وضوحاً، مع الحرص على أن تكون الرسالة مفهومة ومباشرة. فهذه ليست تفاصيل تجميلية، بل جزء من الاستعداد المهني للظهور في مناسبة سياسية كبرى.

في النهاية، قد تمنح الفصاحة صاحبها حضوراً قوياً، لكنها لا تصنع وحدها قائداً ناجحاً؛ كما أن التعثر في الإلقاء لا يكفي للحكم على فشل تجربة سياسية. غير أن المسؤول الذي يتولى رئاسة الحكومة لا يستطيع تجاهل أثر خطابه في صورة مؤسسات الدولة وفي قدرة المواطنين على فهم سياساته. فالقيادة لا تعني اتخاذ القرارات فقط، بل تعني أيضاً القدرة على شرحها، والدفاع عنها، والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بها.

وبين من جعلوا من طريقة كلام المنصوري مادة للسخرية، ومن يرفضون أي نقد لأدائها باعتباره استهدافاً سياسياً، تضيع أحياناً المسألة الأساسية: كيف نجعل الخطاب العمومي أكثر وضوحاً، وكيف ننتقل من الانطباعات إلى مساءلة السياسات؟ فاللغة قد تفتح باب الثقة أو تثير الشك، لكنها ليست بديلاً عن الإنجاز. وفي نهاية المطاف، سيظل الاختبار الأهم لهذه الحكومة هو قدرتها على تحويل الكلمات التي قُرئت أمام البرلمان إلى نتائج ملموسة يستطيع المواطن أن يلمسها في حياته اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *