بين البرلمان والحكومة.. تأويلات السقوط والإقالة.. أزمة حكومية أم تصحيح للمسار القانوني؟

في السياسة، قد يتحول إجراء قانوني عادي إلى قضية رأي عام بمجرد أن يخرج من سياقه ويصبح مادة للتأويل. وهذا ما حدث مع خبر إحالة ملفات 11 وزيراً من الحكومة الجديدة على المحكمة الدستورية، بعد تقديم استقالاتهم من عضوية مجلس النواب. فبين من رأى في الخطوة بداية تصدع داخل الحكومة، ومن اعتبرها دليلاً على ارتباك في تدبير المرحلة الجديدة، برز سؤال أكثر أهمية من كل هذه القراءات: هل نحن أمام أزمة سياسية حقيقية، أم أمام مسطرة قانونية تفرضها طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية؟
لفهم ما يجري، ينبغي أولاً الانتباه إلى أن الخبر، في حد ذاته، لا يتعلق باستقالة الوزراء من مناصبهم الحكومية، وإنما بتخليهم عن مقاعدهم البرلمانية بعد انتقالهم إلى العمل الحكومي. والفارق هنا ليس تفصيلاً لغوياً يمكن تجاوزه، بل هو جوهر القضية؛ لأن الخلط بين الاستقالة من البرلمان والاستقالة من الحكومة يغيّر معنى الحدث، ويدفع النقاش العمومي نحو استنتاجات لا تسندها الوقائع المعلنة.
في الأنظمة السياسية التي تقوم على توزيع الاختصاصات بين المؤسسات، لا يتعلق الأمر بمجرد ترتيب إداري، بل بمنع تضارب المواقع والمسؤوليات. فالبرلماني يمارس التشريع والرقابة على العمل الحكومي، بينما يتحمل الوزير مسؤولية تنفيذ السياسات العمومية وتدبير قطاع حكومي. وإذا اجتمعت الصفتان في شخص واحد، أصبح من الضروري حسم وضعه القانوني حتى لا تتداخل المسؤولية عن القرار مع مسؤولية مراقبته.
لهذا، ينص الفصل 14 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب على تنافي العضوية في المجلس مع صفة عضو في الحكومة، ويحدد المسطرة المتعلقة بالتصريح بشغور المقعد البرلماني عندما يُعيَّن أحد النواب عضواً في الحكومة. كما تنص المادة 32 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة على تنافي الوظيفة الحكومية مع العضوية في أحد مجلسي البرلمان، فيما تتناول المادة 35 الأجل القانوني لتسوية وضعية التنافي بحسب الحالة.
وبناء على ذلك، فإن انتخاب شخص نائباً ثم تعيينه وزيراً ليس ممنوعاً في حد ذاته؛ ما لا يسمح به القانون هو استمرار الجمع بين الصفتين. ومن هنا تأتي الاستقالة من العضوية البرلمانية والإحالة على المحكمة الدستورية لاستكمال المسطرة القانونية المرتبطة بشغور المقاعد. لذلك، فإن وصف ما وقع بأنه «إقالة 11 وزيراً» لا يعكس، وفق المعطيات المنشورة، حقيقة الإجراء؛ فالحديث يدور عن استقالات من البرلمان، لا عن إنهاء المهام الحكومية.
لكن لماذا أثار الخبر كل هذا الجدل؟ لأن السياسة لا تتحرك داخل النصوص القانونية وحدها، بل داخل مناخ عام تتداخل فيه التوقعات والشكوك والحسابات الحزبية. فالحكومة الجديدة لا تبدأ عملها في فراغ، وإنما تواجه منذ لحظاتها الأولى أسئلة تتعلق بتماسك أغلبيتها، وقدرتها على الوفاء بوعودها، ومدى استعدادها لتحمل مسؤولية قراراتها أمام المواطنين. وفي مثل هذا المناخ، تصبح أي خطوة مرتبطة بأعضائها قابلة لأن تُقرأ باعتبارها علامة على القوة أو الضعف، حتى عندما يكون تفسيرها القانوني أكثر بساطة من الروايات المتداولة حولها.
غير أن تحويل هذا الإجراء إلى دليل على أن الحكومة «غير شرعية» أو أنها ستسقط قريباً، يظل قفزة من الخبر إلى الحكم السياسي من دون أدلة كافية. فشرعية الحكومة لا تُحسم بمنشورات مواقع التواصل الاجتماعي، ولا تُنقض لمجرد إحالة ملفات وزراء على المحكمة الدستورية لتسوية وضعية التنافي. مثل هذا الحكم يحتاج إلى وقائع محددة تتصل بمسطرة تشكيل الحكومة أو بممارسة اختصاصاتها، لا إلى إجراء هدفه تطبيق مقتضيات قانونية قائمة.
وفي المقابل، لا ينبغي المبالغة في الاتجاه المعاكس، واعتبار احترام هذه المسطرة وحده شهادة مكتملة بالشفافية والمصداقية. فتطبيق القانون واجب مؤسساتي، وليس امتيازاً يمنح للحكومة. ويمكن اعتبار استكمال الإجراءات القانونية أمراً إيجابياً، لكنه لا يعفي السلطة التنفيذية من امتحانات أكبر: وضوح قراراتها، واحترامها لقواعد المساءلة، وقدرتها على تقديم حصيلة قابلة للتقييم، ومدى استجابتها للمطالب الاجتماعية والاقتصادية التي تنتظر المواطنين.
وهنا يبرز سؤال آخر: إذا كان الوزير لا يستطيع الاحتفاظ بمقعده البرلماني، فكيف يحضر إلى البرلمان ويجيب عن أسئلة النواب؟ الجواب أن المساءلة البرلمانية لا تشترط أن يكون الوزير عضواً في مجلس النواب. فالوزراء يحضرون الجلسات المخصصة للأسئلة، ويعرضون سياسات قطاعاتهم، ويقدمون التوضيحات بشأن القرارات الحكومية، ويواجهون أسئلة النواب وانتقاداتهم بصفتهم أعضاء في السلطة التنفيذية. فالبرلمان لا يراقب الوزراء لأنهم ينتمون إليه، بل لأن الحكومة مسؤولة أمام المؤسسة التشريعية وفق الآليات الدستورية المعمول بها.
وهذا التمييز مهم لفهم طبيعة العلاقة بين المؤسستين: الوزير لا يحتاج إلى مقعد برلماني كي يشرح قراراته، والنائب لا يحتاج إلى أن يكون عضواً في الحكومة كي يمارس الرقابة عليها. بل إن الفصل بين الموقعين يهدف، من حيث المبدأ، إلى الحفاظ على وضوح المسؤوليات، حتى لا يتحول صاحب القرار إلى مراقب لنفسه.
أما الحديث عن عدد الوزراء المعنيين، فقد رافقته تقارير صحفية لم تتطابق تماماً في الأرقام، وهو ما يجعل الرجوع إلى اللائحة الرسمية للملفات المحالة على المحكمة الدستورية أمراً ضرورياً قبل الجزم بالعدد النهائي أو ترتيب استنتاجات سياسية عليه. فالدقة في نقل الوقائع ليست مسألة شكلية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بخبر يمكن أن يؤثر في فهم المواطنين لعمل المؤسسات.
في المحصلة، قد يكون هذا الملف مناسبة لمساءلة الحكومة الجديدة، لكن ليس بالضرورة من الزاوية التي فرضتها بعض العناوين والتعليقات. السؤال الأهم ليس ما إذا كان تخلي الوزراء عن مقاعدهم البرلمانية مؤشراً على سقوط الحكومة، بل ما إذا كانت الحكومة ستتعامل مع القانون باعتباره قاعدة ثابتة، ومع البرلمان باعتباره فضاءً حقيقياً للمساءلة، ومع الرأي العام باعتباره طرفاً يستحق أجوبة واضحة لا تبريرات جاهزة.
فالحكومات لا تسقط لمجرد أن وزراءها سوّوا وضعياتهم القانونية، كما أنها لا تكتسب ثقة المواطنين بمجرد استكمال إجراء مؤسساتي. ما يحسم مكانتها هو أداؤها، وقدرتها على تحويل الوعود إلى نتائج، واستعدادها لتحمل المسؤولية عندما تخفق، لا عندما تسير الأمور وفق المساطر المقررة.
وبين التهويل الذي يرى في كل إجراء بداية نهاية، والتبرير الذي يعتبر كل خطوة دليلاً على النجاح، تبقى القراءة السياسية الرصينة مطالبة بالتمييز بين ما وقع فعلاً وما يراد إقناع الناس بأنه وقع. وفي هذه الحالة تحديداً، تشير المعطيات المتاحة إلى تسوية وضعية التنافي بين المسؤولية الحكومية والعضوية البرلمانية، لا إلى إقالة جماعية للوزراء أو سقوط الحكومة. أما الحكم السياسي الحقيقي، فسيصنعه ما ستقدمه هذه الحكومة للمغاربة في الأيام والشهور المقبلة.
اترك تعليقاً