تعطّل الآليات وصعود سلطة الضوء الكاشف الفاضح: هل السياسة تجبّ ما قبلها؟

في كل مرة تطرح فيها قضية سياسية حساسة، يعود السؤال القديم في ثوب جديد: هل يجب على السياسة أن تجبّ ما قبلها؟ وهل يكفي أن يصل شخص إلى موقع المسؤولية عبر صناديق الاقتراع حتى تُمحى أخطاؤه السابقة، أو تُطوى صفحته الجنائية، أو تُنسى ممارساته التي سبقت دخوله المجال العام؟ هذا السؤال ليس نظرياً، بل يفرض نفسه بقوة كلما ظهرت حالة مثل قضية مديحة خيير، التي أعادت إلى الواجهة إشكالاً ظلّ يتكرر في الحياة السياسية المغربية منذ سنوات: هل الشرعية الانتخابية تكفي وحدها لتجاوز الماضي، أم أن الماضي يعود دائماً ليطالب بحقه في المساءلة؟
في الأنظمة الديمقراطية، الوصول عبر صناديق الاقتراع يمنح شرعية سياسية، لكنه لا يمنح حصانة أخلاقية ولا جنائية، ولا يملك قوة محو تلقائي لما سبق. فالالسياسة لا تجبّ ما قبلها إلا إذا كان الوصول إلى المنصب سليماً، شفافاً، خالياً من الشبهات، ومبنياً على ثقة عامة حقيقية. أما إذا كان الوصول نفسه محلّ شك، أو محاطاً بشبهات تزوير، أو محكوماً بظروف غير نزيهة، فإن الشرعية تصبح ناقصة، ويصبح الماضي جزءاً من الحاضر، لا صفحة مطوية.
وهنا بالضبط تطرح قضية مديحة خيير أسئلتها الصعبة: هل يمكن اعتبار الأخطاء السابقة مجرد “تاريخ شخصي” إذا كان الوصول إلى المنصب قد تم بطريقة سليمة؟ وهل يمكن للسياسة أن تمنح فرصة جديدة لمن أخطأ، إذا كان الناخبون قد اختاروه بوعي؟ المفروض نظرياً أن الجواب نعم، لأن الديمقراطية تقوم على مبدأ منح الفرصة لمن يختاره الناس. لكن هذا الافتراض ينهار فور ظهور شكّ واحد في نزاهة الوصول إلى المنصب، لأن الشرعية الانتخابية حينها تصبح موضع طعن، ويصبح السؤال الأخلاقي والقانوني أكثر إلحاحاً: هل يمكن للسياسة أن تجبّ ما قبلها إذا كان الوصول نفسه غير سليم؟
في هذه الحالة، لا يعود النقاش حول الأخطاء السابقة، بل حول شرعية الحاضر نفسه، لأن السياسة لا تستطيع أن تمنح غطاءً لماضٍ لم يُحاسَب، ولا أن تمنح شرعية كاملة لشخص لم يدخل من الباب الواضح. وهكذا يصبح السؤال أكبر من الأشخاص، وأعمق من الحالات الفردية: هل يمكن بناء ثقة عامة على أساس هشّ؟ وهل يمكن للشرعية أن تستقر إذا كانت محاطة بشبهات؟ وهل يمكن للسياسة أن تتجاوز الماضي إذا كان الماضي نفسه يطعن في الحاضر؟
هذه الأسئلة لا تبحث عن إدانة، بل عن معيار، لأن السياسة لا تُبنى على النسيان، بل على الوضوح، ولا تُبنى على المحو، بل على المساءلة، ولا تُبنى على الشرعية الناقصة، بل على شرعية كاملة لا يشوبها شكّ ولا تزوير.
ومن هنا يصبح من الضروري إعادة التفكير في مفهوم “الشرعية الانتخابية” نفسه، ليس بوصفه تفويضاً مطلقاً، بل بوصفه عقداً مشروطاً بين الناخبين ومن يصل إلى السلطة. هذا العقد لا يكتمل إلا إذا كان الوصول إلى المنصب نزيهاً، وكانت المساءلة قائمة، وكانت المؤسسات قادرة على الفصل بين الخطأ الذي يمكن تجاوزه، والجريمة التي لا يمكن محوها، والشبهة التي لا يمكن تجاهلها. فالديمقراطية ليست صندوقاً فقط، بل منظومة كاملة من الشفافية، والمحاسبة، والوضوح، والقدرة على مواجهة الماضي بدل دفنه.
لكن هذا النقاش لا يمكن فصله عن سؤالٍ آخر أكثر إيلاماً: ماذا يحدث حين تتعطّل الآليات التي يفترض أن تحمي الشرعية نفسها؟ حين تغيب المراقبة، وتتأخر المحاسبة، ويصمت الجهاز الذي كان يجب أن يضبط الإيقاع، يبرز ضوءٌ آخر ليملأ الفراغ: ضوءٌ كاشفٌ فاضحٌ لا يرحم، ولا ينتظر، ولا يتحقق. ذلك الضوء الذي يسبق الوقائع، ويصنع الرواية قبل أن تتكوّن الحقيقة، ويحوّل حياة الناس إلى مادةٍ للاستهلاك السريع.
وليس الضوء الذي يعلو عند تعطّل الآليات مجرد استعارة فلسفية، بل هو اليوم ضوءٌ تصنعه وسائل التواصل الاجتماعي نفسها؛ ضوءٌ لا يخضع لأي معيار، ولا ينتظر تحقق الوقائع، ولا يميّز بين الإشاعة والخبر، ولا بين الغضب والحقيقة. إنه ضوءٌ يولد من سرعة التفاعل، ومن رغبة الجماهير في إصدار الأحكام قبل اكتمال المعطيات، ومن قابلية المنصّات لأن تتحول إلى محاكم فورية تُصدر قراراتها بلا دفاع ولا تحقيق.
هذا الضوء الرقمي يشبه تماماً الضوء الذي تحدّث عنه جونيتشيرو تانيزاكي في «مديح الظلّ»: ضوءٌ يسطع أكثر مما ينبغي، فيكشف ما لا يجب كشفه، ويشوّه ما كان يحتاج إلى ظلٍّ يحميه. فالمنصّات لا تمنح الإنسان فرصة أن يُرى في سياقه، بل تُظهره في لحظة واحدة مجتزأة، وتحوّل تلك اللحظة إلى هوية كاملة، وإلى حكم نهائي. وهكذا يصبح الماضي أكثر حضوراً، لأن الحاضر نفسه هشّ، مكشوف، بلا حماية مؤسسية، وبلا ظلٍّ قانوني يضبط الضوء ويحدّ من سلطته.
ومع ذلك، فإن الحديث عن الضوء الذي تصنعه وسائل التواصل الاجتماعي، وعن سلطته التي تتضخم حين تتعطّل الآليات، لا يعني إطلاقاً أننا ضد ما وقع في حادثة مديحة خيير، ولا أنه تبرير لما تعرّضت له، ولا أنه محاولة لطمس المسؤوليات أو خلط الأوراق. بل على العكس تماماً: إن استحضار هذا الضوء الرقمي هو جزء من فهمٍ أعمق لما حدث، لأن المنصّات لم تخلق القضية، بل كشفت هشاشة الآليات التي كان يفترض أن تتدخل قبل أن يصل الضوء إلى هذه الدرجة من السطوع. فالضوء هنا ليس خصماً للضحية، بل مؤشراً على غياب الظلّ المؤسسي الذي كان يجب أن يحميها، ويمنح الحقيقة مسارها الطبيعي، ويمنع تضخّم الروايات المتسرّعة التي تُصنع خارج المؤسسات.
إن الدفاع عن مديحة خيير لا يكون بالصراخ، بل بإعادة بناء الآليات التي تمنع تكرار ما حدث؛ ولا يكون بإطفاء الضوء، بل بإعادة الظلّ إلى مكانه؛ ولا يكون بتجريم المنصّات، بل بإعادة الاعتبار للمؤسسات التي غابت، فتركَت الضوء يعلو وحده.
وفي هذا السياق، تلتقي حكمة نيتشه مع حكمة تانيزاكي في نقطة واحدة: نيتشه نبّه إلى أن الإنسان يستطيع أن يتغلب على سوء ضميره، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يتغلب على سوء سمعته؛ وتانيزاكي يضيف أن السمعة لا تُشوَّه فقط بما يقوله الناس، بل أيضاً بالضوء الذي يُسلَّط على الإنسان دون ظلٍّ يحميه. فالضوء الساطع لا يكشف الحقيقة، بل يطمسها تحت وهج السرعة والانفعال، وأن الجمال — مثل الحقيقة — يحتاج إلى ظلٍّ يهدّئه ويمنحه عمقه.
وهكذا يصبح السؤال السياسي والأخلاقي واحداً: لا يمكن للسياسة أن تجبّ ما قبلها إلا إذا كان الحاضر نظيفاً، والآليات فعّالة، والظلّ قائماً، والضوء مضبوطاً. أما حين تتعطّل الآليات، ويعلو الضوء الكاشف الفاضح، فإن الماضي لا يُمحى، بل يعود بقوة أكبر، وتصبح الشرعية معلّقة، وتصبح السياسة نفسها مطالبة بأن تبرّر ما لا يمكن تبريره.
اترك تعليقاً