وجهة نظر

الطلاق في المغرب.. حين تتدخل المحاكم متأخرة وتغيب السياسات الاجتماعية مبكرا

محمد حبيب

لم يعد الطلاق في المغرب مجرد شأن عائلي خاص، أو خلاف بين زوجين انتهى باستحالة استمرار الحياة المشتركة، بل أصبح قضية اجتماعية تستدعي مساءلة أعمق للسياسات العمومية ومدى قدرتها على مواكبة التحولات التي تعرفها الأسرة المغربية.

فخلف كل ملف طلاق معروض على القضاء قد توجد سنوات من التوتر وسوء التواصل، وضغوط اقتصادية، وتوقعات زوجية لم تتحقق، وأحيانا معاناة نفسية صامتة لم تجد من يصغي إليها في الوقت المناسب. وبين بداية الخلاف ووصول الزوجين إلى المحكمة يبرز سؤال جوهري: أين كانت مؤسسات المواكبة الاجتماعية والنفسية؟ وهل نمتلك سياسة عمومية تهتم باستقرار الأسرة قبل تفككها، أم نكتفي بتدبير النتائج القضائية للأزمات الزوجية؟

أرقام مقلقة ولكن ماذا تخبرنا فعلا؟

أظهرت معطيات التقرير السنوي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية تسجيل 154 ألفا و377 قضية طلاق وتطليق خلال سنة 2025، مقابل 147 ألفا و895 قضية سنة 2024، بارتفاع يقارب 4.38 في المائة. غير أن عدد القضايا المسجلة لا يساوي بالضرورة عدد الزيجات التي انتهت فعليا خلال السنة ذاتها. كما أن انخفاض القضايا بين 2023 و2024 قبل ارتفاعها مجددا سنة 2025 يجعل وصف الارتفاع بأنه متواصل دون انقطاع غير دقيق.

وتشير المندوبية السامية للتخطيط إلى تسجيل نحو 239.3 ألف عقد زواج سنة 2024، مقابل 91.7 ألف حالة طلاق تجمع رسوم الطلاق والتطليق القضائي الصادر. ولا يصح قسمة الرقم الثاني على الأول لاستخراج نسبة الزيجات التي تنتهي بالطلاق، لأن المؤشرين لا يتتبعان المجموعة نفسها من الأزواج.

وقد أبرز البحث الوطني حول الأسرة لسنة 2025 تحولات في البنية الأسرية، وتراجع أشكال التعايش الممتد، وتغير مسارات الحياة والتوقعات من الزواج. وهذه التحولات لا تعني بالضرورة تراجع قيمة الأسرة، وإنما تغير شروط استمرارها.

الطلاق ليس مجرد أزمة قيم

من التفسيرات المتداولة ربط الطلاق بتراجع القيم أو انتشار وسائل التواصل أو تغير أدوار المرأة والرجل. ورغم أن التحولات الثقافية والرقمية قد تؤثر في العلاقات، فإن تحويلها إلى أسباب مباشرة دون أدلة كافية يمثل اختزالا لظاهرة تتداخل فيها عوامل اقتصادية ونفسية واجتماعية.

فالزواج المعاصر أصبح يتضمن انتظارات متزايدة تتعلق بالتقدير والاحترام وتقاسم المسؤوليات والإشباع العاطفي. وقد تنشأ التوترات عندما تتغير التوقعات بوتيرة أسرع من قدرة العلاقة على التكيف معها، خصوصا في غياب مهارات التواصل وإدارة الخلافات. كما قد تزيد هشاشة السكن والعمل وتكاليف رعاية الأطفال حدة التوتر، دون أن تعني حتمية الطلاق.

الاستقرار الأسري مسؤولية عمومية أيضا

إذا كان الزواج يقوم على اختيار شخصي، فإن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يعيش داخلها الزوجان ليست كلها نتيجة قراراتهما الفردية. ولهذا تبدأ المسؤولية الحكومية بتيسير الولوج إلى السكن، وتحسين فرص العمل، وتقوية الحماية الاجتماعية وخدمات رعاية الأطفال.

ولا ينبغي اختزال تشجيع الزواج في مساعدات مالية ظرفية عند إبرام العقد؛ فالتحدي الحقيقي هو تهيئة الظروف التي تساعد الأسرة على مواجهة متطلبات الحياة المشتركة. والاستقرار الاقتصادي لا يضمن نجاح الزواج، لكنه قد يخفف بعض مصادر الضغط التي تزيد النزاعات حدة.

مراكز للإرشاد الأسري قبل الوصول إلى المحاكم

أين يمكن لزوجين يعيشان أزمة تواصل حادة الحصول على مساعدة متخصصة قبل اتخاذ قرار الانفصال؟ إن الحاجة قائمة إلى خدمات عمومية متاحة وميسورة للإرشاد النفسي والزواجي، تضم أخصائيين نفسيين ومساعدين اجتماعيين ووسطاء مؤهلين.

ولا ينبغي أن تنحصر هذه الخدمات في محاولة منع الطلاق؛ بل تشمل تحسين التواصل، وتنمية مهارات حل النزاعات، والتربية الوالدية، والكشف عن حالات العنف وإحالتها إلى خدمات الحماية. وينبغي أن تكون طوعية وسرية، وأن يخضع أثرها لتقييم علمي يتجاوز مجرد عد الملفات التي لم تصل إلى المحكمة.

إعادة التفكير في فلسفة الصلح القضائي

قد يصل الزوجان إلى المحكمة بعد سنوات من النزاع، حين يكون التباعد النفسي والعاطفي قد بلغ مراحل متقدمة. لذلك لا تكفي محاولة الصلح الإجرائية وحدها لمعالجة الجذور المركبة للأزمة. والمطلوب تطوير وساطة أسرية مهنية، بمحددات واضحة للتأهيل والممارسة، وبفضاءات ملائمة للاستماع والتشخيص.

لكن الوساطة لا تصلح تلقائيا لجميع الحالات، ولا يجوز تحويلها إلى ضغط للبقاء في علاقة تنطوي على عنف أو إكراه أو تهديد للسلامة. فالهدف ليس المصالحة بأي ثمن، وإنما صون الحقوق والكرامة والمصلحة الفضلى للأطفال.

التأهيل للحياة الزوجية استثمار وقائي

من الإجراءات المقترحة إطلاق برامج اختيارية للمقبلين على الزواج وللأزواج خلال السنوات الأولى، تتناول التوقعات المتبادلة، والتواصل العاطفي، وإدارة الاختلاف، والتخطيط المالي، وتقاسم مسؤوليات الرعاية والتربية.

ولا يتعلق الأمر بتقديم وصفة واحدة لكل الأسر المغربية، بل بتمكين الأفراد من معارف ومهارات تساعدهم على الاختيار الواعي والتعامل البناء مع الخلافات. ونجاعة هذه البرامج فرضية ينبغي اختبارها بتقييمات ميدانية قبل تعميمها.

الأطفال أكثر من مجرد أرقام تابعة للطلاق

غالبا ما يطغى النقاش حول عدد حالات الطلاق، بينما يظل أثر النزاعات على الأطفال أقل حضورا. ولا يعني الطلاق في ذاته وقوع ضرر نفسي حتمي، كما أن استمرار الزواج لا يوفر الحماية حين تسود النزاعات المزمنة أو العنف.

وتقتضي الحماية مواكبة نفسية واجتماعية للأطفال، وبرامج للتربية الوالدية المشتركة بعد الانفصال، وضمان الحقوق الاقتصادية والتواصل الآمن، ومنع توظيف الطفل أداة ضغط في صراعات الكبار.

نحو سياسة وطنية متكاملة للأسرة

لا تكفي تدخلات قطاعية متفرقة لمواجهة تحولات بهذا العمق. لذلك تبرز الحاجة إلى سياسة وطنية منسقة بين قطاعات التضامن والصحة والتعليم والسكن والتشغيل والعدل، بمشاركة الجماعات الترابية والمجتمع المدني والباحثين.

ويجب أن تستند هذه السياسة إلى رصد علمي منتظم يميز بين طلبات الطلاق والأحكام الصادرة، ويحلل الاختلافات حسب مدة الزواج والدخل والمجال الترابي، ويضم دراسات كيفية تستمع إلى خبرات الأزواج والأطفال. فالأرقام القضائية مهمة، لكنها لا تكشف بمفردها لماذا تصل العلاقات إلى الانفصال.

في النهاية هل نريد تقليص الطلاق أم تحسين جودة الحياة الأسرية؟

ليس السؤال الحكومي الأجدر بالطرح فقط: كيف نخفض عدد حالات الطلاق؟ بل: كيف نوفر شروطا تساعد على علاقات زوجية آمنة ومستقرة؟ فانخفاض الطلاق لا يعني تلقائيا تحسن جودة الحياة، وقد يكون الانفصال في بعض الحالات ضروريا لحماية الكرامة والسلامة.

لقد آن الأوان للانتقال من سؤال «لماذا يطلق المغاربة؟» إلى سؤال أكثر عمقا: ماذا فعلنا، مؤسساتيا واجتماعيا ونفسيا، لمساعدة الأسر على تجاوز أزماتها قبل وصولها إلى المحكمة؟

إن الاستثمار الحقيقي في استقرار الأسرة لا يبدأ داخل قاعة المحكمة، بل قبل ذلك بكثير، حين تتحول الأسرة من موضوع للخطاب السياسي إلى أولوية ملموسة في السياسات العمومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *