News، آخر أخبار الرياضة، أضواء كاشفة، العمق الرياضي، الكرة المغربية

أضواء كاشفة | هشام الدكيك كما عرفته.. القيم الإنسانية قبل النجاحات الرياضية

أضواء كاشفة | هشام الدكيك كما عرفته.. القيم الإنسانية قبل النجاحات الرياضية

يبدو تناول شخصية هشام الدكيك، مدرب المنتخب الوطني لكرة القدم داخل القاعة، من أصعب الامتحانات التي يمكن أن يواجهها أي كاتب أو صحفي، مهما كانت بلاغة كلماته أو حذاقة قلمه، فالمُطَّلع على قصة هذا الإطار الوطني يصطدم قطعاً بحتمية نزع جلباب الحياد وتبنّي الانحياز اللا إرادي لصالح سردية ابن مدينة القنيطرة، حتى يصير من المستحيل التعاطي مع حكايته بـ”برود تام” أو اعتدال صارم.

تتويج المنتخب المغربي لـ”الفوتسال” بكأس أمم إفريقيا، يوم أمس الأربعاء، ومراكمته الألقاب في هذه المسابقة على امتداد الأربع دورات الأخيرة، وما أسفر عن ذلك من أضواء تُسلَّط على “أسود الأطلس”، ليس سوى جزء يسير من سلسلة مترامية السنوات تتصدّرها عناوين الاجتهاد والانضباط والحرص الجامح على معانقة النجاح واعتلاء القمة.

أعرف شخصيا الإطار هشام الدكيك منذ سنة 2014، لمّا كان “الفوتسال” في المغرب يتهجّى خطواته الأولى في درب التألق، وحينما ألتقي به بعد كل هذه الإنجازات المُحقّقة بين تلك الفترة والمرحلة الحالية، أكاد لا أجد فرقا بين شخصية المدرب الذي لم يكن يملك أي شيء، سوى إيمانه بنفسه، والمدرب الذي يحتل هرم اللعبة في القارة الإفريقية ويتواجد في قائمة الأفضل على المستوى العالمي.

لست هنا بصدد استعراض المدارك التقنية والمعارف التكتيكية الهائلة التي يزخر بها الدكيك، والتي جعلته من أبرز المحاضرين في الاتحاد الدولي لكرة القدم وكذلك الاتحاد الإفريقي للعبة، فهذا الواقع تُعبّر عنه وتعكسه النتائج التي حصدها، لكنني أُفضّل التوقف عند شخصية هذا الرجل الذي يحمل كل المتناقضات في الوقت نفسه، بين الصرامة داخل الملعب والحس الإنساني في مستودع الملابس، والشراسة في الدفاع عن العلم الوطني مقابل الوداعة في التعامل مع أبناء بلده، وصفات أخرى تجُسَّد الدكيك كظاهرة فريدة من نوعها.

ظل الدكيك وفياً لنفسه ومُخلصا لمبادئه رغم الزخم الذي يُحيط به، واختار أن ينسج علاقته بلاعبيه بناء على السمات الشخصية والقيم الإنسانية أكثر من الفلسفات التكتيكية والخطط التقنية. أسرّ لي قبل بضع سنوات أحد مرافقيه داخل المنتخب الوطني، أن الرّجل لا يمل من حث لاعبيه على الالتزام بالفرائض الدينية وممارستها باقتناع، حتى أنه كان ولازال من أول الناهضين لأداء صلاة الفجر في التجمعات والمعسكرات التدريبية، وما يتركه ذلك من انعكاس إيجابي وروح تكافلية وعائلية بين كل أفراد المجموعة.

أتاح لي القدر والحظ كذلك فرصة محاورة الناخب الوطني في مناسبات عديدة، سواء في الحقبة الأولى التي كان فيها الاهتمام الإعلامي منخفضا أو السنوات الأخيرة التي تلألأ فيها المنتخب المغربي نجوميةً، ولن أنسى ما كان يُفصح عنه، حينما قال بأنه يحرص على ألا يسقط فريسة وضحية للنجاح وألا ينال التوهج من شخصيته، مؤكداً أن من واكبه في السنوات الأولى من هذه الرحلة لن تحجبه الأضواء والزخم الإعلامي والجماهيري.

إن ما حقّقه الدكيك في مسار كرة القدم داخل القاعة المغربية قصة مكتملة الأركان ومُفعمة بالدروس والعبر، يلمس فيها المرء قيمة الإيمان بالمشروع والذوذ من أجله، في نكرانٍ للذات وتجاوز لـ”الأنا”، في سبيل رسالة نبيلة قوامها تشريف الوطن وإعلاء رايته في المشهد القاري والعالمي، وهو ما نجح ابن مدينة القنيطرة في ترجمته إلى واقع لا يرتفع ولن تقفز عليه كتب التاريخ.

لقد واجه الناخب الوطني العالم بأسره بسلاح واحد، هو الصبر الذي كان ولازال يُردّد أهميته في كل لقاءاته وأحاديثه، فقد مكّنته هذه الخصلة من مصارعة رافضي التغيير وجيوب المقاومة، وجعلته غير آبه بالإكراهات ولا مكثرت إلى العقبات، في درسٍ بليغ أفلح الرجل في تصديره إلى العامّة حتى تستلهم منه ما يوائمها ويلائمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *