مجتمع

القاضي هشام بحار.. حارس “قرينة البراءة” الذي يزن الأحكام بميزان “الأثر الإنساني”

القاضي هشام بحار.. حارس “قرينة البراءة” الذي يزن الأحكام بميزان “الأثر الإنساني”

في مسار قضائي تتقاطع فيه النصوص القانونية مع مصائر الأفراد، لا تقاس تجربة القاضي بعدد السنوات التي قضاها في منصة الحكم أو بحجم الملفات التي عالجها، بقدر ما تقاس بمدى التزامه بضمانات المحاكمة العادلة، وقدرته على الموازنة بين تطبيق القانون وصون الحقوق والحريات. ومن هذه الزاوية، يكتسي انتقال المستشار هشام بحار، رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، دلالة تتجاوز التغيير في موقع المسؤولية، لتفتح النقاش حول تجربة قضائية ارتبطت، لدى عدد من المتابعين للشأن القضائي، بالإنصات والتأني في دراسة الملفات الجنائية والاحتكام إلى الأدلة في تقدير الوقائع.

ويأتي هذا الانتقال ليطوي صفحة من المسار المهني لبحار داخل المحاكم، ويفتح أمامه مرحلة جديدة في مؤسسة تضطلع بأدوار محورية في حماية استقلال السلطة القضائية وتدبير شؤون القضاة. وبين فضاء قاعات الجلسات، حيث تتواجه الروايات وتتناقش الحجج، وفضاء العمل المؤسساتي، حيث تطرح قضايا الاستقلال والنجاعة والتدبير المهني، تنتقل المسؤولية من تدبير الملفات المعروضة على القضاء إلى الإسهام في القضايا المرتبطة بسير المنظومة القضائية وضمان استقلالها.

الإنصات.. ركيزة في ممارسة سلطة الحكم

في الممارسة القضائية، لا تتوقف كفاءة القاضي عند الإلمام بالنصوص القانونية واستيعاب المقتضيات الإجرائية، بل تمتد إلى القدرة على إدارة الجلسات، واستيعاب دفوع الدفاع، والتمييز بين الادعاءات والوقائع التي تسندها الأدلة. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الإنصات باعتباره عنصرا أساسيا في فهم مختلف جوانب القضية، وليس مجرد سلوك مهني يرافق تدبير الجلسات.

وترتبط صورة هشام بحار، وفق ما يقدمه عنه عدد من المتابعين للشأن القضائي، بأهمية الاستماع إلى المتدخلين في القضايا المعروضة عليه، والتعامل مع المرافعات باعتبارها جزءا من عملية تكوين القناعة القضائية، لا مجرد إجراءات ينبغي تجاوزها للوصول إلى نهاية المحاكمة.

فالإنصات إلى الدفاع يتيح للمحكمة الوقوف على مختلف أوجه القضية، واختبار قوة الحجج والدفوع، واستحضار المعطيات التي قد لا تبدو واضحة عند القراءة الأولية للملف. كما يسمح بتفادي الأحكام المتسرعة أو القراءات المبتسرة للوقائع، ويعزز فرص الوصول إلى قرارات تستند إلى مناقشة متكاملة للأدلة والمعطيات المعروضة.

ولا تعني المحاكمة العادلة بالضرورة أن يحصل كل طرف على الحكم الذي ينتظره، وإنما أن تتاح له فرصة حقيقية لعرض موقفه، وأن تناقش دفوعه بجدية، وأن يصدر القرار القضائي بناء على تعليل قانوني واضح. وهنا تتجلى المسافة بين مجرد تدبير جلسة قضائية وممارسة سلطة الحكم بما تفرضه من تجرد وانتباه وتحمل للمسؤولية.

فهيبة المحكمة لا تتعارض مع الإنصات إلى الدفاع، بل تتعزز باحترام حقوق المتقاضين وضمان شروط المحاكمة العادلة. كما أن قوة القضاء لا تستمد من اختصار المساطر أو الحد من النقاش، وإنما من تطبيق القانون بصورة منصفة، وإتاحة المجال أمام مختلف الأطراف لعرض حججها ومناقشة ما يقدم ضدها من أدلة.

قرينة البراءة في مواجهة الأحكام المسبقة

تزداد حساسية هذه المسؤولية في القضايا الجنائية، بالنظر إلى ما قد يترتب عن الأحكام الصادرة فيها من آثار مباشرة على حرية الأشخاص وسمعتهم ومستقبلهم، فضلا عن انعكاساتها على أسرهم ومحيطهم الاجتماعي. وفي هذا المجال، تشكل قرينة البراءة إحدى الضمانات الأساسية التي يتعين استحضارها في مختلف مراحل المحاكمة، بما تفرضه من عدم تحويل الاتهامات إلى أحكام مسبقة، أو إحلال الشكوك والانطباعات محل الأدلة التي يتطلبها القانون.

ولا يعني احترام قرينة البراءة التساهل مع الأفعال الإجرامية أو التقليل من حقوق الضحايا، بل يقتضي إخضاع الوقائع لقواعد الإثبات والضمانات القانونية نفسها، بصرف النظر عن طبيعة القضية أو حجم الاهتمام الإعلامي الذي تحظى به. فالعدالة مطالبة بحماية حقوق جميع الأطراف، من خلال فحص الأدلة والقرائن والدفوع، وتحديد المسؤوليات وفق ما يثبت أمام المحكمة.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية المقاربة التي تنسب إلى تجربة بحار، بحسب الصورة التي يقدمها عنه عدد من المتابعين، والقائمة على التمحيص في الأدلة وعدم اختزال الملفات في الاتهامات الواردة فيها. وهي مقاربة تضع المسؤولية القضائية في إطارها القانوني، باعتبارها سعيا إلى استجلاء الحقيقة من خلال إجراءات المحاكمة، وإصدار الأحكام بناء على المعطيات الثابتة في الملف، بعيدا عن الضغوط الخارجية أو الانطباعات المسبقة.

ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية حين يتعلق الأمر بقضايا تستأثر بمتابعة إعلامية واسعة، وتتحول إلى موضوع لنقاشات عامة تتداخل فيها المعطيات المؤكدة مع التأويلات والتوقعات، وقد تتشكل بشأنها مطالب مسبقة بالإدانة أو التشديد في العقوبة. ففي مثل هذه الحالات، تصبح استقلالية القاضي وقدرته على الفصل بين ضغط المحيط ومضمون الملف من العناصر الأساسية لضمان سلامة المسار القضائي.

ولا يملك القاضي، في نهاية المطاف، اتخاذ قراره لإرضاء الرأي العام، كما لا يجوز له تجاهل خطورة الوقائع متى ثبتت عناصرها القانونية. وبين هذين الاعتبارين، تتحدد أهمية الاحتكام إلى القانون والأدلة، بعيدا عن منطق المحاكمة الموازية التي قد تسبق أحيانا استكمال المساطر القضائية.

من قاعات المحاكم إلى الأثر الإنساني للأحكام

تتجاوز آثار العمل القضائي حدود الملفات والوثائق لتلامس حياة الأفراد وأسرهم، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضايا يكون مآلها مرتبطا بالحرية الشخصية. ومن هذه الزاوية، يحضر المركب السجني عين السبع، المعروف باسم «عكاشة»، في النقاش حول الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للأحكام القضائية، باعتباره فضاء يعيش فيه المعتقلون والمتابعون قضائيا أوضاعا ترتبط بمآل المساطر التي يخضعون لها.

فخلف الأسوار، ينتظر أشخاص ما ستسفر عنه القضايا المعروضة على المحاكم، بينما تعيش أسرهم بدورها حالة من القلق والترقب. وفي مثل هذه الظروف، لا يكون الحكم مجرد خاتمة إجرائية لملف قضائي، بل قرارا تترتب عليه آثار قانونية واجتماعية وإنسانية قد تمتد إلى محيط الشخص المعني.

ويضع هذا الواقع القاضي أمام مسؤولية دقيقة في تقدير الأدلة وتطبيق القانون، بما يقتضيه ذلك من الابتعاد عن التسرع، مع الحرص على حماية حقوق الضحايا وصون أمن المجتمع. فالعدالة لا تتحقق بمجرد إصدار الأحكام، وإنما بمدى استنادها إلى إجراءات سليمة وأدلة كافية وتعليل يحترم الضمانات القانونية.

ومن هنا، فإن أهمية التجربة القضائية لا ترتبط فقط بالقدرة على حسم النزاعات، بل كذلك باستحضار الآثار التي يمكن أن تترتب عن القرارات القضائية، دون أن يتحول هذا الاعتبار الإنساني إلى بديل عن القانون أو عن قواعد الإثبات. فالمطلوب هو تحقيق التوازن بين صرامة تطبيق القانون واحترام الحقوق الأساسية، في إطار من الاستقلال والتجرد.

الانتقال إلى المجلس الأعلى.. مسؤولية مؤسساتية جديدة

يشكل انتقال هشام بحار إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية محطة جديدة في مساره المهني، تنفتح على قضايا تتصل باستقلال القضاء وتدبير المسار المهني للقضاة وتعزيز الضمانات الكفيلة بممارسة مهامهم في إطار من التجرد والمسؤولية.

وتكتسي الخبرة المتراكمة داخل المحاكم أهمية في هذا المستوى، بالنظر إلى ما تتيحه من معرفة عملية بالتحديات التي تواجه الممارسة القضائية، سواء تعلق الأمر بضغط الملفات، أو ظروف العمل، أو تدبير الجلسات، أو الإشكالات التي قد تؤثر في علاقة المتقاضين بالمؤسسات القضائية.

ومن شأن استحضار هذه التجربة الميدانية أن يساهم في إغناء النقاش حول سبل تطوير الأداء القضائي وتحسين ظروف اشتغال القضاة وتعزيز ثقة المواطنين في العدالة. غير أن الرهان لا يرتبط بالمسار الشخصي لأي عضو بقدر ما يتصل بقدرة المؤسسة، في حدود اختصاصاتها الدستورية والقانونية، على ترسيخ ضمانات الاستقلال، وتحقيق النجاعة، والتوفيق بين حماية القضاة من الضغوط وضمان خضوعهم للقواعد المهنية والقانونية المؤطرة لعملهم.

ويضع هذا الانتقال بحار أمام مسؤولية تختلف في طبيعتها عن المسؤولية المرتبطة برئاسة غرفة قضائية، لكنها تظل متصلة بالرهان نفسه: ضمان ممارسة السلطة القضائية لمهامها في إطار من الاستقلال والتجرد واحترام القانون. فالتحدي المؤسساتي يتمثل في تحويل الخبرة المهنية المتراكمة إلى مساهمة في تطوير الممارسة القضائية، بما يخدم جودة العدالة ويحافظ على حقوق المتقاضين.

مغادرة محكمة الاستئناف وسؤال استمرارية الخبرة

في المقابل، تطرح مغادرة بحار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء سؤال استمرارية الخبرة داخل الغرف الجنائية، في ظل الحاجة إلى قضاة يجمعون بين المعرفة القانونية والقدرة على تدبير الملفات المعقدة، واستيعاب الأبعاد الإنسانية للقضايا المعروضة عليهم.

ولا يعني ذلك ربط جودة الأداء القضائي بأسماء بعينها، مهما كانت مكانتها أو التجربة التي راكمتها، بقدر ما يبرز أهمية ترسيخ الممارسات المهنية الجيدة داخل المؤسسات، وتوفير ظروف العمل الملائمة، وضمان التكوين المستمر ونقل الخبرات بين الأجيال القضائية.

فالمؤسسات القضائية القوية هي التي تستطيع الحفاظ على مستوى أدائها وتطويره، حتى مع انتقال الكفاءات من مواقعها السابقة إلى مسؤوليات جديدة. كما أن جودة العدالة لا ينبغي أن تظل رهينة تجارب فردية، وإنما يجب أن تستند إلى قواعد مهنية ومؤسساتية تضمن استمرارية الأداء واحترام حقوق الدفاع والمتقاضين.

ومع ذلك، يظل انتقال قاض يحظى بالتقدير لدى بعض المتابعين للشأن القضائي مناسبة للتفكير في سبل تثمين التجارب المهنية المتراكمة، والاستفادة منها في تطوير العمل القضائي، حتى لا تتحول مغادرة الكفاءات إلى فراغ يصعب تجاوزه.

وبين صفحة قضاها هشام بحار داخل محكمة الاستئناف بالدار البيضاء ومرحلة جديدة في المجلس الأعلى للسلطة القضائية، تتجدد الأسئلة حول علاقة التجربة الفردية بتطوير المؤسسات، وحول قدرة القضاء على ترسيخ ضمانات المحاكمة العادلة وتعزيز ثقة المتقاضين. وهي أسئلة تتجاوز مسارا مهنيا بعينه، لتلامس جوهر الرهان على عدالة مستقلة وفعالة، تستمد قوتها من احترام القانون وصون الحقوق، ومن قدرتها على جعل الإنصاف ممارسة مؤسساتية مستدامة، لا مجرد انطباع يرتبط بأسماء أو تجارب محددة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *