وجهة نظر

حين يُعتم العالم تُضيئ السينما.. في وجدة حين تتسع السينما المغاربية لصوت السودان

حين يُعتم العالم تُضيئ السينما.. في وجدة حين تتسع السينما المغاربية لصوت السودان

لم يكن تتويج فيلم «ملكة القطن» للمخرجة السودانية سوزانا ميرغني بالجائزة الكبرى للمهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة مجرد إعلان عن فائز في مسابقة سينمائية، بل لحظة ذات دلالة خاصة.

فقد حمل الفيلم إلى وجدة حكاية سودانية محلية، لكنها تلامس اسئلة إنسانية مشتركة حول الأرض والذاكرة والإستعمار وسلطة العائلة وحق المرأة في اختيار مصيرها.

شاهدت فيلم «ملكة القطن» ضمن عروض المهرجان، ولم أشعر أنني أمام عمل يستخدم السودان كصورة جاهزة عن الحرب والمعاناة. فالمخرجة سوزانا ميرغني قدمت بلدها السودان من باب قرية صغيرة وحقول القطن وفتاة مراهقة اسمها نفيسة. ومن هذه العناصر تبني فيلما تتقاطع فيه الحكاية الفردية مع تاريخ طويل من الهيمنة والمقاومة.

تعيش الطفلة نفيسة تحت سلطة جدتها «الست»، المرأة التي تحولت الى أسطورة في القرية بفضل روايات مقاومتها للاستعمار البريطاني. غير أن الجدة ليست رمزا بطوليا بسيطا، فهي حارسة الذاكرة وتمثل أيضا سلطة تقليدية تتحكم في حياة حفيدتها.

في الفيلم نجد أن القطن ليس مجرد محصول، بل ذاكرة اقتصادية وسياسية. وحين يصل رجل أعمال بمشروع للقطن المعدل وراثيا، ويرتبط مشروعه بمصير نفيسة وزواجها، يصبح جسد الفتاة والارض الزراعية جزءا من الصراع نفسه حول من يملك الأرض؟ ومن يقرر شكل التنمية؟ ومن يملك حق تقرير مستقبل المرأة؟

قوة «ملكة القطن» انه فيلم سياسي من دون شعارات. السياسة فيه توجد في الحقول، في التفاصيل اليومية للناس البسطاء وفي حكايات الجدة، وفي خوف القرية من فقدان ما تملكه باسم التحديث.

يميل الفيلم إلى الشعرية والواقعية السحرية، حيث تختلط الذاكرة بالأسطورة ويصبح النيل والقطن عناصر حية داخل البناء الدرامي.

قد تبدو بعض الانتقالات بين الواقعية والبعد الاسطوري أقل انسجاما أحيانا، لكن ذلك لا ينتقص من خصوصية الفيلم وجرأته. ويزداد أثره حين نعرف أنه صُوّر في مصر بعد اندلاع الحرب في السودان، بمشاركة فنانين سودانيين نازحين.

فوز «ملكة القطن» في وجدة ينسجم مع روح مهرجان يريد أن يكون فضاء للقاء بين التجارب المغاربية والعربية والإفريقية. فالسينما هنا لا تعترف بالحدود الضيقة، بل تجعل من قصة فتاة سودانية سؤالا مشتركا عن الحرية والكرامة والحق في المستقبل.

وما زاد هذه اللحظة قيمة هو الدفء الذي طبع أيام المهرجان. فلم تكن وجدة مجرد مدينة تستضيف العروض والضيوف، بل بدت مدينة تفتح أبوابها للسينما وللسينمائيين وللمهتمين، شعرت بأن المهرجان ليس فضاء للمنافسة فقط، بل مناسبة للقاء انساني حقيقي. ذلك أن كرم وحفاوة أهل وجدة تمنح التجربة بعدا لا تصنعه القاعات ولا البروتوكولات وحدها.

حين يُعتم العالم تُضيئ السينما.. في وجدة حين تتسع السينما المغاربية لصوت السودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *