من لايفات الفيسبوك إلى قبة البرلمان… حين تتحول مواقع التواصل إلى وسيلة للتغيير أو مجرد وسيلة للربح عن طريق نشر التفاهات

إن قصة النائب البرلماني عن إقليم ميدلت عبد العزيز باريك الملقب بأسامة، الذي انتقل من فضاء فيسبوك إلى قبة البرلمان، تفتح باباً واسعاً للنقاش حول الدور الذي أصبحت تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي العام، وصناعة التأثير، وفتح أبواب المشاركة السياسية أمام الشباب. فوسائل التواصل لم تعد مجرد فضاء للتسلية وتبادل الصور والتعليقات و نشر التفاهات، بل أصبحت، حين تُستعمل بوعي ومسؤولية، أداة للترافع عن قضايا المواطنين، ونقل معاناتهم، والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، بل وقد تكون جسراً للانتقال من التعبير الافتراضي إلى تحمل المسؤولية والتمثيل السياسي.
لكن، في المقابل، يبرز اختلاف واضح في طريقة استغلال هذا الفضاء الرقمي بين فئة من الشباب اختارت أن تجعل منه منبراً للدفاع عن أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية، والتعبير عن همومها اليومية، والترافع عن مطالب مناطقها وقضايا مجتمعها، وفئة أخرى جعلت من البث المباشر وسيلة لجذب المشاهدات وتحقيق الأرباح، حتى وإن كان ذلك على حساب كرامتهم و الذوق العام، والحياء، وقيم الاحترام، ومقومات الثقافة والهوية المغربية.
فالفرق ليس في استعمال مواقع التواصل، بل في الغاية من استعمالها. هناك من يوظف صوته وحضوره الرقمي من أجل إيصال صوت المواطن الذي لا يجد منبراً للتعبير عن معاناته، وهناك من يحوّل المتابعة والتفاعل إلى غاية في حد ذاتها، ويبحث عن الانتشار بأي ثمن، ولو من خلال محتويات تثير الجدل وتخدش الحياء وتتعارض مع ما يتشبث به المجتمع المغربي من قيم الاحترام والوقار.
ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى التضييق على حرية التعبير أو فرض وصاية على اختيارات الأفراد، بقدر ما يتعلق بالتأكيد على أن الحرية مسؤولية، وأن النجاح الرقمي لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المشاهدات أو حجم الأرباح، بل أيضاً بما يقدمه صاحبه من قيمة مضافة للمجتمع.
إن الشباب المغربي في حاجة إلى نماذج تجعل من التكنولوجيا وسيلة للتوعية والترافع والابتكار وصناعة المبادرات، لا مجرد سباق محموم وراء الشهرة والمال. فكم من قضية اجتماعية تستحق أن تتحول إلى حملة رقمية واسعة، وكم من منطقة مهمشة تحتاج إلى أصوات شجاعة تنقل واقعها وتدافع عن تنميتها، وكم من طاقة شبابية يمكن أن تصنع الفرق لو وُجّهت نحو المعرفة والعمل والمبادرة.
إن الانتقال من ناشط رقمي إلى مسؤول منتخب يطرح، في حد ذاته، سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن تحويل التأثير الافتراضي إلى أثر ملموس في حياة المواطنين؟ فالمعيار الحقيقي لا يكمن في عدد المتابعين، ولا في القدرة على إثارة الانتباه، بل في مدى ترجمة هذا الحضور إلى مواقف ومبادرات وترافع مسؤول عن انتظارات الساكنة.
في النهاية، لسنا أمام صراع بين جيلين أو بين من يستعمل فيسبوك ومن لا يستعمله، بل أمام اختلاف في الوعي بالمسؤولية والرسالة. فهناك من يصنع من هاتفه منبراً لقضايا الناس، وهناك من يجعله مجرد وسيلة للربح السريع. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان هو أن تتحول القوة الرقمية للشباب المغربي إلى قوة اقتراح وتغيير وبناء، تحترم حرية التعبير، وتصون كرامة الإنسان، وتنسجم مع قيم المجتمع وثقافته وهويته.
فليس كل من جمع المشاهدات صنع أثراً، وليس كل من تصدّر الترند قدّم شيئاً لمجتمعه؛ فالتأثير الحقيقي هو أن تترك وراءك قضية تحققت، أو حقاً دُوفع عنه، أو وعياً ارتقى، أو أملاً عاد إلى نفوس المواطنين.
اترك تعليقاً