ما ينبغي أن يقال… حول الخيار الديمقراطي المؤجل ؟

أولا، لابد أن نستسمح عذرا المفكر الألماني “غانتر غراس” حيث نقتبس منه عنوان قصيدته التي أثارت جدلا في حينها و هزت حفيظة نخبة من متصهيني ألمانيا و أوروبا حين انتقدت غض الطرف عن كيان الاحتلال و عن برنامجه النووي السري فيما تقام الدنيا و لا تقعد حول برنامج ايران النووي رغم فتوى المرجعية المعلن بالتطلع و التعهد باستغلال التقنية النووية للأغراض السلمية و المدنية. شكلت القصيدة في حينها صرخة احتجاج مدوية في صحراء الصمت المطبق تعري ازدواجية الغرب و كيله بمكاييل مختلة و ضمنيا تفضح تغاضيه و لامبالاته أمام التطهير العرقي بفلسطين و ممارسات الاحتلال اللاإنسانية. جاءت قصيدة “ما ينبغي أن يقال” طلقة فكرية و موقفا حرا أمام استعلاء و عجرفة و عربدة الاجرام الصهيوني و شكلا من أشكال الرفض الفكري و الاحتجاج الثقافي في وجه أوروبا و بشاعة ازدواجيتها و ردا ملتزما و راقيا على “لودفيج فتجشتين” و مقولة (ما لا يستطاع الكلام عنه يجب السكوت عن الخوض فيه).
فالفكر و الثقافة عموما بوصفهما ميادين للتفكر و التأمل و النقد و المساءلة تعد من الممارسات الملتزمة بحكم طبيعتها النبيلة و النخبوية و الملزمة للمثقف المشتبك – كما عرفه باسل الأعرج و مارسه غانتر غراس- بإعطاء و إبراز نموذج حي و صادق للنضال من أجل المبدأ و الحقيقة و القضايا العادلة و التضحية في سبيل الكرامة الانسانية و حرية التفكير و التعبير.
ان التحرر من سطوة و هيمنة الآخر أي الاستقلال و الوعي بالذات و الايمان بقدراتها المعرفية و إمكاناتها الحضارية يتحقق سياسيا بقرار التوقف عن تنفيذ و تقديس إملاءاته و توصياته و فكريا بالتوقف عن الكتابة والتفكير بهدف نيل اعترافه، و هذا لا يتحقق سوى بالانتقال إلى رؤية للذات و للمستقبل حرة و متحررة أي رؤية ديمقراطية و سيادية و فكرية و علمية ثم العروج بها نحو إنتاج معرفة أصيلة، مستقلة، ومتعددة الأبعاد و المجالات تتجاوز في حركيتها عقد النقص و الخوف التي هي من طبيعة السلطوية و رغبتها المتأصلة و المستميتة في التحكم المطلق و الهيمنة على الجميع.
فالحق في التفكير و الحق في التعبير هي حقوق إنسانية و كونية تحافظ على حيوية العقل و نشاط الفكر و توازن النفس و استقلالية و كرامة الذات أمام تيارات التسلط و التحنيط و أنساق الإخضاع و الولاء و الإذعان الأعمى التي تحارب الفكر و التفكير ليكون حين يتاح تفكيرا متحجرا و غرائزيا أي إما بدائيا أو مراهقا يتحرك على أساس التقليد الأعمى أو اتباع الهوى أو المماثلة الصورية و القياس الشكلي.
عندما كتبت المفكرة الهندية غاياتري سبيفاك مقالها المتميز “هل يستطيع التابع أن يتكلم؟ “، لم يكن تساؤلها يعبر عن استفهام عابر حول الكلام كظاهرة صوتية. فالتابع بطبيعته كائنا بشريا كان أم نسقا يملكان الآليات و القدرة العضوية على الخطاب و التعبير بطرق متعددة، لكن المشكلة تكمن في نظر سبيفاك في عجز النظام السائد و المهيمن عن الانصات الفعلي و الجاد للتابع دون إخضاعه عنوة لشروطه و أدواته المعرفية. فعدم تملك التابع لسيادته في التعبير و رفض السيد أو النسق المهيمن الاعتراف بكينونته يمنعه من امتلاك الفعالية (بناء الخطاب و الكلام) التي تجعل صوته
مفهومًا أو مسموعًا داخل النظام المسيطر. فالبنى السائدة حين تكون سلطوية تكون صماء لكنها تدعي الإنصات حين لا تعير التابع اهتماما في لامبالاتها و كحد أدنى تعيد صياغة كلامه بل و تسويغه و تفسيره و إعادة تركيبه بما يحقق الاستتباع و خدمة مصالحها باستمرار، ما يؤدي إلى طمس الصوت الحقيقي للتابع و استبداله بصياغات مشوهة تطمس مضامينه و معانيه و تكرس الوضع القائم على التغييب حين يصير كلامه صدى يكرره الآخرون نيابة عنه و بدلا عنه.
حين ركزت سبيفاك مقالها حول الحق الطبيعي في التعبير، أعتقد أن طرحها يسائل ضمنيا رمزية و حقيقة سيادة الدول في حقبة ما بعد الاستقلال و مدى حضور الحرية و الممارسة الحرة في علاقاتها الدولية و تأثير ذلك في استنساخ الأنظمة السلطوية ذات اليافطة الديمقراطية و مدى ارتباطها بنيويا بالمستعمر مما ينعكس داخلها خيارات و سياسات تنطوي على القمع و الإسكات و التسلط و القهر و الاستبداد و سلب الحريات.
بعد سبيفاك، حاول المفكر حميد دباشي من باب الضرورة
المنهجية، استدراك المرحلة السابقة للكلام و هي الحق في التفكير. فكان صدور مؤلفه القيم “هل يستطيع غير الأوروبي التفكير؟” جاء مشروعا مكملا لطرح سبيفاك لأنه انتقد فيه إشكالية المركزية الأوروبية/ الغربية المهيمنة على صناعة العلم و المعرفة عالمياً و المعتمدة على احتكار الأفكار و ترسيخ نظام معرفي امبريالي يحقق للغرب بل و يضمن له تفوقا كبيرا يكرس عبره إخضاع و استتباع باقي العالم. فالعلاقات الدولية إلى اليوم ما تزال محكومة بفكر الهيمنة بمنطق غرامشي و ببنية استعمارية مستترة و امبريالية معلنة رأس حربتها الصهيونية تفترض أن الغرب عموما هو المركز أو الجهة التي يحق لها أن تبحث و تنتج و تبدع في حقل المعرفة و التكنولوجيا (من صناعة حليب الأطفال إلى صناعة الأسلحة) ، بينما بقية العالم هي مجرد مختبرات و حقول تجارب (للحروب و الأسلحة) تطبق عليها تلك المعارف و النظريات الغربية بحيث لا يحق لها الخروج من دائرة الاذعان أو الخوض في مجال العلم و المعرفة بسيادة و استقلالية. هذه المنطلقات هي ما يحكم العلاقات الدولية و هي ما يفسر أحداث و صراعات اليوم من حروب و تدخلات سافرة في شؤون الدول و منها فرض
الاتفاقية الابراهيمية و التطبيع المختل مع الكيان الصهيوني المحتل.
و يبقى الهدف الفكري من تساؤل سبيفاك و دباشي حول أهلية التفكير و أحقية الكلام هو أيضا كسر الاستعلاء و الادعاء الغربي باحتكار الحق الحصري فيما هو كوني إنساني، والمطالبة بمساواة معرفية تتيح لكل الثقافات والمجتمعات و الدول الحق الكامل و اللامشروط في إنتاج معرفتها و صناعاتها و نماذجها الحضارية بسيادية و استقلالية.
ان التزام الانسان بشرطه الوجودي أي انسانيته يقتضي منه المساءلة العميقة و الدائمة. هذا يعني في نظري مساءلة الذات عن الذات و ما يستدعيه الوعي بالذات أي بمرجعيتها و قيمها و إيمانها و ثقافتها و ممارساتها الطبيعية لقناعاتها و تموقفها في أفق تحقيق التدافع الصحي عبر مساءلة ما يصدر عن بعضنا البعض في المجال المشترك الذي تتقاطع فيه المصلحة العامة و منه مجالات تدبير الشأن العام بالاقتراع و الانتخاب كشكل من أشكال التعبير العام.
في الانتخابات الأخيرة على سبيل المثال، حين يقال لحظة إعلان النتائج أن الفائز الحقيقي في العملية هو الديمقراطية. نسأل ببداهة المتلقي : منذ متى تم اختزال
الديمقراطية في الانتخابات أو الاقتراع !!!. فبدل أن تكون الانتخابات مناسبة مجتمعية للممارسة الواعية و لتكريس الحق في التعبير المسؤول عن الرأي و التفكير الجدي في المصير الواحد، نجدنا إزاء مغالطة مكشوفة لتزييف للوعي بمفاهيم خاطئة في تجاوز متعمد لحقيقة الديمقراطية و مضامينها من قبيل الحق في المساواة و الكرامة و العدل و الحرية و إعمال القانون على الجميع و معاقبة حالات تضارب المصالح المستشرية و تفعيل المحاسبة و المساءلة بلا استثناء و تنزيل أفقية الصحة و التعليم و أجرأة الحق في التشغيل وتفعيل التعيينات و الشفاقية في إسناد المناصب بمنطق الكفاءة و الاستحقاق و القدرة على الإبداع.
فالديمقراطية تقتضي بعد هكذا تعريف الشجاعة في تنزيل الخيارات الشعبية في التوجهات و القرارات الكبرى و دعم العلم و المعرفة و البحث العلمي الناجع و محاربة الظلم و الفساد و الريع و الزبونية و الرشوة و استغلال النفوذ و تستدعي لذلك الإنصات الصادق لنبض الشعب بدل خيار المواربة و اللامبلاة بادعاء واقعية متوهمة و أصالة مصطنعة و لا أدل على ذلك خيار “الليبيرالية الأوليغارشية” و ملف التطبيع مع الكيان الصهيوني و الاستماتة الرسمية في المسار رغم الرفض الشعبي – الإنساني و المسؤول – في ظل تغول الاحتلال بالقتل و التشريد و التدمير و الأسر و التهجير عن طريق هندسة الإبادة و المجاعة فضلا عن
الحصار الجائر.
فإذا كانت الديمقراطية ترتكز على مبدأ التمثيلية العددية فهي لا تعني بتاتا الامتثالية العمياء ليبقى هناك أمران أو مبدآن في الشأن العام لا يقبلان التفويض أبدا. أولا، الانسانية التي تحث الفرد فطريا أن يشعر بالآخرين و بمعاناتهم و آلامهم و يكون في خدمتهم و في جانبهم فلا يزدريهم، فالناس صنفان كما جاء على لسان الإمام علي (أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق). ثانيا، مبدأ المسؤولية لأن لا أحد يستطيع أن يفكر مكان الآخر و لا أحد يستطيع أن يجيب عن الآخر بمنطوق و مفهوم (قفوهم إنهم مسؤولون).
إن التدبير باسم الواقعية و الوطنية هو اليوم مجرد ادعاء متجاوز لأنه حالة ارتهان و إخضاع في حقيقته تستدعي الواقعية و الوطنية التباسا لخلق أوضاع تجعل التبريرات و التسويغات و تمرير الخيارات المتعسفة تبدوا طبيعية في ظل ضبابية المشهد و عدم تبصر المسار.
فالبصيرة التي تضيء تتأتى فقط بالإنسانية و المسؤولية و بالتفكير الجمعي الجاد و العقلانية في استجلاء و استيعاب الحقائق المستبطنة في الأحداث و الوقائع. لذا كان المتبصر
هو من يصدق ذاته و الآخرين و يستنير بالعقلانية و بعقول الآخرين لينير الجميع. و من استضاء و لو بقبس لا يخشى الظلام حين يتبصر الطريق بثقة واقتدار فلا يكون هناك مجالا أو مساحة للقهر و لإعادة إنتاجه. ففي أنساق القهر و التعسف، كل مقهور ينتقم لقهره بممارسة القهر و تكراره على الآخر، فتسري علاقة الإذعان و الخضوع و الطاعة في كامل النسق، فيتواطأ الجميع على السادية و يستمتع كل فرد بتمكنه من ممارسة تسلطه و استبداده على الآخرين. فالتكالب على المناصب و الانتفاع الشخصي عبر شبكات المنافع و المصالح هما القاعدة اليوم في ظل الجمود و تكالب الأهواء الفاسدة ما يؤدي لتفريخ التفاهة و التافهين المتنفذين غير الأكفاء استنادا لمبدأي “بيتر” و “ديلبر” لكن على حساب شريحة من شرفاء و بسطاء المجتمع هم ضحية الاستلاب المهيكل.
ان عملية اغتيال العقل البشري معنويا بالتضليل و التجهيل و اللاتفكير هي في عمقها اغتيال للنفسية كذلك لا تتحقق إلا بالاستلاب (راجع مقال سؤال الاستلاب للكاتب). فيكون اغتيال النفسية حين تنهزم داخليا و تنهار بفعل وطأة الإخضاع و مصادرة الخيارات في الإصلاح و التغيير. فاغتيال النفسية هو اغتيال للأمل في تحقيق الآمال الانسانية المشروعة يكون أقسى و أشد وطأة و أبشع من اغتيال الجسد. فالاغتيال بهذا المعنى يحدث حين يقع الانسان/ النسق في حالة من تراكم الجمود و اللاتفكير و اليأس تجعله يحبذ النفور و اللاحركة و ممارسة التبرير و التسويغ باستمرار و في كل الاتجاهات في سبيل هدف وجودي هو الخلاص الفردي و الأسري من بطش الواقع المرير و ثقل الذات المستلبة. ان الإمعان في تغييب البوصلة اليوم و كثرة التشويش على العقل بالتزييف يؤدي الى انحباسه عن تفعيل حركيته أي تغييبه فيصيبه ضباب و عمى كثيف في الرؤية و ينتابه جفاف معنوي تغرب فيه الفكرة و ينمحي المعنى فتسيطر على الوعي الجمعي تصورات و أصنام و خرافات و معتقدات و مشاعر خوف و هذيان تصل حد الفوبيا و الرهاب من مجابهة بؤس الواقع فيستسلم للحلول الماورائية (هروب الأدمغة، الهجرة السرية، السحر و الشعوذة، التوسل بالزوايا و القبور و الأضرحة، …) فتندحر النفسية بعدها و ينهار العقل إلى أحط دركات الضمور القلبي و الفكري و هي مرحلة القحط
المعنوي. في قحطه، تصل النفسية الى مرحلة الاستسلام السريري فيستقيل العقل عن التفكير فيخضع و يتحجر و يستهلك بلا أدنى رد فعل أو اعتراض كل ما يلقى إلى مستقبلاته من مسلمات و أحداث و أخبار يتلقفها فتلزمه كحقائق كونية مطلقة. حينها تصير حسابات و أفعال التابع بلا تمحيص و تصبح خياراته الفردية ضد مصلحته و ضد المصلحة العامة كونها في مصلحة السيد/ النسق المستعلي. هنا يصل الاستلاب الى قمته فيعتقد التابع جازما بأن الإذعان و الخضوع و الطاعة و التبعية للسيد هي اختيار حر طوعي أو أنها تستند إلى امتنان عميق لوجوده.
ختاما، نقول فاز مفهومهم للديمقراطية حين سكتت هذه الديمقراطية و صمتت و غضت الطرف عن أولئك الذين يقبعون في الزنازين قهرا و ظلما و ضربا للحق في التعبير و التفكير و فازت أيضا حين شاحت بوجهها عن ما صدر عن المجالس الدستورية من خروقات جسيمة (المنافسة، الحسابات، تقارير لجان برلمانية…) و سكتت عن فساد مؤسسات و قطاعات صنفتها الدولة حسب رؤيتها المتفردة أنها استراتيجية فيما هي اليوم تتيه في واقع من سوء
التدبير و التخلف و الكساد الاستراتيجي و في مستنقع من الرشوة و استغلال النفوذ و غياب كلي لأي أفق أو تصور أو تأطير متوسط أو بعيد المدى. فازت ديمقراطيتهم حين تذكرت المجال القروي فقط في الانتخابات بينما واقع الجماعات الترابية يئن في صمت تحت وطأة الإقصاء و التهميش في ظل غياب للتنمية المهيكلة و لبنية تحتية اجتماعية منهكة (غياب البعد الاستراتيجي في هندسة الميزانية و مشاريع مكلفة بلا بعد اجتماعي، ثقل مساطر الإصلاح و البناء، صحة و تعليم مكلفين، طرق و مسارات مرتهنة لمصالح المتنفذين، غياب ملاعب القرب، انعدام المكتبات، غياب بنيات التأطير و دور الشباب، غياب مسابح ، ….). قطاعات و مؤسسات و جماعات ترابية هي اليوم على شفا الانهيار الإجتماعي و الإفلاس الأخلاقي كونها تغذي و تكرس الإنحراف بكافة أبعاده. فبدل أن تتحمل مسؤولياتها كاملة و تلعب أدوارها و صلاحياتها، يسيطر فيها و عليها ثلة من التافهين الوصوليين يتحركون حين يفعلون بمنطق الاسترزاق و التزكيات و العلاقات المشبوهة و بتواطؤات المصالح المركبة و المتشابكة لمجالس إدارية و تمارس حكامة صورية و شكلية بلا فعالية على أرض الواقع و لا تأثير ملموس على البسطاء القابعين بصمت في هامش الهامش.// انتهى.
اترك تعليقاً