قراءة في ندوة السويسي حول انتخابات 2026

تضع المخرجات الرقمية والسياسية للانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 الباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية أمام مفارقة بنيوية تتعلق بمدى تطابق المعيارية الدستورية مع الواقع التطبيقي للممارسة الانتخابية بالمغرب. ففي الوقت الذي يكرس فيه الدستور في فصليه الثاني والحادي عشر مبدأ السيادة الشعبية والاختيار الديمقراطي الحر والنزيه كآلية لإسناد السلطة، تكشف الممارسة الميدانية عن انزياح الوظيفة الانتخابية من أداة للتمثيل الديمقراطي والمحاسبة السياسية إلى مجال لتدبير التوازنات الاقتصادية وإعادة إنتاج نخب الأعيان، في ظل هيمنة “حزب غير المشاركين” كفاعل أول في المعادلة الانتخابية.
هذا التشخيص الدستوري والسياسي شكل المحور المركزي للندوة العلمية الوطنية التي احتضنتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بجامعة محمد الخامس بالرباط، أمس الخميس، حول موضوع “ما بعد انتخابات 2026: النتائج، التحولات السياسية والتحديات الديمقراطية”، بشراكة مع مؤسسة هانس زايدل الألمانية، والتي جرى بث أشغالها عبر الفضاء الرقمي بصفحة منسقها الأستاذ أحمد بوز؛ حيث تقاطعت مداخلات الأساتذة الجامعيين والفاعلين السياسيين مع جملة من الخلاصات التي سبق أن بسطناها في مقالات ودراسات تحليلية سابقة حول تحولات الوظيفة التمثيلية وسوسيولوجيا النخب الانتخابية بالمغرب.
وافتتح أشغال الندوة عمر حنيش، عميد كلية الحقوق السويسي، بالتأكيد على أن الانتخابات لا تشكل مجرد موعد دستوري دوري ينتهي بإعلان النتائج، بل محطة لمساءلة قدرة الفاعلين السياسيين على ترجمة انتظارات المواطنين إلى سياسات عمومية فعالة، وتوفير بيئة مؤسساتية مستقرة وجاذبة للاستثمار؛ فيما شدد أحمد بوز، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، في الكلمة التأطيرية للقاء، على أن قراءة استحقاقات 23 شتنبر تقتضي تجاوز “المقاربة الحسابية” لتوزيع المقاعد، نحو بحث شروط “الانتقال من شرعية النتائج الانتخابية إلى شرعية الأداء والإنجاز السياسي والمؤسساتي”، منبها إلى مخاطر اعتماد الأحزاب المتزايد على ذوي النفوذ الاقتصادي والوجاهة الاجتماعية عوض الكفاءة والمشروع السياسي.
اختلال الوظيفة التمثيلية وهيمنة المنطق الاقتصادي والمقاولاتي
في تشريحه لبنية النسق الانتخابي، أكد محمد الساسي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس والقيادي في فيدرالية اليسار الديمقراطي، خلال مداخلته في الندوة ذاتها، أن الانتخابات التشريعية بالمغرب “ما تزال لا تؤدي الوظائف الديمقراطية والتمثيلية الطبيعية المنوطة بها”، والمتمثلة دستوريا في تمكين المواطنين من اختيار السلطة التي تحكم وتتولى تنفيذ البرنامج المصادق عليه عبر صناديق الاقتراع، مبرزا أن “وجود مصدر آخر للسلطة خارج نطاق الانتخاب يجعل المؤسسات المنتخبة لا تمارس سوى جزء من الوظيفة السياسية والتدبيرية”.
وتابع الساسي في قراءته التحليلية للنسق الانتخابي أن الإشكال البنيوي في الممارسة المغربية يكمن في كون الناخبين “يصوتون على أشخاص لا يحكمون، بينما الذين يحكمون لا يتم انتخابهم”؛ ذلك أن “الضبط الانتخابي” يشتغل كآلية احتياطية تمنع إفراز أغلبية برلمانية تحمل برنامجا مخالفا لما سماه “برنامج الدولة القار والثابت” المرتبط بالأوراش الكبرى والمخططات القطاعية والالتزامات مع المؤسسات المالية الدولية، ما يقلص الدور التمثيلي للبرلمان والحكومة ويحصرهما في وظيفة تدبيرية واقتصادية تكميلية.
وفي هذا الصدد، سجل الأستاذ الجامعي ذاته أن المؤسسة التشريعية والمجال الانتخابي باتا يعرفان حضور فئات اقتصادية ومهنية، من كبار الفلاحين وأرباب المقاولات وأصحاب الرساميل، تدافع باستقلالية عن مصالحها وتدير “لوبياتها الخاصة”، بالموازاة مع تحول خطاب الأحزاب نحو تسويق “الكفاءة والحلول الاقتصادية”؛ كما رصد في ندوة السويسي بروز علاقة وظيفية بين السياسة والرياضة والرهانات الاقتصادية في استحقاقات 2026، حيث جرى توظيف النجاحات الرياضية لتقديم وجوه معينة باعتبارها الأقدر على قيادة ما سماه “حكومة المونديال”.
ويتقاطع هذا التشخيص الذي قدمه الأستاذ الساسي بشكل مباشر مع ما سبق أن فصلناه في مقال تحليلي بعنوان “تحول وظيفة الدولة: من المشروعية الدستورية إلى منطق المقاولة”؛ حيث أبرزنا أن الممارسة السياسية والدستورية المعاصرة تشهد انزياحا عن مفهوم التعاقد الدستوري والسيادة الشعبية لصالح استبطان “عقلانية المقاولة” وميكانيزمات السوق، إذ بات ينظر إلى التداول البرلماني والرقابة السياسية باعتبارهما بطءا مسطريا يعيق مرونة التدبير التكنوقراطي، مع تسرب منطق العرض والطلب إلى مساطر منح التزكيات الانتخابية لاستقطاب المسيرين والأعيان ذوي الملاءة المالية الجاهزة، وتحول الخطاب الانتخابي إلى تسابق حول الأرقام والمؤشرات التقنية في إطار ما يسميه الفقيه القانوني آلان سوبيو “الحكامة بالأرقام” المعزولة عن شروط التمويل والمساءلة الديمقراطية.
وعلاقة بالموضوع، استحضر الساسي التعابير المتداولة بالدارجة في تشخيص واقع الممارسة الانتخابية؛ إذ اعتبر أن معرفة اتجاه الإرادة العليا لم تعد تتطلب تحليلات سياسية معقدة، بل يكفي رصد “تهافت الأعيان” وانتقالهم نحو حزب معين لمعرفة “نهاية الفيلم السينمائي انطلاقا من مقدمته”. كما انتقد المتحدث ذاته تردي الخطاب السياسي خلال الحملة الانتخابية إلى مستوى السب المتبادل والاتهامات المباشرة قائلا بالدارجة: “ما عمرنا وصلنا لهذا الحضيض”، مسجلا أن تعدد المتابعات والملفات الجنائية التي تلاحق بعض المرشحين لم يعد يشكل عائقا أمام تصدر أحزابهم، بينما تحول جزء من النقاش العمومي إلى معارضة مشخصنة تختزل التدافع السياسي في ثنائية “حيدوني، رجعوني”، فضلا عن ارتباك أسلوب الهجوم السياسي الذي اعتاده عبد الإله بنكيران بعد تعيين امرأة (فاطمة الزهراء المنصوري) على رأس الحكومة لأول مرة، ما وضع الإسلاميين في حرج سياسي في معركة الهوية.
وهو المعطى السوسيولوجي واللساني الذي يتطابق مع ما خلصنا إليه في دراستنا المنشورة بعنوان “المعجم السياسي المغربي: من صراع الأفكار إلى لغة الشارع”؛ إذ وقفنا عند المفارقة الدستورية المتمثلة في كون نخب مرحلة ما بعد دستور 2011، رغم حيازتها نصا دستوريا يوسع صلاحيات الحكومة والبرلمان ويكرس ربط المسؤولية بالمحاسبة، تراجعت عن لغة التأصيل الدستوري لصالح “الدارجة السياسية” ومنطق الفرجة الشعبية والملاسنات الفردية، نتيجة تراجع “المثقف المناضل” وصعود “المقاول السياسي” والفاعل الباحث عن التفاعل الرقمي اللحظي، ما أفرغ الوساطة الحزبية من مضمونها التأطيري المنصوص عليه في الفصل السابع من الدستور.
سطوة المال السياسي وتقاطعات “سوق الرحبة الانتخابي”
من جانبه، حذر مصطفى الخلفي، الوزير السابق والنائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، في مداخلته ضمن الندوة الوطنية نفسها، من تنامي تأثير المال في الاستحقاقات الانتخابية، معتبرا أن الظاهرة تجاوزت الممارسات التقليدية المرتبطة بشراء الأصوات المباشر إلى بروز “جماعات مصالح مالية غير مرئية تؤثر مباشرة على نتائج الانتخابات وتهدد استقلالية القرار السياسي”. وأبرز الخلفي، بالاستناد إلى معطيات رقمية، التفاوت المسجل بين النفقات الفعلية للحملات الانتخابية والتصريحات الرسمية المقدمة بشأنها، مشيرا إلى رصد دفوعات مالية تصل إلى 3 آلاف درهم عن كل منتخب في الدوائر الصغرى، وترتفع إلى 100 ألف درهم في العالم القروي، في تجاوز للسقف القانوني للإنفاق الانتخابي والضوابط الضريبية والرقابية.
وتلتقي هذه المعطيات الرقمية التي أوردها الخلفي مع التشخيص القانوني والميداني الذي بسطناه على صفحات جريدة هسبريس في مقال “سوق الرحبة الانتخابي”، وكذا في مقالنا “كيف اغتالت الأحزاب الجزاء السياسي وتحولت الانتخابات إلى حرفة عائلية؟”؛ حيث أثبتنا أن تسليع الصوت الانتخابي وتحويل التزكيات الحزبية إلى أصول تفاوضية خاضعة لمنطق المزايدة والمضاربة (حركة “الشناقة” ووسطاء الدوائر) يفرغ الانتخاب من طبيعته كوظيفة دستورية واجتماعية كما يؤصل لها الفقيه ليون دوغي، ويحول الانتداب البرلماني والجماعي إلى استثمار مالي يستهدف تحصين المصالح الاقتصادية واسترداد كلفة الحملة، وفقا للتمييز الذي أرساه عالم الاجتماع ماكس فيبر بين من يعيش للسياسة ومن يعيش من السياسة.
وعلى المستوى القانوني والدستوري، سجل الخلفي استمرار اختلالات المنظومة القانونية المؤطرة للاقتراع وانعكاسها على تكافؤ الفرص والتمثيلية الديمقراطية، ولا سيما احتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين في اللوائح الانتخابية بدل الأصوات المعبر عنها، وإلغاء العتبة الانتخابية الذي أفرز “تعددية مفرطة”، إلى جانب اعتماد تقطيع انتخابي يستند إلى معطيات ديموغرافية قديمة لا تحقق التوازن التمثيلي بين المجالين الحضري والقروي؛ كما نبه إلى ضعف تسجيل الشباب في اللوائح الانتخابية، موضحا أنه من أصل نحو 4 ملايين شاب مغربي تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة، لا يتجاوز عدد المسجلين 600 ألف مسجل.
وبخصوص انتقال حزبه من 13 مقعدا (322 ألف صوت) سنة 2021 إلى 54 مقعدا (نحو 700 ألف صوت) في انتخابات 2026، أرجع الخلفي هذه الحصيلة إلى قيادة عبد الإله بنكيران، وتجديد النخب عبر ترشيح 70 في المائة من الشباب، فضلا عن ممارسة النقد الذاتي و”الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت خلال فترة قيادته للحكومة”، من قبيل عدم تسقيف أسعار المحروقات والتوقيع على اتفاق التطبيع والمصادقة على قانون القنب الهندي؛ معلنا استمرار الحزب في موقع المعارضة لمواجهة ما وصفه بـ”البرنامج الليبرالي المتطرف المسنود بالريع”، ومستشهدا في هذا السياق بملفي قانوني المحاماة والصحافة، فضلا عن تقديم مذكرة لإصلاح قوانين الانتخابات الجماعية يوم 15 نونبر الجاري.
“حزب الحاشية” ومفارقة المركز والمحيط في التعبئة الانتخابية
من جهته، وضع محمد المدني، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس، استحقاقات شتنبر 2026 ضمن سياق “سلطوي أو هجين” يطبع الدورات الانتخابية العادية منذ سنة 1993، ويقوم على مفهوم “الصراع السياسي المحدود” المرتكز على التفاوض الضمني والتسويات بين فاعلين سياسيين تتقاطع مصالحهم، خلافا لمرحلة “الصراع السياسي الشامل” التي ميزت استحقاقات الستينيات والسبعينيات.
واستحضر المدني في مداخلته مفهوم “حزب الحاشية” (Court Party) المستمد من التاريخ السياسي الإنجليزي لإسقاطه على حزب الأصالة والمعاصرة المتصدر للانتخابات، موضحا أن هذا الصنف من الأحزاب يستند إلى شخصيات تستمد قوتها من قربها من المؤسسة الملكية وتدافع عن اختصاصاتها في مواجهة القوى المطالبة بتوسيع صلاحيات البرلمان والجهات. واعتبر الباحث ذاته أن هذا المفهوم يبرز القنوات المتداخلة بين الملكية والنسق الحزبي والانتخابات، ويعيد طرح الإشكالية الدستورية المتعلقة بالتوفيق بين “السيادة الملكية” و”سيادة الشعب”، مستدعيا مفهوم الفقيه الدستوري كارل شميت حول “التوافق المتماثل أو المتناقض” (Le compromis bilatéral) باعتباره صيغة مؤقتة لتدبير مسطرة تعيين الحكومة وتنصيبها.
ودعا أستاذ القانون العام إلى التعامل بحذر منهجي مع نسبة المشاركة المعلنة (38 في المائة) بالنظر إلى مصدرها الإداري وما شاب مئات مكاتب التصويت من إشكالات في الضبط، مشيرا في المقابل إلى أن توسع التعبئة الرقمية خلال حملة 2026 لم يلغ أساليب الحشد التقليدية ونقل الناخبين بواسطة الشاحنات والحافلات، بل جعلها تدار بطرق أقل ظهورا، وسط بروز انقسامات مجتمعية حديثة حول قضايا المرأة والتطبيع إلى جانب الانقسامات التاريخية بين أحزاب الحركة الوطنية والأحزاب الإدارية.
وتعزز هذه الملاحظة التي سجلها الأستاذ المدني حول تداخل التعبئة الرقمية والحشد الميداني التقليدي ما توصلنا إليه في دراستنا المعنونة بـ”مفارقة المركز والمحيط في المشهد الحزبي المغربي: دراسة سوسيودستورية في ازدواجية التسويق السياسي وسلوك النخب الانتخابية”؛ حيث رصدنا كيف تمارس القيادات الحزبية المركزية في الرباط ازدواجية تواصلية تقوم على تصدير خطاب ماكرو-تكنوقراطي ومؤسساتي في المركز، مقابل الترخيص الضمني لمرشحي المحيط الترابي في البوادي وهوامش المدن باستعمال آليات الاستقطاب الحشدي والشعبوي وشبكات الزبونية والوعود الخدماتية الفردية لضمان حصد المقاعد واحتسابها في القاسم الانتخابي.
“حزب غير المشاركين” والتحكيم في صناعة الائتلافات
بدوره، اعتبر غسان الأمراني، أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس، أن “الحزب الأقوى والأكبر في المغرب هو حزب غير المشاركين”، موضحا أن احتساب نسبة المشاركة على أساس المسجلين في اللوائح الانتخابية فقط (نحو 15.8 مليون مسجل) لا يعكس حجم الكتلة الناخبة؛ إذ إن احتساب المصوتين قياسا إلى مجموع المواطنين البالغين سن التصويت والحاملين للبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية (أزيد من 23 مليونا) يخفض نسبة المشاركة الفعلية إلى ما بين 17 و18 في المائة فقط، خصوصا في المدن الكبرى كالدار البيضاء (34 في المائة) والرباط (36 في المائة).
وأرجع الأمراني هذا العزوف إلى بقاء المسلسل الانتخابي مرتبطا بهامش الانفتاح أو الانغلاق الذي تحدده الدولة عبر وزارة الداخلية، مسجلا أن الإشكال القانوني لا يكمن في الإشراف الإداري للداخلية في حد ذاته، بل في كونها بالمغرب “وزارة سيادية مستقلة سياسيا عن الإشراف الحكومي ورئيس الحكومة، وتحتكر المعطيات الانتخابية في ظل غياب استطلاعات الرأي”. كما انتقد تكريس القانون الانتخابي لقاعدة “الكل رابح” عبر احتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين، ما أدى إلى “تحجيم الحزب المتصدر” واكتساح الأعيان ورجال الأعمال لمختلف الهيئات الحزبية؛ وهو ما يلتقي مع تحليلنا في “كيف اغتالت الأحزاب الجزاء السياسي” لكون عزوف الكتل الواعية والشبابية في الحواضر يعاد توظيفه عمليا كوقود بنيوي يتيح للأعيان حسم المقاعد بسهولة عبر تحريك الخزان الانتخابي الزبوني المتحكم فيه سلفا.
وفي السياق ذاته، أكدت سلوى الزرهوني، أستاذة العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس، أن تشكيل الائتلافات الحكومية في المغرب لا يخضع لنتائج الاقتراع وحدها، بل يمر كذلك عبر “التحكيم الملكي دستوريا وعبر وساطة مؤسساتية”. واستحضرت الباحثة نظريات الائتلاف الحكومي في العلوم السياسية، ولا سيما أعمال ويليام ريكر ومفهوم “الائتلاف الفائز الأدنى”، مبرزة أن الشروط النظرية لتشكيل الحكومات في الأنظمة الديمقراطية، والمتمثلة في استقلالية التفاوض الحزبي وغياب التوجيه الخارجي والتناسب بين الوزن الانتخابي والتمثيلية الحكومية، تصطدم في الممارسة المغربية منذ سنة 1998 بتراجع دور الإيديولوجيا وتغليب الحسابات البراغماتية والتكنوقراطية، متسائلة: “ماذا نفعل بنتائج التصويت؟ هل نحترم الإرادة الشعبية، أم أن المفاوضات ستجري مع الأخذ بعين الاعتبار اعتبارات أخرى؟”.
مسطرة التنصيب وإشكالية تصريف الأعمال والتوازن المؤسساتي
وعلى مستوى التأويل الدستوري لمسطرة تشكيل الحكومة عقب انتخابات 23 شتنبر، توقفت بثينة القروري، أستاذة القانون العام بكلية الحقوق السويسي، عند الدلالات الدستورية والسياسية لتعيين امرأة على رأس الحكومة لأول مرة في تاريخ المغرب طبقا لمقتضيات الفصل 47 من الدستور، في ظل خريطة برلمانية لم يحصل فيها أي حزب على الأغلبية المطلقة؛ وأوضحت أن مسار المشاورات الحكومية أعاد طرح إشكالات دستورية تتعلق بالمرحلة الفاصلة بين “التعيين الملكي” و”التنصيب البرلماني”، وحدود صلاحيات الحكومة قبل عرض برنامجها ونيل ثقة مجلس النواب.
وهذه الإشكالية الدستورية الدقيقة التي أثارتها الأستاذة القروري في ندوة السويسي تمثل صلب اشتغالنا الأكاديمي في أطروحتنا للدكتوراه حول “المسؤولية السياسية لحكومة تصريف الأعمال” وما بسطناه في مقالنا المنشور بجريدة هسبريس تحت عنوان “العد التنازلي لتصريف الأعمال”؛ إذ إن الحكومة المنتهية ولايتها أو المعينة قبل نيل الثقة البرلمانية بمقتضى الفصل 88 من الدستور والمادة 37 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة، تظل مقيدة في نطاق “تصريف الأمور الجارية” وتفتقد للأهلية الدستورية لاتخاذ قرارات سياسية استراتيجية أو المبادرة التشريعية، ما يطرح تساؤلات قانونية حول تدبير الملفات التشريعية والاجتماعية العاجلة خلال الفترة الفاصلة بين الاقتراع والتنصيب البرلماني، وحول تداعيات التغول الأغلبي وعطالة الرقابة البرلمانية التي سبق أن حللنا أبعادها في دراسة “ديكتاتورية الأغلبية في ميزان الأمن القضائي”.
ومن جانب الفاعلين البرلمانيين، دعا الحسن لشكر، رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، إلى مراجعة تنظيمية وقانونية تتمثل في “التقليص الكبير لعدد مكاتب التصويت” التي تجاوزت 40 ألف مكتب على الصعيد الوطني، مع الإبقاء على مراكز التصويت القريبة من الناخبين، مسجلا أن تعدد المكاتب يصعب مهام المراقبة والتغطية على الأحزاب والإدارة الترابية، ويتسبب في “أخطاء في المحاضر والأرقام أو تضارب بين النتائج المسجلة في المكاتب الفرعية والمكاتب المركزية”. بالمقابل، اعتبر لشكر أن استحقاقات 2026 أنهت “التغول المؤسساتي” للولاية التشريعية السابقة وأفرزت أغلبية حكومية “متناسقة فكريا” وتجديدا للنخب البرلمانية بنسبة 61.5 في المائة من النواب الجدد.
بدورها، اعتبرت منال بادل، النائبة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة، أن توزع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 395 مقعدا على 14 حزبا سياسيا يقتضي، في إطار الفصل 47 من الدستور، الانتقال من منطق التجميع العددي للمقاعد إلى إبرام “تعاقد سياسي وبرنامجي ملزم” بين مكونات الأغلبية الحكومية يحدد الأولويات الاقتصادية والاجتماعية؛ وشددت البرلمانية ذاتها على ضرورة التمييز المفهومي بين “الانسجام الحكومي” الضامن لوحدة القرار التنفيذي، وبين “التطابق الحزبي” الذي يلغي الخصوصيات البرامجية والمرجعية للأحزاب المشكلة للتحالف.
وخلاصة القول إن النقاش العلمي الذي احتضنته كلية الحقوق بالسويسي يثبت أن أزمة التمثيلية في المغرب لا تنحصر في الجوانب المسطرية ليوم الاقتراع، بل ترتبط باختلال العلاقة بين السيادة الشعبية ومراكز القرار الاقتصادي والسياسي، وبتغول المال الانتخابي وشبكات الأعيان على حساب الوظيفة الدستورية للأحزاب؛ وهو ما يفرض إصلاحا شاملا للمنظومة الانتخابية (مراجعة القاسم الانتخابي، التقطيع الانتخابي، التسجيل التلقائي للشباب، وتقليص مكاتب التصويت)، مقرونا بتفعيل صارم لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لإعادة الاعتبار لصناديق الاقتراع كأداة حقيقية للجزاء السياسي والتداول الديمقراطي.
اترك تعليقاً