أربع هزائم انتخابية في عشرة أيام: هل بدأت شبكة الحماية الدولية للكيان الصهيوني تتآكل؟

في قراءة لافتة تحمل دلالات سياسية واستراتيجية، نشرت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، يوم 4 نوفمبر 2026، تحليلاً بعنوان: «كيف خسرت إسرائيل أربعة انتخابات في أقل من أسبوعين؟»، رصدت فيه أربع نتائج انتخابية متتالية اعتبرتها انتكاسات للمصالح السياسية والدبلوماسية للكيان الصهيوني.
وتكمن أهمية هذه التطورات في تزامنها، بما أعاد طرح أسئلة جدية حول مستقبل شبكة التحالفات التي شكلت لعقود إحدى أهم ركائز الحماية السياسية والعسكرية للكيان.
أربع انتكاسات في المشهد الدولي
أولاً، خسارة حليف صربي بارز، بعد فوز اللائحة المدعومة من الحركة الطلابية في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر، بما يهدد استمرار التعاون العسكري والتسلحي الذي استفاد منه الكيان، خاصة في ظل القيود التي فرضتها بعض الدول الأوروبية على علاقاتها الدفاعية معه. كما تضمن برنامج الحركة الفائزة موقفاً رافضاً للتواطؤ مع تدمير الشعب الفلسطيني في غزة.
ثانياً، فوز الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا بولاية جديدة، بما أغلق الباب أمام عودة اليمين البرازيلي، المعروف بتقاربه مع الكيان، إلى السلطة. ويأتي ذلك امتداداً لمواقف لولا المنتقدة لحكومة نتنياهو، ودعم البرازيل للمسار القانوني الذي تقوده جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بشأن جريمة الإبادة الجماعية، فضلاً عن استدعاء سفيرها من تل أبيب.
ثالثاً، استمرار المأزق السياسي الداخلي للكيان الصهيوني، في ظل انقسام برلماني لا يضمن تشكيل حكومة مستقرة، بالتزامن مع تصاعد التحديات العسكرية والأمنية والدبلوماسية وتراجع صورته الدولية.
رابعاً، التحول في موازين القوى داخل الولايات المتحدة، عقب الانتخابات النصفية التي أسفرت عن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس، وما يحمله ذلك من إمكانات لتنامي الأصوات المطالبة بإعادة النظر في الدعم العسكري والسياسي غير المشروط للكيان.
اللوبي الصهيوني والمال السياسي: حدود النفوذ
ومن أبرز دلالات الانتخابات الأمريكية الانتكاسات التي تعرضت لها الشبكة السياسية المرتبطة بلجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC). فقد أشار تقرير لموقع Responsible Statecraft إلى إنفاق نحو 84.1 مليون دولار في السباقات الانتخابية التي حُسمت، خُصص 55.3 مليون دولار منها لمعارك انتهت بخسارة المرشحين الذين دعمتهم الشبكة أو فضّلتهم.
وتبرز ولاية ميشيغان نموذجاً لافتاً، حيث أنفقت لجنة United Democracy Project المرتبطة بـAIPAC أكثر من 30 مليون دولار لمواجهة عبد الرحمان السيد (عبدول) ودعم منافسته، لكنه تمكن من الفوز.
ولا يعني ذلك انهيار نفوذ اللوبي الصهيوني أو خسارة جميع مرشحيه، لكنه يكشف حدود قدرة المال السياسي على التحكم في الاختيارات الديمقراطية، ويؤشر إلى تنامي مساحة الاعتراض على سياسات الاحتلال داخل المجتمع الأمريكي ومؤسساته السياسية.
من الشارع إلى صناديق الاقتراع: فلسطين تتحول إلى قوة تأثير
لا يمكن قراءة هذه النتائج بمعزل عن التحول الذي أحدثته حرب الإبادة على غزة في الرأي العام العالمي. فمن الجامعات الأمريكية والأوروبية إلى الشوارع والساحات والنقابات والحركات الطلابية والهيئات الحقوقية، اتسعت حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني، وأصبح الموقف من الاحتلال والتسليح والتطبيع موضوعاً حاضراً في النقاشات السياسية والانتخابية.
والأهم أن التضامن بدأ يتجاوز التعبير الأخلاقي والإنساني نحو التأثير في السياسات العامة والبرامج الانتخابية ومواقف المرشحين والمنتخبين. ورغم أن القضية الفلسطينية ليست العامل الوحيد المحدد لاختيارات الناخبين، فإن حضورها المتزايد في النقاش السياسي يمثل تحولاً لا ينبغي الاستهانة به.
المغرب: الشعوب ليست حكوماتها
وفي هذا السياق، يبرز الحراك الشعبي المغربي المستمر ضد التطبيع، ومن أجل وقف حرب الإبادة ورفع الحصار عن غزة، رغم استمرار التطبيع الرسمي.
لقد أثبتت التجربة المغربية أن مواقف الحكومات لا تختزل مواقف الشعوب، وأن العلاقات الدبلوماسية لا تستطيع مصادرة الضمير الشعبي أو إلغاء حق المواطنين في رفض السياسات التي تتعارض مع قناعاتهم ومبادئهم.
كما أن التضامن مع فلسطين تجاوز حدود العالم العربي والإسلامي، ليشمل مجتمعات أوروبية وأمريكية وآسيوية وإفريقية، بما فيها بلدان ترتبط حكوماتها بتحالفات وثيقة مع الكيان.
هل نحن أمام بداية تآكل شبكة الحماية الدولية؟
لا تعني هذه التطورات أن الكيان الصهيوني أصبح معزولاً بالكامل، أو أن حلفاءه التقليديين تخلوا عنه؛ فالولايات المتحدة ما زالت توفر له دعماً استراتيجياً وعسكرياً واسعاً، كما تواصل حكومات غربية تقديم أشكال مختلفة من الدعم السياسي والعسكري.
لكن المؤشرات المتراكمة تكشف عن تغيرات مهمة: تصاعد مساءلة سياساته داخل البرلمانات والأحزاب، وتزايد الضغوط على علاقاته العسكرية، وتراجع صورته لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي.
ولعل ما يقلق قادة الكيان أكثر هو احتمال تحول التضامن الشعبي العالمي إلى قوة سياسية منظمة، قادرة على التأثير في الانتخابات والبرلمانات والحكومات.
من التضامن الأممي إلى بناء قوة دولية منظمة
إن الدرس الاستراتيجي لهذه التحولات هو أن المرحلة تتطلب الانتقال من التضامن الموسمي إلى بناء تحالفات دولية دائمة ومستقلة، تجمع النقابات والحركات الطلابية والهيئات الحقوقية والقوى التقدمية وشبكات التضامن في مختلف القارات.
ويقتضي ذلك تطوير برامج عمل مشتركة تشمل المقاطعة وسحب الاستثمارات ووقف تصدير الأسلحة، والترافع أمام المؤسسات الدولية، ومساءلة الأحزاب والمنتخبين، وجعل احترام حقوق الشعب الفلسطيني معياراً أساسياً لتقييم السياسات والبرامج الانتخابية.
وهنا تبرز أهمية الشبكات الدولية للتضامن بين الشعوب، باعتبارها فضاءات ديمقراطية مستقلة لتنسيق النضالات وتبادل الخبرات وربط المبادرات المحلية بالتحركات الأممية.
إن المعركة لم تعد فقط في فلسطين، بل أصبحت أيضاً في الجامعات والشوارع والنقابات والبرلمانات وصناديق الاقتراع عبر العالم.
وحين تتحول أصوات الشعوب إلى قوة منظمة، ويصبح استمرار دعم الاحتلال مكلفاً سياسياً وانتخابياً، يمكن لموازين القوى الدولية أن تتغير، وتتآكل تدريجياً منظومة الحماية التي يستند إليها الكيان الصهيوني.
فالتضامن مع فلسطين ليس دفاعاً عن حق شعب واحد فحسب، بل هو نضال من أجل عالم أكثر عدلاً وحرية، تتحرر فيه إرادة الشعوب من هيمنة المال واللوبيات والمصالح الإمبريالية.
اترك تعليقاً