التضليل بشأن هزيمة ترامب والترامبية

للطرفين، النظام القومي-الإسلامي في إيران وإدارة ترامب، مصلحة في إشاعة الأوهام والتضليل بشأن هزيمة الحزب الجمهوري وسياسات ترامب في الانتخابات النصفية الأخيرة، التي جرت في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026. فقد حصد الديمقراطيون في مجلس النواب 240 مقعداً من أصل 434، بينما حصلوا في مجلس الشيوخ على 54 مقعداً من أصل 100، علاوة على الفوز بمناصب حكام ولايات تكساس وأوهايو وجورجيا. ويتفق الطرفان، عن سبق إصرار وترصد، على أن الهزيمة المدوية التي مُني بها الحزب الجمهوري أمام غريمه الديمقراطي تعود إلى “حرب الولايات المتحدة الأمريكية على إيران”.
نعم، كانت الحرب على إيران عاملاً في ارتفاع تكاليف المعيشة، من خلال زيادة أسعار الوقود، لكن اختزال الهزيمة المدوية للحزب الجمهوري، التي تُعدّ من الحالات النادرة التي يخسر فيها أحد الحزبين غرفتي الكونغرس معاً، إذ لم يحدث ذلك سوى ثلاث مرات منذ الحرب العالمية الثانية، في الحرب على إيران، ليس سوى محاولة تضليلية لإخفاء حقيقة الهزيمة المدوية للتيار القومي الشعبوي، وإسدال الستار على أحد أكثر الفصول صخباً وفوضوية وعنصرية التي خيّمت على المشهد السياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية، وامتدت تداعياتها إلى أوروبا، بل إلى العالم برمته.
إن النظام في إيران يروّج، عبر مسؤوليه، بأنه حقق انتصاراً على الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب التي شنتها عليه ، مستنداً في ذلك إلى سياسة خنق مضيق هرمز، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية. الأمر الذي ساهم في منح الأصوات للحزب الديمقراطي. وعلى المستوى نفسه، برّر ترامب ونائبه وغالبية المرشحين المهزومين في الحزب الجمهوري خسارتهم الانتخابية بالحرب على إيران.
يصب مصلحة النظام في إيران في تسويق صورة هزيمة الحزب الجمهوري داخلياً، في ظل ارتفاع معدلات التضخم وغلاء المعيشة، وتسريح عشرات الآلاف من العمال والموظفين في قطاعات صناعية مختلفة، وعدم قدرة الحكومة على دفع معاشات ورواتب العمال والموظفين بسبب الحصار الوحشي الذي تفرضه الولايات المتحدة على جماهير إيران. فلا عزاء للنظام في إيران، في ظل مقتل الصفين الأول والثاني من قادته، وعلى رأسهم المرشد الأعلى، وتصاعد السخط الاجتماعي، واقتراب انتهاء مفعول الخطاب القومي، سوى تسويق هذا «الانتصار».
في الجانب الاخر، تحاول الإدارة الأمريكية تسويق هزيمتها من خلال إرجاعها إلى حربها على إيران، لإخفاء ماهية وحقيقة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي انتهجتها منذ تولي الحزب الجمهوري الحكم، والذي تمثل حركة «ماغا» القومية والعنصرية (اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى – MAGA) جناحها المهيمن، بزعامة دونالد ترامب، التي رفعت راسها أي حركة ماغا منذ فوزه في انتخابات عام 2016. وقد تحولت هذه الحركة إلى تيار شعبوي وقومي مهيمن على الحزب الجمهوري بأكمله، إن لم نقل إنها ابتلعته.
جاءت هزيمة ترامب والترامبية نتيجة السياسات الاقتصادية التي انتهجتها، وفي مقدمتها رفع التعرفة الجمركية على جميع دول العالم. فقد حاولت هذه السياسات وضع العصا في عجلة انحدار مكانة الولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد الاقتصادي، عبر فرض رسوم جمركية تتناقض مع قوانين التطور الرأسمالي. فالتعرفة الجمركية التي فرضها ترامب على جميع دول العالم، دون استثناء وبنسب مختلفة، تكشف عن الكوميديا السوداء التي يمثلها البلد الذي كان وراء تأسيس منظمة التجارة العالمية واقتصاد السوق الحر في عقد التسعينيات من القرن الماضي، وإزالة الحدود القومية امام تدفق السلع والبضائع و تأسيس المناطق الحرة. وقد أدت هذه السياسة إلى رفع تكاليف المعيشة، فيما بلغ معدل التضخم 3%، وهي النسبة نفسها التي كانت سائدة في عهد بايدن، والتي أطاحت بخلافته المرشحة للرئاسة كاميلا هاريس مقابل تتويج دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية للمرة الثاني في انتخابات عام 2024.
وبموازاة ذلك، رُفعت ميزانية الدفاع إلى أكثر من تريليون دولار لترافق سياسة التعرفة الكمركية. فدون العسكرتارية الامريكية فلا مكان لتمرير سياساتها وهيمنتها الاقتصادية على العالم. وفي الوقت الذي جرى تخفيض الإنفاق في مجال الصحة إلى 900 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي سيؤدي إلى خروج 11.8 مليون إنسان من نطاق التأمين الصحي حتى عام 2034، وفقاً للجنة الموازنة في الكونغرس. وبمحاذاة ذلك، جرى تخفيض 12 مليار دولار من موازنة التعليم الفيدرالي في عام 2026، بينما خُفّضت الضرائب على شركات إنتاج الأسلحة والأسهم الخاصة ومنتجي الوقود الأحفور، فيما رفعت الضرائب على الطاقة النظيفة. وقد جاءت هذه السياسات على حساب العمال والموظفين وأصحاب الدخل المحدود والطبقة الوسطى عموماً في الولايات المتحدة الأمريكية،.
وليس هذا كل ما في المشهد؛ فعلى الصعيد الاجتماعي، انتهجت الإدارة سياسة عنصرية تجاه المهاجرين والمواطنين الأمريكيين من أصول مهاجرة. وقد انتهكت القوات التي أُطلق لها العنان، والمعروفة باسم وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، حقوق الإنسان بشكل فاضح، من خلال إطلاق النار على عدد من المهاجرين الذين يجري القبض عليهم، وسجن مواطنين أمريكيين من أصول مهاجرة دون أي مسوغ قانوني، فضلاً عن الترحيل القسري لعدد ليس قليل من لديهم الإقامة الدائمة، وغيرها من الممارسات، وساهمت هذه السياسة في خسارة الجمهوريين مواقعهم التقليدية في ولاية تكساس، التي ظلت جمهورية بامتياز طوال عقود من الزمن، وذلك في ظل وجود أعداد كبيرة من المهاجرين من أصول لاتينية. وأصبحت حاكمة الولاية من أصول لاتينية مهاجرة- ناهيك عن الهجمة الشرسة على الحريات، وخاصة حرية التعبير والتظاهر ضد السياسات الإسرائيلية الفاشية في غزة، حيث جرى ترحيل العديد من الطلبة في الجامعات، وتعليق قيد عدد ليس قليلاً منهم، وتحولت الجامعات إلى قلاع بوليسية. يضاف إلى ذلك الهجمة على النساء في مجال حق الإجهاض، وكذلك الهجمة على حق تغيير الجنس وحقوق المثليين.
والأكثر سخرية على الرغم من أن الخطاب السياسي الدعائي للترامبية تميز بالهجوم على الشيوعية، وتوجيه تهمة الانتماء إليها إلى خصومها، مثل زهران ممداني، الذي انتُخب عمدة لبلدية نيويورك، وكانت تلك أول صفعة للترامبية، إلى جانب تسخين الخطاب القومي الشعبوي، فإن هذا الخطاب سقط مدوياً في الانتخابات. ولم تنقذه حتى خطابات معاداة السامية، التي أصبحت أسطوانة مشروخة لا تباع ولا تشترى، إلى جانب تكرار اتهامات الإرهاب والجهادية والإخوان المسلمين، وغيرها لخصومه من المرشحين الديمقراطيين. ويجدر بالذكر أن نسبة 26% من يهود ميشيغان منحوا أصواتهم لعبدول السيد، الذي اتهمه ترامب بمعاداة السامية والإرهاب والانتماء إلى الإخوان المسلمين حسب راديو National public radio( NPR) الإذاعة الأكثر مصداقية في أمريكا.
إن السياسة الدعائية الممنهجة، التي تستهدف إخفاء أسباب هزيمة الحزب الجمهوري والترامبية بشكل خاص، والتي تقف وراءها الآلة الدعائية الأمريكية المأجورة، تهدف إلى التستر على أجندة الطبقة الحاكمة الفاسدة في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد بلغت كلفة الانتخابات والإنفاق الهائل على حملاتها، بما في ذلك ما قدمته شخصيات مثل إيلون ماسك من تبرعات لتمويل إعلانات الحزب الجمهوري، ما يقارب نصف مليار دولار في ولاية تكساس وحدها. كما بلغ حجم الإنفاق الانتخابي للحزبين 11.9 مليار دولار، أنفق الحزب الجمهوري أكثر من ثلثي هذا المبلغ، من خلال تبرعات قدمتها شركات رأسمالية كبرى تعمل في مجالات الصناعات الدفاعية والعملات المشفرة والكازينوهات وغيرها.
ولا تنتهي القصة عند هذا الحد، بل إن هذا التضليل يسهم في التعتيم على حجم الفساد المالي الذي اتسعت رقعته داخل الإدارة الأمريكية. فعلى سبيل المثال، حظي كين باكستون، المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ولاية تكساس، والذي كان يشغل منصب المدعي العام في الولاية، بدعم شخصي من دونالد ترامب، رغم تورطه في قضايا فساد مالي.
لقد هيمنت الترامبية، منذ هزيمة دونالد ترامب عام 2020، على المشهد السياسي الأمريكي، وارتبطت بما اشتهرت به أحداث الكابيتول، حين اقتحم مؤيدو ترامب المبنى ودمروا وخربوا محتوياته، وسقط ضحايا في ذلك المشهد الدرامي، عقب رفض ترامب الاعتراف بهزيمته واتهام بايدن والحزب الديمقراطي بتزوير الانتخابات. وقد نما هذا التيار، ونفخ الروح في اليمين العنصري والفاشي على صعيد أوروبا، في فرنسا وإيطاليا وبريطانيا وألمانيا، الذي كان بالكاد يرفع رأسه في أوروبا، لينتشر كالوباء. وأصبح أكثر جرأة في معاداة المهاجرين، وتحميلهم مسؤولية الأزمة الاقتصادية والفجوات الأمنية.
وأخيراً، فإن هزيمة ترامب والترامبية التي تمثلها حركة «ماغا» هي تعبير عن رفض سياسة عنصرية تقترب من النازية الألمانية أو الفاشية الإيطالية اللتين ظهرتا في نهاية العقد الثاني والعقد الثالث من القرن المنصرم. وهي تكشف للجميع أن العالم المتمدن، والتيار الإنساني الذي تتقدمه الطبقة العاملة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، والذي تصدى لليمين المعادي للمهاجرين ولسياسات التقشف، وساند الشعب الفلسطيني، أقوى بكثير مما كان يُشاع حول بزوغ فجر اليمين وهيمنته على سياسات النظام الرأسمالي العالمي الذي يقوده الغرب، سواء في مجال الاقتصاد والسياسات الاجتماعية. ان هزيمة ترامب والترامبية هي تتويج للتظاهرات والاحتجاجات التي رفعت شعارات مطالبة بتحسين الوضع المعاشي والصحي والتعليمي ومؤيدة لفلسطين وحقوق النساء ومعادية للعنصرية وقمع حرية التعبير.
اترك تعليقاً