وجهة نظر

قالوا وسيقولون نحن ومن بعدنا الطوفان

العقول الراقية لا تكف عن التفكير في إيجاد حلول لمشاكل البطون الجائعة، والعقول المتحجرة الظلامية لا تفكر سوى في النتائج “المخيبة” للصناديق التي صححت الوضع واختارت الأجدر.

الأسعار عالميا تتسارع وترتفع لعدة اعتبارات، منها جائحة كورونا والتوترات السياسية ببعض المناطق، حتى وإن لم يكن وليد اليوم، بل منذ نهاية الثمانينات والاقتصاد العالمي يعرف شدا وجذبا، والمواطن الضعيف بالبلدان النامية يشد الحزام على بطون فارغة.

في الدول المتقدمة كالصين مثلا، والتي تعودنا منذ سنوات طوال على تتبع ارتفاع مؤشرات نموها الصاروخي، والذي يصل إلى 9 في المائة، أصبح لا يتجاوز 5 في المائة، أما ألمانيا والتي لا مثيل لها في مؤشرات النمو، فقد تجاوز وضعها سقف 15 في المئة من المواد الاستهلاكية خلال أكتوبر الماضي علما أنه لم يكن ليتجاوز قبلا عشرة في المائة.

وإذا ما تصفحنا مكتب الإحصاء المركزي الألماني، فسنجد ارتفاعا مهولا للأسعار حاليا يقدر بـ55 في المئة مقارنة مع السنة الماضية، على سبيل المثال لا الحصر، فأسعار الحبوب عرفت ارتفاعا بنسبة 27 في المائة، والخشب بنسبة 48 في المائة والحديد والمعادن بنسبة 60 في المائة، وبطبيعة الحال، فهذا الوضع لا يقتصر على هذه الدول فقط بل يمثل 20 دولة تساهم في 85 بالمائة من الناتج العالمي.

واش هاد الغلاء مؤقت ولا غادي يطول؟

لن نتكلم عن المشكل عالميا ولكن سأطرحه وطنيا، ما سمعنا يوما شخصا مات بالجوع أو شخصا نام جائعا، فعملية التويزة والتضامن والقوافل وموائد الرحمان وقفف المساعدات أضحت تغطي جل مناطق المملكة وتسد حاجيات بعض البطون التي لا تستطيع توفير لقمة العيش .. فالمغرب ليس أول مرة يعُّمه الجفاف بل كانت هناك محطات وهي 1960، و1961، و1974، و1975، وأيضاً أعوام 1986، و1987، و1991، و1993، و1994، و1995، سنوات كانت خلالها التساقطات المطرية ضعيفة، ونتج عن ذلك شح في المواد الغذائية المعروضة في الأسواق، وهجرة الفلاحين إلى المدن، أي أن الفلاح الصغير تضرر بشكل كبير، وهدا الجفاف كان أربع أضعاف الوضع الحالي الذي عليه المملكة اليوم، ورغم كل ذلك اتخذت الحكومات المتعاقبة عدة تدابير قصد التخفيف من آثاره، وهدا ما نشاهد في يومنا هذا مع حكومة 8 شتنبر، والتي أعدت مخططا استعجاليا لمواجهة جفاف 2022 وانتظرت الضوء الأخضر من جلالة الملك محمد السادس.

ومع ذلك فطبول الخبت لم تكف عن الدق، ونشر الأكاذيب والتهويل بين الناس، ومحاولة الانتقام من ما أفرزته صناديق 8 شتنبر، وهذا ما لا يؤدي سوى إلى خلق توتر عميق وشرخ كبير بين المواطنين والأطياف السياسية.

“مريدي الشاشات الزرقاء يتخذون شعار 8 شتنبر بعده الطوفان”

التضخم المرتفع للأسعار والمواد الاستهلاكية يهدد بشكل كبير تراجع القدرة الشرائية لجل سكان الدول المصنعة وهذا الوضع يندر بتراجع نسبة المعيشة بـ 25 في المائة إن استمر الوضع خلال السنوات القادمة، دون أن نغفل أن التوترات السياسية بين الصين ودول أخرى من بين أكبر مسببات ارتفاع الأسعار واستحالة العيش بخبزة وعلبة سردين.

هذا الوضع المأساوي لا يكثر له قادة الحروب العالمية حتما، والذي سيؤدي إلى ارتفاع مهول في ثمن الاستيراد وخصوصا الدول النامية والعربية خاصة والنتيجة ستكون المزيد من الهجرة والفقر والهشاشة .

كل هذا ليعلم الجميع أن ارتفاع الأسعار ليس من مسببات الحكومة الحالية التي سارعت لإيجاد حلول من أجل المواطن المغربي حتى يتمكن من توفير القوت اليومي، وهي كذلك جزء من الشعب المغربي المتضرر والواعي بالمسؤولية التي على عاتقه.

ولهذا ولذاك، لا تبخسوا عمل من يسهر ليلا ونهارا لجعل الوضع الحالي أسهل وأيسر على المواطن، ولا نكن عديمي التفكير حتى ننصاغ لخرجات المطبلين والعدميين الدين قالوا وسيقولون نحن ومن بعدنا الطوفان، فالدين لله والوطن للجميع.

إبراهيم الراجي رئيس الجمعية المغربية للإغاثة المدنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *